الرئيسية » بيستون » من قتل وردة السوسن ؟ ( من واقع الكورد الفيليين ) ..

من قتل وردة السوسن ؟ ( من واقع الكورد الفيليين ) ..

أتعلمين إن سوسن ماتت…؟
ضربتني صاعقة … أحرقت قلبي … ورجت كياني … كنت أتوقع أن تسقط أوراق حياة هذه الوردة الكوردية الفيلية الزكية خلال الشهور القادمة .. لكن ليس بعد شهر من آخر لقاء لنا في بغداد ، فقد وعدتني أنها ستفتح لي صدرها بعد عودتها من إيران حيث ذهبت للعلاج وتخبرني عن أدق تفاصيل المحن التي مرت بها هي وأهلها منذ ذلك العام الذي نفذت فيه ضدنا كلنا، نحن الكورد الفيلية جريمة العصر النكراء عام 1980م. لكي نوثق تلك الجرائم وعن لسان المهجرين قسراً أنفسهم . لكن للأسف هذه هي المرة الأولى التي لم تفي أسطورة الوفاء بعهد قطعته على نفسها…
مصيبة موجعة… خسارة فادحة … لماذا يا ربي ؟ أين أنت من كل هذا الظلم ؟ أدور في البيت مغمومة وأكلم نفسي… أبحث عن شيء لا أدري ما هو … عم كنت أبحث يا ترى ؟ لا أدري … لعلني كنت أبحث عن شيء أفتقده ليشاركني حزني … مثل … ذراعي أمي ، لكي أضع رأسي عليها ، وتبدأ بصوتها الدافئ الحنون إنشاد المور باللهجة الكوردية الفيلية حزنا على سوسن وعلى كل الذين رحلوا وما أكثرهم … لكن أمي أنا، رحلت مظلومة هي الأخرى ، ذات ظهيرة قبل عام ونصف … فمن يبكيها معي ياترى ؟…

من ينشد المور الحزين لي ولا أحد بقى منهم هنا ، هل قضي علينا حقاً ؟ إذا نقول لا فالكورد شعب لا يموت … إذاً أين أهلينا ، أين نساء الكورد الفيلية حتى يجتمعوا اليوم في بيت أبيها وجدها وبيوت أعمام أبيها المتجاورة في منطقة العطيفية ، التي تذكر دجلة التي تطل عليها ليلا ونهار بمأساة أهاليها الذين هجروا قسراً قبل 28 عاماً وإن من فيها الآن هم حواسم احتلوها قسراً بعد هروب البعثية منها إثر انهيار صرح الطاغية المقبور…
جلست وحدي … استذكر ماضياً راح عقب الرياح العاتية إلى الأبد ، أجوب أزقة وبيوت كانت يوما عامرة بأهاليها … أنشد المور بنفسي :
( هاتمه ماله كه د ، سه ري به كيشم …. تو له مال نيد له كو بنيشم ؟ )
جئت لدارك أتفقد حالك … أين أجلس ؟والدار أخلي منك ؟ . شاركتني مقلتي حزني ومحنتي .. وسالت ، تعزيني وتسليني …
عرفت سوسن منذ طفولتنا الأولى ، فقد كنا أقارب وجيران نسكن في نفس الشارع في منطقة العطيفية في أوائل الستينات ، قضينا مرحلة الابتدائية معاً في مدرسة أشبيلية الابتدائية للبنات . هي سوسن إبراهيم سهراب ، ولدت في عائلة كوردية فيلية عريقة ، غنية ، مثقفة ووطنية ، قدمت الكثير من الكفاءات العلمية للعراق والشخصيات السياسية ولعل أبرزهم هو الأستاذ عبد الرزاق عزيز شيرة فيلي أحد مناضلي حركة التحرير الكوردية وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني الكوردستاني والوزير السابق في حكومة إقليم كوردستان الذي كانت عائلته صاحبة إحدى بيوت الأخوة المتجاورة، وزرعت في ذات سوسن منذ الطفولة حب قوميتها الكوردية وحقها في ضمان حقوقها المشروعة ومنها حقها في تقرير المصير، وتعرفت عن قرب على أنواع الظلم الذي تعرض له الشعب الكوردي برمته من خلال النضال والملاحقة التي تعرض لها الأخ الفاضل عبد الرزاق فيلي ثم تهجير عائلته القسري في أوج المعارك بين الكورد والحكومة العراقية البعثية في السبعينات إلى كوردستان وانتقالهم إلى إيران لفترة من الزمن ووفاة وردة أخرى من بنات هذه العائلة الكريمة وهي شقيقته المرحومة ناجحة عزيز شيرة ، التي كانت هي الأخرى زميلتنا في مدرسة أشبيلية بسبب عدم تحمل جسمها الرقيق لكل تلك المآسي التي تعرضت لها وعائلتها على يد جلاوزة البعث .
