الرئيسية » مقالات » أيهما أكثر إلحاحا .. رفع الوصاية الأمريكية ..أم حصانة نائب ؟؟

أيهما أكثر إلحاحا .. رفع الوصاية الأمريكية ..أم حصانة نائب ؟؟

تصويت مجلس النواب العراقي بخصوص المادة 24 من قانون انتخاب مجالس المحافظات ، وأخيرا بخصوص سحب الحصانة البرلمانية من الألوسي محيرة ومحبطة. أن هذا المجلس الذي تحدينا الموت من أجل أن نأتي به إلى تلك الكراسي ، التي لو كان لها قدرة النطق لكالت له الكلام الذي لا يليق ذكره. هذا المجلس الذي يفترض أنه يراقب أداء وزراء ، ثبت بالدليل القاطع أنهم ليسوا فقط لا يعملون وإنما يسرقون ويكذبون على الله ليل نهار، ويضحكون على الشعب منذ ثلاث سنوات ويراوغون. وبدلا من أن يقوم المجلس بسحب الثقة منهم وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل لما أهدروه من مال عام ، وجه اهتمامه وطاقته ، وتوحد في سابقة لا مثيل لها في تاريخه، لسحب الحصانة من نائب فرد حضر مؤتمرا في إسرائيل. لقد أظهر تصويتهم الأخير كما الذي سبقه بخصوص المادة 24 ، أنهم تواقون لممارسة مزايدات مجلس صدامهم الوطني ، متوهمين أن الشعب سيرقص نشوة ويهتف بالدم والروح نفديك يا (…) ، وربما تمنى بعضهم أن يطل عليهم من قبره ، ويطلق بعض الطلقات بيد واحدة.

أن أعضاء مجلس النواب المحروسون بكلاب المحتلين ، لا يحق لهم الكلام عن خطوط حمراء من خيالاتهم ، فأمامهم خطوط لا خيار لهم إلا السير وفقها ، رسمها لهم المحتل وعليهم الالتزام بها واحترامها حتى في أحلامهم. أن فاقد الشيء لا يعطيه ، وهم يعرفون ذلك ويفهموه جيدا. لهم الحرية أن يعلنوا عن أنفسهم أنهم نواب ، ولهم كل الحرية في استخدام أقبح الكلام وحتى استخدام اللكمات ضد بعضهم البعض ، لكنه وهو الأهم ، لا يمكنهم أن يعلنوا رفضهم للهيمنة الأمريكية على العراق ، وإنهاء وجود قواعدها العسكرية في كل أنحاء العراق بما فيها كردستان.

يعرف النواب جميعهم ، عربا أو كردا ، سنة وشيعة وأقليات، أن رئيس دولتنا قد التقى بالأحضان رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ، ولم ينبس لا رئيس مجلس النواب ولا نوابه ولا أعضاءه بكلمة ، ولم يظهر على حلبة مسرح الدمى البرلماني ، ممثلا واحدا منهم ليقوم بدور بسيط جدا ، أن يتظاهر بالوطنية ، ويطلب من مام جلال ، التفضل مشكورا ، للقدوم إلى جلسة برلمانية خاصة ، أو لوليمة من تلك التي يعشقها ، ويتحدث لهم عن أسعد لحظاته التي أمضاها مع الرئيس الأسرائيلي. حتى هذا الدور التمثيلي النادر لم يجرأ برلماننا على القيام به. وليس هذا فحسب ، فقد لاذ البرلمان الموقر بصمت الموتى ، وهو يعرف عن خبراء إسرائيليين ، وشركات إسرائيلية ، ومقابلات مع مسئولين إسرائيليين ، جرت و تجري في كردستان وعمان والقاهرة وعواصم غربية وأمكنة أخرى من قبل عراقيين عربا وكردا . وان المنتجات الإسرائيلية موجودة في مطابخ مجلس النواب وفي وجبات طعامهم ، وإن تلفوناتهم النقالة التي يتبركون بخدماتها العظيمة ، منتجة في إسرائيل ، وان مكالماتهم مع زوجات المتعة وغير المتعة والمسبار ، يتسلى بالتنصت عليها رجال مخابرات إسرائيل في داخل العراق وخارجه.

أن هذا المجلس الذي استخدم بالأمس أسلوب التصويت السري ليسجل انتصارا تشريعيا ، لم يكن في حقيقته إلا التفافا ” تشريعيا ” ، يصوت اليوم علنا ، متفاخرا وبأكثرية أعضاءه ، بحجب الثقة عن عضو البرلمان السيد مثال الألوسي. لقد استضعفوا الرجل ، ولولا كاميرات الإعلام لقتلوه ، ولا غرابة لو فعلوا ، ففيهم الكثير من أصحاب الخبرة والمعرفة في وسائل القتل بكاتم الصوت أو بدونه ، وأحياء كثيرة في بغداد تعرفهم جيدا. يعرف الذين صوتوا إلى جانب القرار الدعائي ، أن ليس للنائب الألوسي كتلة طائفية أو قومية ، يمثلها أو تمثله وتدافع عنه ، وليس له ميليشيا مسلحة أو غير مسلحة يهدد بها أحد ، أن قوته الوحيدة هي لا طائفيته. ولو كان منتميا إلى جبهة التوافق ، هل كان المجلس النيابي سيحجب الثقة عنه لعدة دقائق ، وهو الذي لم يفعل ذلك ضد الدليمي والجنابي وعبد الفلاح السوداني وكريم وحيد وغيرهم ، ممن ينتظر الشعب محاكمتهم وإنزال العقاب الذي يستحقونه. أن المجلس النيابي لم يقم بما قام به ، لولا أن خطأ الألوسي قد دغدغ بقايا مشاعر عربنجية في دواخلهم. لقد استمرؤوها حينها ، وها هم يتبارون لإعادة الحياة إلى جثة العروبة التي نحرت على مذابح الوطن العربي كله بسيوف الديكتاتوريات تجار الكلام.

