الرئيسية » مقالات » السلطة والثروة في غزة أهم من الوطن

السلطة والثروة في غزة أهم من الوطن

استاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة
الدول الحديثة المتحضرة أيا كانت طبيعة نظامها السياسي تسود فيها ثقافة الحوار المؤسسة علي توافق وطنى مدني بكلمات مثل الوطن والديمقراطية والمواطنة وهذا موجود في بلدان إسلامية متنورة مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا ففي هذه البلدان الوطن يعلو علي الاختلاف في الديانة والإنجاز التكنولوجي والنجاح الاقتصادي ورفع مستوى غالبية الناس معيشيا ورفع كفاءاتهم مهنيا وتعليميا هو المعيار وهذا ما يفسر التقدم والنجاح المتواصل لحزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا بعد ست سنوات من الحكم. لكن ذلك – وتلك مصيبة كبرى – لم يصل إلي الآن إلي عقول متخلفة تمثل نظم الحكم العربية وكذلك كثير من قيادات الإسلام السياسي وعلي رأسها جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي وحركة حماس عضو فيه وتحتضنها جماعة الإخوان في مصر.
ويبدو أن النجاح معاييره مختلفة وشاذة عند الأخوة الفتية المؤمنين بربهم من قادة حماس، ومعظمهم بالمناسبة لم يحمل السلاح يوما ضد إسرائيل ولم يقبع في سجون الاحتلال بل كان مرفها في دول نفطية عربية، معاييره مختلفة وشاذة لأنه يعتبر مثلا أن اعتبار الآخر العدو مثلا هو مختلف الفصائل والتنظيمات السياسية والنقابية والمدنية الفلسطينية معيار النجاح، وكذلك تخوين كل هؤلاء واتهامهم بالفساد وحصر ممارسة الفساد فقط في السلطة والرئاسة بينما من يعرف بالضبط مصادر تمويل حركة حماس المتنوعة والكثيرة جدا جدا تتلقاها باسم الشعب الفلسطيني ككل وفي غزة بعد الانقلاب وتذهب لدعم وإعاشة الأخوة الفتية المؤمنين بربهم من مسلحين وكوادر. والدليل الدامغ علي ذلك هو لماذا زاد عدد المتعطلين عن العمل وزاد توقف الورش والمصانع عن العمل وزاد حرمان وشقاء الشعب الفلسطيني بعد انقلاب حماس؟. الحصار الصهيوني هو المسئول الأول طبعا لكن بعدما انسحبت إسرائيل من غزة ونجحت حماس في الاستيلاء عليها وإقامة “الإمارة الإسلامية”، فإن وضع غزة إبان الاحتلال وبعده وحتى ما قبل انقلاب حماس في يونيو 2007 كان أفضل.
الغرض الأساسي لحركة حماس تبين بشكل صارخ بعد انقلابها في غزة في يونيو 2007 أنه الإبقاء علي السلطة والبقاء في السلطة في غزة بحسبان أن غزة صارت “إمارة إسلامية” محررة شكلا من الاحتلال الإسرائيلي وعمليا تتحكم تل أبيب في دخول أو خروج أية مساعدات إنسانية والإمداد بالمياه والكهرباء والغاز ودخول الأفراد وخروجهم ودخول البضائع والشاحنات وحدود مغلقة أيضا يعاني منها أشقاؤنا في غزة علي معبر رفح بفعل إصرار نظام مبارك علي عدم التضحية بحلفه مع أمريكا وإسرائيل لحساب فتح المعبر وخوف هذا النظام من أن تكشر واشنطن وتل أبيب عن الأنياب!!.
و”الإمارة الإسلامية” هذه لا تتجاوز مساحتها 362 كم أي مساحة شارعين من شوارع حي شبرا بالقاهرة!!. لكنها مزدحمة بمليون ونصف من البشر المحاصرين المعذبين يوميا بسبب كوارث الصدام الخائب والانتهازي بين فتح وحماس والحصار الصهيوني وخوف النظام المصري من غضب أمريكا وإسرائيل بإصراره علي استمرار إغلاق معبر رفح. معنى ذلك أن حماس لم تعد تختلف عن قيادة سلطة الحكم الذاتي وعن الرئيس أبو مازن من زاوية التشبث بالسلطة أيا كانت المخاطر والكوارث علي الشعب الفلسطيني.
مما يلفت النظر أن حركة فتح والسلطة الوطنية تحت قيادة عرفات ورغم مسئوليتها الكاملة عن كارثة اتفاقات أوسلو وتوابعها، لكن عرفات لم يلجأ إلي الحسم الدموي للقضاء علي الفصائل الفلسطينية الأخري وكان يستخدم أسليب سياسية ومالية أساسا في إحداث اشتقاقات في الفصائل الفلسطينية المعارضة، ولم يقل يوما أنه ينفذ مشيئة الله كما يزعم كثير من قادة حماس ولم يستخدم دعاية زائفة منسوبة زورا وبهتانا إلي الإسلام ضد خصومه بعكس ما تفعله حماس الآن. والمثير للسخرية ما قامت به حماس بعد انقلابها المسلح من اعتداءات دموية وعنيفة ليس فقط ضد حركات تختلف معها من حيث المرجعية السياسية بل حتى ضد شركاء لها في التوجه الإسلامي السياسي مثل حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكري الفدائي سرايا القدس وحليفها “تنظيم جيش الاسلام برئاسة ممتاز دغمش” الذي حاصرته 14-15/9/2008 وقتلت منه 9 تسعة عناصر وبينهم طفلة، ومارست اعتداءات كثيرة تمثلت كمثال في حرق مكتبة مسيحية واقتحام حتى “الجامعة الإسلامية” في غزة بهدف الاستيلاء علي مواد كيماوية تستخدم للأغراض العلمية.
بالمناسبة السعودية هي التي موّلت مشكورة كل مراحل إنشاء الجامعة بمبلغ كبير هو 350 مليون دولار في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي. ولم تقدّر بعض قيادات حماس التي تتميز بالرعونة والطيش أن كثيرا من الشعب السعودي وبعض أفراد العائلة المالكة يقدمون لحماس تبرعات هائلة سنويا لا تقل عن 250 مليون دولار من المفترض أن توجه لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة في مواجهة القمع والحصار الصهيوني، لكن هذا المبلغ الضخم يذهب لجيوب حركة حماس. وأيضا لم تحترم حركة حماس قداسة وحرمة الجامعة التي هي إسلامية ضمن خطتها لأهمية إخضاع مختلف المؤسسات الثقافية والمدنية والإعلامية والدستورية لقادة الإمارة الجديدة والجدد.. “إمارة غزة الإسلامية”.