كان عدد كبير من بنات الكورد الفيلية يدرسن في مدرسة اشبيلية ، آنذاك وكن من أذكى طالباتها والسباقات في المشاركة في النشاطات المدرسية الفنية منها والرياضية . وفي يوم من الأيام ، استهزأت إحدى الطالبات العرب بالكورد ونعتتهـم ( بالحمير وبأنهم كلهم حماميل والعرب هم أصحاب الفضل عليهم لأنهم سووا ابراسهم خير ) وردت عليها طالبة كوردية أنه لا يحق لها أن تتكلم بهذا الأسلوب علينا ، خرجت مجموعة من الطالبات العرب الأخريات في الدفاع عن تلك الطالبة ونشبت مشادة كلامية بيننا وبينهم وانتهت بالصياح والصراخ وشد الشعر ، وتدخلت المديرة وأرسلت الجميع إلى الصفوف . وفي اليوم التالي استدعت أمهاتنا نحن الكورديات فقط لكي تحذرهن من تصرفنا الخطر حسب قولها ، وانه علينا أن لا نثير قضايا سياسية في المدرسة ولولا معرفتها بأن عوائلنا أناس طيبين لاتخذت إجراء آخر ضدنا !!! … لم أنسى ذلك الحادث أبدا ، الذي دفعني إلى التفكير بأمور كثيرة على الرغم من حداثة سني ، ومنها لماذا نحن الكورد مميزون عن غيرنا ؟ لكن توالي الأحداث الدامية بحق الكورد بشكل عام وأبناء شريحتنا الكوردية الفيلية بشكل خاص أوضحت لي تدريجياً تلك الأسباب.
انتقلنا عام 1963 من منطقة العطيفية إلى منطقة أخرى في بغداد ، ولم أرى سوسن سنوات طويلة ، إلا إن التقينا صدفة في أوائل عام 1980م. في حفلة زفاف إحدى بنات هذه العائلة الكريمة … وكانت هي قد غدت شابة فاتنة لها جمال الغجر بعيونها السوداء الواسعة وشعرها الأسود المجعد وكانت تنقصها وردة حمراء تضعها على شعرها حتى تغدو كغجر اسبانيا الفاتنات … كانت نجمة يشع الفرح من كل وجودها … وتزين حلقة ذهبية يدها اليمنى … أشرت بعيني إليها متسائلة ؟ فهمست في أذني لارتفاع صوت الموسيقى وازدحام ذلك البيت العامر بالمدعوين … أنها مخطوبة … قلت : مبروك ، لمن ؟ أجابت بابتهاج لصالح ابن حجي موسى وهم عائلة كوردية فيلية أخرى معروفة بين أبناء شريحتنا بعراقتها وغناها الفاحش آنذاك وفيما بعد لكثرة شهداءها من المغيبين من شباب العائلة … كانت لا تسعها الدنيا من السعادة … وكيف لا والله عز وجل لم يبخل عليها بأي من نعمه التي أنعمها على البشر .
شاء القدر ، أن نلتقي بعد شهور مجدداً ، وهذه المرة في المنفى … حيث كانوا جيران لنا في منطقة أميرية بطهران ، فقد تعرضوا وتعرضنا لجريمة التهجير القسري التي نفذتها ضد شريحة الكورد الفيلية عقول شوفينية صماء ، وحجزت قوات الأمن البعثية أثنين من أخوتها وكان أحدهم طالباً في الجامعة والآخر جندي عسكري يخدم الوطن لكي يدافع عنه في المحن ولكن الحكام البعثيين أخذوه وأخذوا أخيه وعمه وخاله وسائر شباب الكورد الفيليين رهائن وزجوا بهم في زنزانتهم البغيضة المرعبة بعد تهجير عوائلهم قسراً إلى إيران ومصادرة كافة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإسقاط الجنسية العراقية عنهم وبعد فترة تم تهجير عائلة خطيبها وأقاربه جميعاً أيضا ، وتم حجز كافة شبابهم والذين كانوا أكثر من 13 شابا من بينهم خطيبها الشهيد صالح .
ظلت سوسن وفية لخطيبها ولم تنزع حلقته أبداً ، على الرغم من المعاناة وطول سنوات الانتظار المريرة ، وزواج كافة أخوتها وأخواتها وانتشارهم بين دول العالم إلا أخوين من أخوتها وشقيقتها الكبرى التي ظلت إلى جانبها في بيت العائلة بطهران وفيما بعد هاجر والديها إلى الدنيمارك ليعيشوا قرب أحد إخوتها هناك وعلى أساس أن تلحق بهما سوسن وأختها فيما بعد ولكن لم يتسنى لهن ذلك لأنهن كن قد تجاوزن الثمانية عشر من العمر ، أثرت كل هذه المحن على نضارة زنبقة البرية البيضاء ، وأصبحت تذبل يوما بعد يوم وانكسرت تماماً ، بعد سقوط الطاغية وفي يوم مشؤوم أعلن فيه عن تغييب واستشهاد إخوتها وخطيبها والآخرين من شباب الكورد الفيليين المحجوزين في سجون البعث الشوفيني .