وهكذا بقدرة قادر توحدت الوشائج العربية والفارسية ضد النائب الألوسي ، لكن الهدف مفضوح وواضح ، انه تغطية على فشلهم الذريع في متابعة ومحاسبة الحكومة على أدائها المتردي في مجالات مكافحة الفقر ، وتحسين الخدمات البلدية والصحية ، وتوفير فرص العمل للعاطلين ، وتعتيمها المشبوه على الاتفاقية العراقية –الأمريكية. أن نوابنا على ما يظهر ، لا يضيرهم ما يجري على أرض الواقع في عراق اليوم ، الذي يصلب ناسه ألف مرة في اليوم ، من قبل وزراء ينخرهم الفساد المالي والأخلاقي والديني والمذهبي. مجلس النواب الحالي ، بتجاهله لقضايا الشعب الأساسية ، وتركه سلطات الدولة غارقة في الفشل بعيدة عن المساءلة والإدانة ، إنما يقود البلاد الى الخراب. البلاد تنتظر من أعضاءه وقفة وطنية ضد الإحتلال ورفض وصايته التي يحاول فرضها على شعبنا ، فالبلاد تعيش كارثة حقيقية يتسع مداها ، كارثة لم يخلفها إعصار كاترينا أو إيكا ، وإنما مؤسسات الاحتلال التي تزرع الفساد والإفساد وترعاه بخبث ، برغم الحملة الإعلامية الواسعة في الولايات المتحدة نفسها ، لكشف المتورطين فيه من شخصيات وشركات أمريكية. أن ما يجب أن يثير اهتمام النواب ليس زيارة نائب إلى اسرائيل فهذه لا تشكل اكثر من هفوة فرد ، وإنما جرائم المحتلين التي تقود البلاد إلى الهاوية دون خشية من قانون دولي أو رأي عام عالمي. أن ما يجب أن يثير مخاوفهم هو الآلة العسكرية والمخابراتية الأمريكية/الإسرائيلية المتواجدة على اراضينا ، وضرورة الخلاص منها بأقرب فرصة ممكنة. أن المحتلين ووفق خطة لئيمة يجهدون لإلغاء الكرامة الوطنية في عقول ونفوس المسئولين العراقيين ، والقضاء على نقاوة الضمير والنزاهة ، التي ميزت العراقيين عن بقية مجتمعات العالم، بهدف خلق طبقة حاكمة ، تأتمر بأوامرهم ، وتخدم مصالحهم في الهيمنة على مقدرات البلاد ، التي خلال خمس سنوات من احتلالهم لها ، لم يزرعوا فيها شجرة ، ولم يحفروا قناة ماء أو يرصفوا طريقا.

زيارة النائب مثال الألوسي كانت مغامرة غير محسوبة جيدا ، وخطأ سياسيا ضارا له شخصيا ، وكان عليه أن يحاور بشأنها آخرين في الدوائر السياسية القريبة من مجال نشاطه وبعض أوساط دائرته الانتخابية. ولأنها شخصية ، لا يعني تجاهله السياسة المعلنة للحكومة العراقية ، التي ربما تكون قد أصيبت بالضرر، وهذا بالتأكيد لم يكن النائب الألوسي قد قصده بأي شكل من الأشكال. ومن وجهة نظر السيد الألوسي التي بثتها وسائل الإعلام ، أن دافعه كان خدمة بلده من خلال مشاركته في المؤتمر الذي كان موضوعه مكافحة الإرهاب ، وما على المسئولين إلا الأخذ بوجهة نظر النائب ، وعدم تحميلها أكثر من ذلك. أن جارتنا الأردن لا مشكلة لها مع الزيارات المتبادلة مع إسرائيل ، وقبل أسابيع أ أستقبل ملكها بحفاوة من قبل قادة الدولة العراقية ، وأعتبرت رسالة ود وتضامن جلالته مع العراق الجديد. ومعروف أن كل أعضاء البرلمان والحكومة يقضون اكثر أوقات السنة الأردن الشقبق ، وكذلك في مصر وقطرالتي لها أفضل العلاقات مع اسرائيل. ولو طرح موضوع العلاقة بإسرائيل في مجلس النواب ، وجرى التصويت عليه بالطريقة التي جرت بخصوص المادة 24 ، فمن يدري فقد تكون نتيجة التصويت لصالح الاعتراف. وعلى كل حال ، لو أن إيران ارتأت أن تعترف بإسرائيل ، فلا اعتقد ، أن أحدا من الإتلاف الحاكم ، سيطلب سحب الثقة من نوابنا الذين يؤيدون قرار إيران بالاعتراف بإسرائيل كدولة قائمة وذات سيادة ، وليست ” خلية سرطانية ” كما يدعوها السيد خامنئي.

علي ألأسدي / البصرة / 17 / 09 /2008