الرئيسية » مقالات » انهم لا يبكون على-كركوك-بل يبكون على اسلاب-غزو

انهم لا يبكون على-كركوك-بل يبكون على اسلاب-غزو

يقول محللون سياسيون ان سبب اختيار باراك اوباما لجوزيف بايدن (65 عاما) السياسي المخضرم نائبا له يعود الى كون اوباما غير ملم بالسياسة الخارجية ، وان بايدن يعتبر من الساسة الاميركان الذي يشهد له بالدماثة والحكمة ، وهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي ، وان سبب اختيار جون ماكين الكهل او العجوز لحاكمة الاسكا سارا بالين نائبا له يعود الى كون الحاكمة الشابة اكثر قبولا من قبل الجيل الاميركي الشاب ووجها نضرا يمسح الى حد ما صفة الشيخوخة من المرشح الجمهوري.
بالتأكيد لا احد يعرف من سيفوز في النهاية ، ولكن معهد (بيو) قال في تقرير له:” ان اوباما يجد صعوبة اكبر في استنفار القاعدة الانتخابية مقارنة بالسيناتور ماكين حيث يدعم 83% من الديمقراطيين اوباما فيما يحظى ماكين بتأييد 87% من الجمهوريين”.
ونظرا للموقع القيادي الكبير الذي تحتله الولايات المتحدة الاميركية في عالم اليوم ، فان نتائج هذه الانتخابات ستكون لها تأثيراتها ، على الرغم من الرأي القائل بأن ستراتيجيات اميركا تبنى لفترات طويلة الامد وتغيير الرؤساء او تناوب الحزبين لا يعنيان تغييرا كبيرا في المخططات الاميركية الخارجية ، فمن النتائج المتوقعة حسب رأيي المتواضع عودة مشروع جوزيف بايدن الخاص باعادة تنظيم شكل العراق حسب اعراقه ومذاهبه الى السطح مرة اخرى في حالة فوز اوباما. خصوصا ان المشروع كما هو معروف حظي بموافقة مجلس الشيوخ الاميركي في 26.9.2007 وقد صوت لصالحه 75 سناتورا من اصل مائة هم اعضاء مجلس الشيوخ الاميركي. علاوة على ذلك فان جوزيف بايدن صرح مؤخرا ان مشروعه يهدف الى استخدام الاليات الاتحادية التي ينص عليها الدستور العراقي متهما بعض الدبلوماسيين الاميركان في اساءة عرض مشروعه الذي يدعو الى اعادة تشكيل العراق حسب ثلاث كونفدراليات احداها في كوردستان ، والثانية كونفدرالية الجنوب الشيعي والثالثة كونفدرالية الوسط والغرب السني مع بقاء بغداد العاصمة الكونفدرالية .
وقد جوبه المشروع كالعادة من قبل كل المفكرين العرب والترك (بأستثناء نخبة قليلة من المثقفين العرب الذين راعوا ضمائرهم ووقفوا موقف المنصف لمضامين المشروع) كما جوبه المشروع بالرفض التام من قبل القادة العراقيين على الاطلاق شيعة وسنة مذهبيين وعلمانيين وقومويين مقرونا بالحديث المكرر عن العراق الواحد الموحد غير القابل للقسمة ، و”الوحدة الوطنية” التي اصبحت كنص مقدس ، وهي في الحقيقة جملة غير تامة وغير مفيدة اطلقها المندوب السامي البريطاني بيرسي كوك ابان احتلال بغداد امام جمع من حكام العراق انذاك (حسن العلوي- التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي في العراق – دار الزوراء- لندن – 1988 ص 79)، فالتصقت بأذهان كل الذين ناموا على اسلاب كوردستان فيما بعد ، ولم تفد معهم تغيرات العصر والزمان وتطور الفكر الانساني ، والانفتاح على الحرية والمباديْ الديمقراطية والمساواة ، وحتى ان تكلموا عن هذه (الاشياء) فانهم لا يعتبرون الكورد معنيين بها ، وعبارة “الوحدة الوطنية”عند حكام العراق والشوفينيين العرب لا تقال الا في معرض التشكيك بالمطالب الكوردية ، وتتصدر احاديث كل حكام العراق من زمن الملك فيصل الاول( الرجل الشريف الكريم الوحيد الذي اقر في مذكرة الى بريطانيا عندما نصبته ملكا على العراق قائلا لهم بما معناه انكم نصبتموني ملكا على شعوب وليس هناك شعب واحد في العراق) الى اليوم وبنفس المعنى الذي قاله الانكليزي ، وليس بمعنى خلق وعي وطني على ممارسة المساواة والحرية والديمقراطية وتلبية المطالب المشروعة والحقة لشعب كوردستان في تقرير المصير حتى وان كان في صورة كونفيدرالية الحكم او فيدراليته ليعطيه هذا الوعي شعورا بأهمية الاعتزاز بالهوية العراقية ، وليس بالتهديد والوعيد واطلاق تصريحات استفزازية جوفاء (شراء طائرات ودبابات وصواريخ) .