هرعت إلى بيتهم في طهران ، عندما سمعت أنهم اعلموا باستشهاد شبابهم ويقيمون العزاء على أرواحهم للمشاركة في المراسم وتعزيتهم ، وكنت تواقة لرؤية سوسن ، شرعت أبحث عنها وسط مئات من النساء المعزيات وصوت البكاء والصراخ والعويل ، لمحتها جالسة في ركن من الدار تبكي وتضرب يدا بيد وتكرر قائلة ( مالد رميا داله كه ، مالد رميا داله كه : أي : إنهجم بيتج يومه ، انهجم بيتج يومه ) ، جلست قربها ، قبلتها ، ولم استطع في البداية التعبير بأية كلمة يمكن أن تخفف من شدة المصيبة التي حلت بها وبعائلتها إلا بالبكاء .. والبكاء .. والبكاء .
بعد فترة ، مسكت يدها وبدأت أقبلها وأقول لها : سوسن لستم وحدكم في هذا الحال انظري إلى الجميع ، كلنا فقدناهم ، فلا تفعلي بنفسك هكذا لأنك ستمرضين ، كانت شقيقتها قربنا فطلبت منها أن تهون عليها وترعاها الآن أكثر من أي وقت مضى .
عادت سوسن قبلي إلى العراق ، لتبدأ جهودها في البحث عن أخوتها وخطيبها وعلى الأقل العثور على رفاتهم ، ولكن دون جدوى ، وظلت وحدها في بغداد ، وبدأت معاناتها الجديدة في استعادة جنسيتها وشهادة الجنسية العراقية وسعت للعودة إلى وظيفتها بوزارة الري والموارد المائية وعانت كثيراً حتى حسبوا لها سنوات الفصل السياسي وكانت الدائرة التي تعمل بها في منطقة العامرية في السنوات الأولى من عودتها إلى الوظيفة وتصوروا كيف كانت معرضة للخطر في تلك الفترة . كانت تشكو من إهمال نظام الحكم الحالي في العراق لقضايا الكورد الفيليين ومنها الإسراع في طرح قضيتنا في المحكمة الجنائية العليا الخاصة ليتم محاكمة المجرمين المسئولين عن جريمة التهجير القسري وتغييب شبابنا واسقاط الجنسية العراقية عنا ومصادرة أموالنا المنقولة وغير المنقولة وغيرها من المشاكل الأخرى وأهم ما كانت تهتم به هو التعرف على مصير الشباب المغيب ومعرفة مكان دفنهم على الأقل واعتبارهم شهداء الحركة الوطنية العراقية .
أصيبت سوسن في الآونة الأخيرة بمرض السرطان الذي لم يرحمها هو الآخر كما لم ترحمها الغدة السرطانية البعثية عام 1980التي وجهت لها الضربة الأولى وقضت على كافة آمالها بالحياة الحرة الكريمة . وعلى الرغم من ذلك كانت تواصل الدوام في الدائرة التي تعمل فيها في بغداد وكانت تصر على التواصل في وظيفتها لأنها تعتبره حق من حقوقها ككوردية فيلية حرمت منه سنوات طويلة ، ً لكن المرض كان أقوى من وردة السوسن الرقيقة ، وقتلها . وبرأي إنها قتلت ولم تموت موتاً عادياً يوم الأربعاء 10/09/2008…
فيا أهلينا ، يا رجال ونساء الكورد الفيلية في جبالنا الشاهقة … أنزلوا واصطفوا في البرية الخضراء ، حول الزنابق الملونة … البسوا لباس العزاء … انفخوا في المزامير ودقوا الطبول … لنرقص معا رقصة الجمر … حزناً على أسراب طيور النورس المهاجرة قسراً نحو آفاق الفناء… ومقتل وردة السوسن . • المور : هي مراثي كوردية فيلية كانت تنشدها نساء الكورد الفيلية في مراسم العزاء على الموتى وتتألف عادة من بيتين من الشعر تنشد إحدى النساء الحاضرات بيتاً وتكمل الأخرى البيت الثاني وترد جميع النساء عليهن في لحن حزين . واختفت هذه المراثي لدى الكورد الفيلية في المدن الكبيرة ولكن لا تزال تنشد في قراهم حتى الآن .
• الجمر : هي دبكة كوردية ذات حركات حزينة بطيئة ترقص من قبل الرجال والنساء في مراسم العزاء في القرى الكوردية الفيلية وهم يلبسون ملابس عزاء خاصة منسوجة من شعر الماعز الخشن دون أن يلبسوا شيئاً تحته مع دق الطبول لألحان العزاء الحزينة . وتمارس هذه المراسم عند موت الشخصيات المهمة وخاصة الشباب منهم .