الرئيسية » مقالات » نفحات رمضانيه – الحلم سيد الأخلاق

نفحات رمضانيه – الحلم سيد الأخلاق

رب قائل يقول أن مثل هذه المواضيع أصبحت من الماضي ولا تتلائم مع عصرنا الراهن حيث السياسه طغت على كل شيئ وأصبح كتاب المقالات السياسيه لايحصون لكثرتهم وكل من كتب عدة أسطر في السياسه جعلها مقاله وأصبح كاتبا . ومنذ أكثر من خمس سنوات والكثير من العراقيين يخوضون في هذا المعترك ولم يتغير شيئ على صعيد الواقع فدعونا نستريح قليلا ونريح أعصابنا ونخفف من عناء أنفسنا ونعود ألى منابعنا وقيمنا التي نادت بها عقيدتنا الأسلاميه التي لاتبلى مع مرور الزمن.وما دام جسد الأنسان بحاجه ألى وجبات غذائيه كي يستمر في الحياة فهو بحاجه أيضا ألى وجبات روحيه كي يصقل هذه النفس ويبعدها عن كل مايسيئ أليها هذه النفس البشريه التي كرمها الله وألا فأنها تعمد ألى أقرب الأشياء التي تغريها فتسد جوعها به والنفس أمارة بالسوء.
أذن فالقيم الأسلاميه التي نادى بها الأسلام ستبقى غذاءا روحيا أزليالابد من التذكير بها خوفا من اغماس نفوسنا في هذه الحياة الماديه الجافه والقاتله ا لتي أصبحت من أمراض العصروالتي ترصدنا وتجذبنا لتلقينا في مهاوي سحيقه بعيده كل البعد عن تلك القيم الأنسانيه العليا التي تجسدت في شخص رسولنا العظيم محمد ص وأهل بيته الميامين وصحبه المنتجبين.
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم 🙁 هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )الآيه 2 من سورة الجمعه.
والرسول محمد ص هو سيد الرسل وأفضلهم على الأطلاق كما أنه جاء لأصلاح نفوس البشر في كل أنحاء الدنيا وأنه لعلى خلق عظيم كما وصفه الله جل وعلا ومن جليل صفاته الصدق والعفو والتسامح والرحمه والأمانه والصبر ومنها صفة الحلم التي نحن بصدد الكتابه عنها وهي من أجل الصفات الأخلاقيه والأنسانيه التي حملها رسول الله ص ألى البشريه قاطبة وكانت سببا من أسباب أنتشار العقيده الأسلاميه السمحاء هذه العقيده النقيه الطاهره التي سعى البعض ممن ينتمي أليها بالأسم فقط أن يحولها ألى عقيدة كراهيه وذبح وقتل وتدميروتكفير في الفضائيات والمساجد والندوات وأماكن أخرى خصصت لهذا الغرض. هذه العقيده الراقيه تستصرخ ربها اليوم وتعلن براءتها من هؤلاء البغاة والمفسدين في الأرض الذين لاهم لهم سوى أثارة الفتن الطائفيه البغيضه وكأنها أصبحت حلاوة العصرفي أفواههم وما أحرانا نحن المسلمين أن نبتعد عن كل هذا و نتذكر صفه واحده من تلك الصفات الجليله والنبيله وهي كافيه لأصلاح العالم بأسره لو طبقناها في عالمنا الراهن هذه الصفه التي أودعها الله جل شأنه في نفس رسوله الكريم محمد ص وهي صفة الحلم. وما أحرانا ونحن في شهر رمضان المبارك شهر الهدى والتقى وفي كل حياتنا أن نكون حلماء كي نقتدي ونتأسى بتلك الشخصيه العظيمه شخصية رسول الله ص .
فالحلم هو كظم الغيظ وهو ضد الغضب والعفو عن المسيئ عند المقدره وجمعها حلماء وهي من أشرف السجايا وتدل على سمو النفس . ورفعتها وهي سبب كبير للموده بين الناس وقد مدح الله الحلماء والكاظمين الغيظ فقال في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين )آل عمران 134
وقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ( وأذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الفرقان 63
وقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم :(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فأذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )34 فصلت.
والحلم لايأتي ألا للذين ذابت نفوسهم في دوحة الأيمان فأشاع الخالق في قلوبهم الطمأنينه والأمان وهداهم ألى الصراط المستقيم .
ولنا في رسول الله ص أسوة حسنه فهو سيد الحلماء وكانت حياته زاخره بالحلم والصفح عن الذين أساءوا أليه وأورد هنا بعضا منها: فعندما جذبه ذلك اليهودي من رداءه لدين كان له عند رسول الله ص قال له (أنكم مماطلون يابني عبد المطلب ) فقابله الرسول ص بابتسامه وأراد بعض الصحابه قتله فرفض رسول الله ص وما كان من اليهودي ألا أن قبل الأرض بين يدي رسول الله ص وقال ( أشهد أن لاأله الا الله وأن محمدا رسول الله ).