وارتفع مع اعلان المشروع ايضا صراخ الدول الاقليمية مولولة من الفكرة التي “تخرب انظمتهم” المبنية على الظلم التاريخي الملطخ بدماء الشعوب التي استعبدوها دون وجه حق . والغريب ان القادة العراقيين العرب القومويين منهم وبمختلف مذاهبهم ، لم يجدوا غير عواصم تلك الدول كي ينقلوا اليها همومهم ويطلبوا منها النصح والارشاد بكيفية التعامل مع هذا الكوردي العنيد! ، تركوا ساحة الحوار والتفاهم والبحث الصريح عن الحلول الوطنية ليفتشوا عن الحلول المبنية على التامر والخديعة ، وزيارات مسؤولي الحكم وعصابة المائة والسبعة والعشرين في البرلمان العراقي الى تركيا والاتفاقات المفضوحة التي عقدوها مع انقرة ومع طهران وغيرها ادلة واضحة على النوايا التي هي استمرار للعقلية العروبية ( مع الاحترام للشعب العربي المبتلى بالعروبيين) المبنية على اساس ان كوردستان هي جزء من اسلاب غزو قديم وعليهم الحفاظ عليها تحت سياطهم وسلطتهم التي تريد ان توصل العبارة غير المفيدة المكررة “الوحدة الوطنية” الى العقل الكوردي ولو بالقوة القاهرة اذا لم تفد وسائل الخديعة وسفالات التامر.
لا ندري اية وحدة وطنية عراقية هذه التي يتحدثون عنها ؟ ايمكن ان يبنى بلد على الدماء والخراب ، اية وحدة وطنية وتاريخ هذه الوحدة مغمس بالدماء والدموع من اول يوم لاطلاقها في عام 1921والى اليوم ؟ اية وحدة وطنية وهناك عشرات الالاف من المهجرين داخل بلد المفروض انه بلد واحد ؟اية وحدة وطنية وحتى عاصمتها تقسمها جدران التقسيم الطائفي والمذهبي ؟ اية هوية وطنية عراقية يريدونها من الكوردي والحاكم العراقي ما زال لا يعرف التفاهم الا ب(تجييش الجيش العراقي البطل!) والتهديد بشراء(الطائرات) ، و خرق الدستور علنا وعلى رؤوس الاشهاد في كركوك الكوردستانية ومائتي الف كوردي من سكنتها الذين طردوا منها بقساوة قوانين الغاب ممنوعون من العودة اليها حسب اجتهادات فاشية لم تبق للدستور والمواثيق اي احترام او تقدير ؟ اية وحدة وطنية ومنظمة”هيومن رايتس ووتش” تعلن عن رقم المليون ضحية في العراق استناداً الى دراسة ميدانية أجراها مركز استطلاع الرأي “اوبينيون ريسيرش بيرتس” شملت حوالى 2414 عراقياً متوسط عمر الواحد منهم 18 سنة. وكان السؤال الذي وجه إلى كل منهم يستفسر عما إذا كانت أسرته قد شهدت موت أحدٍ من أفرادها بسبب أعمال العنف، وليس بسبب الشيخوخة أو المرض. وبينت الاجابات أن عدد القتلى في الفترة ما بين (آذار) 2003 و(آب) 2007، يقدر بزهاء مليون و33 ألف شخص، وأن أكبر عدد من القتلى سجل في بغداد، حيث فقد أربعون في المائة من الأسر أحد أفرادها على الأقل.
هناك خلل دموي وتدميري في هذه “الوحدة الوطنية ” ، وهو واضح للعيان اذ ان 80 عاما من الحكم “العراقي” لم يستطع اثبات تلك الهوية وغرسها في اذهان اهل كوردستان والوسط والجنوب ، هناك الانتماء العرقي والمذهبي والديني والانتماء الى العشيرة التي توسعت الان كثيرا واصبحت هي القانون والمرجعية ، هذه الانتماءات هي التي تتحكم بالمجتمع (العراقي) وليس (الوطني )، فلماذا يطلب من الكوردي ان يكون هو الوحيد (وطنيا وعراقيا ) بالمعنى الذي عناه المندوب السامي الانكليزي قبل ثمانين عاما؟
ومن جانب اخر يؤكد الصحفي البريطاني روبرت فيسك في جريدة الاندبندنت بتاريخ 19/ 3 /2008: “أما عدد الضحايا من العراقيين ، فإن الأرقام تقترب من الضحايا المدنيين في الحرب العالمية الثانية ، فإنه وحتى لو إعتمدنا الإحصاءات الرسمية وبحدها الأدنى ، نجد أن الرقم يتراوح بين 350,000 الى مليون ضحية ..! وللمقارنة فقط علينا أن نتذكر أن ضحايا القصف الألماني لبريطانيا خلال سنوات الحرب ، بما في ذلك ‘ القنابل الطائرة ‘ الموجهة الى لندن ، بلغ 6000 ضحية في لندن ، و 60,595 ضحية في بريطانيا خلال خمس سنوات 1940 ـ 1945 ، مقابل 80,182 جريح .. وهذا يظهر أن ضحايا المدنيين في العراق قد تجاوز ماقدمه الغرب من ضحايا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ..
وإذا ماقارنا ذلك بإحصائية أخرى ، نجد الأرقام مخيفة ، حيث أن الضحايا المدنيين في العراق قد تجاوز 6 الى 7 أضعاف ، الهجوم الذري الأمريكي على اليابان ..!”
ولكي ندرك مدى فداحة الرقم، فقد ذكرت المنظمة بخلاصة الدراسة التي أجرتها مجلة “لانست” الطبية الرصينة في بريطانيا بعد 18 شهرا من بدء الحرب في العراق، وخلصت منها إلى أن أكثر من مائة ألف عراقي قتلوا خلال تلك الفترة (الدراسة أعلنت في الشهر العاشر سنة 2004)، علما أن رقم المائة ألف تضاعف عشر مرات خلال خمس سنوات حتى وصل الى رقم المليون، الأمر الذي يعني أنه في سبيل ان تبقى معزوفة ( الوحدة الوطنية) مستمرة يجب على العرب الشيعة والسنة والكورد والتركمان والكلدان الاشوريين والارمن والصابئة المندائيين ان يدفعوا كل سنة بالاف الرؤوس قربانا لشعار رفعه الاستعمار الانكليزي بغية بناء هيكل من مواد لا يجمعها جامع وتتشضى فيما بينها دما ودموعا والاما لاتنتهي .
طبعا ان يد الارهاب المنظم من قبل مجرمي القاعدة التي عملت على تعميق الهوة وبقايا البعث كانت هي الطولى في كل هذا الدمار ولكن الغالبية العظمى من مجرمي القاعدة والمنظمات الارهابية الاخرى بكل الوانها ومذاهبها الذين عملوا في العراق هم عراقيون ، وان معظم الضحايا قتلوا لدواع مذهبية (سنية وشيعية) وعرقية (عربية ،كوردية ، تركمانية ، وكلدانية اشورية وارمنية) ودينية (مسلمة ،مسيحية، ايزدية وصابئة) ، اي لعدم انسجام القوى الفاشية التي تكون هذه المكونات ، وفشل كل الانظمة بالتالي ومن ضمنها النظام الحالي من ادخال معنى مقبول وسمح وانساني للهوية (الوطنية).
واذا اضفنا الى هذه الارقام المخيفة ما تم قتلهم من الكورد بعد تأسيس دولة العراق ، وهو ايضا رقم فلكي بالنسبة لعدد السكان الكورد فان التساؤل سيكبر عن جدوى استمرار هذا الحال ، فالمعلوم ان الحركات الكوردية التحررية الرافضة للسياسات العنصرية المفروضة على الشعب الكوردي بدأت قبل تأسيس دولة العراق ، ولكنها تصاعدت اكثر بعد تأسيس هذه الدولة في 1921 ، وخصوصا بعد معاهدة لوزان 1923 التي خيبت امال الكورد بتأسيس دولتهم كما نصت عليها معاهدة سيفر عام 1921ولم تتوقف اوار تلك الثورات الى يومنا هذا بل انها استطاعت تثبيت اقدامها وفرض وجودها على الجيبوليتيك الظالم ، وغبي هذا الذي يعتقد ان السياسات المبنية على الدسائس والمؤامرات والتهديد والوعيد واللعب على الحبال سوف يؤدي الى التغلب على المارد الكوردي الذي استيقظ وثبت على قدميه والذي لن يرض بأقل ان يكون له موطئ قدم على هذا الكوكب سيدا دون منازع على ارضه الوطنية.