وكان عبد الله بن الزعبري من أشد الشعراء المعادين لرسول الله ص وللدين الجديد وكان يهجو الرسول ص بمكه ويعظم له القول فهرب يوم الفتح ثم رجع ألى رسول الله واعتذر فقبل عذره وسامحه .
وعندما رأى الرسول ص وحشي قاتل عمه الحمزه أسد الأسلام قال له :أخبرني كيف قتلت عمي ؟ فأخبره فبكى ص وقال له ( غيب وجهك عني ).
وفي فتح مكه رأى الذين آذوه وأساءوا أليه فقال لهم ( ماتظنون أني فاعل بكم ) قالوا له أخ كريم وابن أخ كريم فأجابهم ( لاتثريب علكم أقول لكم كما قال يوسف لأخوته أذهبوا فأنتم الطلقاء ) وعفا عن أبي سفيان وغيره من الذين ناصبوه العداء طيلة فترة الدعوه الأسلاميه. كل هذه القصص مثبته في السيره النبويه لابن هشام وغيره ممن تناولوا سيرة الرسول الأعظم محمد ص وهم كثر ولا أستطيع ذكر المزيد منها حيث لايتسع لها طيات هذا المقال.
يقول سيدنا المصطفى ص ( ماتجرع عبد في الدنيا جرعه أحب ألى الله من جرعة غيظ ردها بحلم أو جرعة مصيبه ردها بصبر ) حديث صحيح .
وفي حياة أهل بيت رسول الله ص الكثير من الحلم الذي ورثوه عنه ص وانتهجوه طيلة حياتهم ع.
وكان أمير المؤمنين على بن أبي طالب ع أحلم الناس بعد رسول الله ص وأصفحهم عن المسيئ حيث ظفر بعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وهم ألد أعدا ئه والمؤلبين عليه فعفا عنهم ولم يتعقبهم بسوء .
وحال جند معاويه بينه وبين الماء في معركة صفين وهم يقولون له لاتشرب أنت وجيشك من هذا الماء قطره حتى يموت جميعكم عطشا فلما حمل عليهم وأجلاهم عنه سمح لهم أن يشربوا الماء ولم يقابلهم بالمثل .فشتان بين تلك الحاله و بين حالة الحسين ع عندما طوقه جيش عمر بن سعد ومنع عنه وعن أصحابه وأهل بيته الماء وحتى الطفل الرضيع لم يسمحوا له بقطرة ماء من نهر الفرات.
وظفرع بعمرو بن العاص في تلك المعركه فأعرض عنه وتركه ينجو بحياته حين كشف ذلك المراوغ الوضيع سوأته اتقاء لضربته.
وهكذا كان جميع أئمة أهل البت ع يصفحون دائما عن أعدائهم ولا يقابلونهم بالمثل كما كان يفعل أعداؤهم.
يقول شاعرببيتين جميلين في وضوع الحلم:
وذي سفه يخاطبني بجهل – فآنف أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلما – كعود زاده الأحراق طيبا.هكذا كان شأن أهل البيت ع والذي يحاول البعض ألغاء فضائلهم والتعتيم عليها ونقل صفاتهم ألى أعدائهم.
ويقول شاعر آخر:
كن معدنا للحلم واصفح عن الأذ ى
فأنك راء ماعلمت وسامع
واحبب أذا أحببت حبا مقاربا
فأنك لاتدري متى أنت نازع
ونازع بمعنى زائل.
وقال شاعر آخر:
نصوم عن الطعام ولا نبالي
بصوم الطرف واليد واللسان
وأن لكل جارحة صياما
جزيل الأجر موصول الزمان
وفي رمضان تذكير لناس
وتحريض على التقوى لوان
فصم عن كل سيئة وأفطر
على الحسنات نشرح الجنان
وقال لقمان الحكيم ثلاثة لاتعرفهم الا في ثلاثه: لاتعرف الحليم ألا عند الغضب ولا الشجاع ألا عند الحرب ولا أخاك ألا أذا احتجت أليه.
وقال شاعر آخر في هذا الغرض :
أني أرى الحلم محمودا عواقبه
والجهل أفنى من الأقوام أقواما
وأختم كلامي بأجمل بيت قاله كعب بن زهير الشاعر المعروف صاحب قصيدة بانت سعاد فقلبي اليوم متبول- متيم أثرها لم يفد متبول وقد سامحه رسول الله ص وعفى عنه . يقول كعب في الحلم:
أذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا – أصبت حليما أو أصابك جاهل.
ماأحرانا اليوم وقد لعبت بنا أحابيل السياسه وقادتنا ألى أهواء بعيده كل البعد عن تلك القيم السمحاء أن نقتدي بأولئك الأفذاذ الذين أناروا الوجود بغزير خلقهم النقي وسمو نفوسهم الكبيره . والمسلمون يعيشون في ظروف قاهره وصعبه تتطلب منهم الوحده والتسامح والمحبه بعيدا عن كل النعرات الطائفيه والعنصريه التي نخرت في الهيكل العظمي لجسد الأمه.
جعفر المهاجر – السويد