ان عدد الضحايا الكورد منذ تأسيس دولة العراق لا يقل ابدا عن المليون ضحية اغلبيتهم من المدنيين من سكان القرى والارياف ، وطوال الثمانين عاما من عمر دولة العراق لم تكن في يوم من الايام دولة حق وسماح والفة وامان بالنسبة للكورد ولا لبقية الشعوب التي سكنت المنطقة ، وقد عاشت الانظمة الحاكمة على تناقضات وصراعات التكوين الديموغرافي دون الاقرار بضرورة معالجة هذه التناقضات بروح العصر والمباديْ الديمقراطية ، هذا الهيكل بني على انهار من الدماء سفحت من اجل تشكيل جسد من اعضاء متنافرة ، في وقت ارادت فئة واحدة بالانفراد بكل شيْ ، طارحة نفسها الوريثة لكل شيء ، معتدة بوهم التفوق العنصري على الاخرين ، مشوهة التاريخ وحقائق الجغرافيا ، مبتزة الناس بأسم الدين مرة ، ومرة بأسم الاخوة ، ومرة بأسم “الوحدة الوطنية” ، وهي التي غيبت في عمليات الانفال الاجرامية لوحدها 182 الف كوردي وفي هه لبجة قتلت في ساعات قليلة حوالي خمسة الاف انسان كوردي علاوة على مئات الالاف من الجرحى والمعوقين نتيجة العمليتين الاجراميتين ، اضافة الى تغييب اكثر من عشرين الفا من البارزانيين والكورد الفيليين، والكورد ما زالوا يقدمون الضحايا في كركوك وخانقين وسنجار والطوز وبغداد والموصل وبعقوبة وعلى الهوية ، وفي الموصل وحدها وحسب التقديرات الاولية لمصادر كوردستانية وصل عدد الكورد الذين اغتيلوا على ايدى العصابات العروبية و مجرمي القاعدة وغيرهم من الفاشيين اكثر من 1500 انسان زهاء 600 منهم من الكورد الايزدية والكورد الشبك. هذا عدا قتل المئات من المسيحيين الكلدان الاشوريين والارمن والصابئة المندائيين وسلب اموالهم وممتلكاتهم وعلى الهوية ايضا.
وقد قدمت الحركة التحررية الكوردية كل شهدائها هي الاخرى تحت شعارات تبنت الوحدة الوطنية ولكن مشروطة بالديمقراطية والحقوق الكوردية ، ولكن الشرط الكوردي اعتبر من قبل حكام العراق كلهم جريمة اطلقوا عليها (الدعوة الى الانفصال) فشنت الحملات العسكرية الهوجاء على كوردستان (البوابة الشرقية!!) ودمر الريف الكوردستاني برمته (4000 قرية وقصبة) وزرع 20 مليون لغم على الارض الكوردية اي بواقع زهاء ثلاثة الغام لكل كوردي، وهناك الان من يأتي محاولا قص جناح الدستور الذي وفر للعراقيين نوعا من الحرية والديمقراطية وللكورد شيئا قدموا من اجلها تضحيات جسيمة جدا ، وثمة شعوب ( مع الاحترام لها) لم تقدم عشر معشار تلك التضحيات ولكن رايتها الان ترفرف على ناصية الامم المتحدة بينما يسارع (الجيش العراقي الباسل!) الى نزع العلم الكوردستاني من فوق مدارس قصبة قره تبة المسكينة في اولى (صولة جهادية! ) له في تلك الجهات .
ان من يبكون اليوم على ” كركوك” من خطر الكوردي انما يبكون على اسلاب “غزو” حان وقت عودتها الى اصحابها.
بعد كل هذا ، بعد كل هذه الصورةالمرعبة للـ(الوحدة الوطنية) ، لماذا لا نرحب والف مرة بأي مشروع يؤدي الى تفكيك تلك الصورة ، وازالة البشاعة والدم منها ، ووضع اطار جديد للعلاقات مبنية على الاحترام المتبادل ، والمنافع المتبادلة ، والاخوة الحقيقة ، ولكن على اساس الاقرار بحق شعوب المنطقة بحق تقرير مصيرها ، وقد تكون الفيدرالية او الكونفدرالية في الواقع الحالي احدى صور تقرير المصير.
اتمنى ان يفوز اوباما من اجل السيد بايدن ، ومع عدم المغالاة في الامنيات ، لكن ارى ان ما اعلنه في مشروعه يمثل خارطة طريق جيدة لبناء وضع صحي حقيقي في المنطقة في الوضع الراهن على الاقل.
قيل واعتقد ان فاوست هو الذي قالها: “اذا وقفت حيث انا فسأكون عبدا” ، الشعب الكوردي بحكم حركة التاريخ والواقع والتطور الاقتصادي والاجتماعي والحضاري المعاصر لن يقف حيث هو لانه لن يقبل ان يكون عبدا لاحد و ان زمن العبيد والغزوات قد ولى و انتهى .