الرئيسية » مقالات » نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى الحلقة 15 /16

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى الحلقة 15 /16

نوري السعيد يعيد تأليف وزارته الثالثة عشر
إجراءات الحكومة السعيد ورد فعل الشعب الأحزاب الوطنية
أولاً: مهمات وزارة نوري السعيد :
كانت وزارة نوري السعيد الثالثة عشر في واقع الأمر امتداداً لوزارته السابقة، والتي تميزت بأحداث خطيرة مست حاضر ومستقبل البلاد عندما أقدم السعيد على حل مجلس النواب، وأجرى انتخابات جديدة لم يسبق لها مثيل من قبل، حيث جاء [ببرلمان التزكية] بعد أن منع أي معارض لسياسته من الترشيح أو الوصول إلى البرلمان، وفاز 116 نائباً بالتزكية [ دون منافس] وفاز بالمقاعد الباقية أعوانه ورجالات البلاط .
وقد مهد لذلك بإصداره المراسيم الجائرة التي مرَّ ذكرها في الفصل السابق والتي انتزعت كل ما تبقى من حقوق الشعب التي نص عليها الدستور، وأفرغه من أي مضمون ديمقراطي، وكانت كل تلك الإجراءات من أجل توقيع [ميثاق بغداد]، وربط العراق بعجلة الإمبريالية وزجه في الحرب الباردة.
ونتيجة لإجراءات نوري السعيد تلك التهبت الأجواء من جديد، وتصاعد الغضب الشعبي العارم، وتأزم الوضع السياسي، وبات ينذر بانفجار موجة جديدة من العنف، وما يمكن أن يسببه الانفجار من مخاطر على مستقبل النظام القائم، ولذلك فقد كان لا بدَّ من وجود حكومة قوية قادرة على مجابهة التحديات المنتظرة، ولاسيما وأن الوزارة الجديدة كان أمامها مهمات خطيرة ينبغي تنفيذها، وكان أبرزها:
1 ــ التصدي لإضراب الموصل وقمعه بالقوة .
2 ــ مواصلة التآمر على سوريا لقلب نظامها وإلحاقها بالعراق .
3 ــ دعم نظام كميل شمعون، والتصدي للثورة الشعبية في لبنان.
4 ــ التصدي لحركة التحرر العربي المناهضة لحف بغداد.
وعليه فقد أشارت السفارة البريطانية على الملك فيصل الثاني بتكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة من جديد، بالنظر لثقل هذه المهام من جهة، ولكون الأجواء الداخلية والخارجية كانت مشحونة بالمخاطر والأحداث الجسام من جهة أخرى.
وهكذا جرى تكليفه بتأليف وزارته الجديدة هي الوزارة الثالثة عشر، وضمت معظم أعضاء الوزارة السابقة،ما عدا خروج كل من [موسى الشابندر] و[شاكر الوادي] و[محمد علي محمود] و[محمد حسن سلمان] من الوزارة، في حين دخلها كل من [برهان الدين باش أعيان] و[عبد الرسول الخالصي] و[عبد الجبار التكرلي] و[منير القاضي ].(1)
ثانياً: إضراب الموصل،والسعيد يرد بمرسوم الطوارئ:
في غمرة تلك الظروف البالغة التعقيد التي كانت تجتازها البلاد،بسبب السياسة الرعناء للحكومة، أقدمت حكومة السعيد على رفع رسوم الذبح إلى الضعف[ من 30 إلى 60 فلساً ] لرأس الغنم الواحد، ونتيجة لهذا القرار أعلن القصابون في الموصل الإضراب عن الذبح في الأول من أيلول احتجاجاً على القرار، حيث أغلقت الحوانيت، واختفى اللحم من الأسواق.
وما لبث الإضراب أن تصاعد ليشمل الخبازين، والخياطين، والصاغة وغيرهم من المهنيين، مما أقلق الحكومة، ودفعها إلى إصدار مرسوم الطوارئ رقم 1 لسنة 1956، والذي خول الحكومة صلاحية اعتقال المواطنين، وإحالتهم إلى المحاكم، وقد تجاوز عدد المعتقلين بموجب المرسوم 200 شخص، حيث تم إبعادهم إلى سجن [نقرة السلمان] الصحراوي في البادية الجنوبية، وكان من بين المعتقلين العديد من النواب السابقين، والمحامين،والقصابين، وتجار الأغنام ، حيث اتهمتهم الحكومة بكونهم من حملة [المبادئ الهدامة]. (2)
استمر الإضراب أكثر من أسبوع، لكن الحكومة قمعته بالقوة، مطبقة مرسوم الطوارئ المذكور الذي جاء أشد وطأة من مرسوم الإدارة العرفية، ولكي يطلع القارئ الكريم على ما جاء به هذا المرسوم ارتأيت تدوينه :
مرسوم الطوارئ :(3)
نحن فيصل الثاني ملك العراق
بعد الإطلاع على الفقرة الثالثة من المادة 26 المعدلة من القانون الأساسي، وبناء على ما عرضه وزير الداخلية، ووافق عليه مجلس الوزراء، أمرنا بوضع المرسوم التالي:
المادة الأولى: يطبق هذا المرسوم كلما تُعلن حالة الطوارئ، وفقاً للفقرة الثانية من المادة 120 من القانون الأساسي، وذلك في المناطق المعينة في الإعلان، وينتهي تطبيقه من تاريخ انتهاء حالة الطوارئ، بإرادة ملكية،على أن انتهاء تطبيقه لا يؤثر في الأحكام والأوامر والقرارات التي صدرت من السلطات المختصة بموجبه. . المادة الثانية : لرئيس الوزراء، بناء على قرار يصدره مجلس الوزراء أن يستعمل السلطات التالية وأن يصدر لهذا الغرض البيانات والإعلانات
والأوامر، والقرارات اللازمة:
1 ـ مراقبة الرسائل البريدية، والبرقية، والتلفونية، أو منعها، أو تقييدها.
2ـ مراقبة الصحف والمجلات والنشرات حتى لو كانت لسان حزب والكتب، وجميع المطبوعات الأخرى، أو تقييد نشرها، وتعطيل الصحف والمجلات والنشرات التي تثير الرأي العام، أو تدعو إلى الثورة، أو لنشر ما يخالف مبادئ وأسس نظام الحكم الديمقراطي في العراق، أو إثارة، أو توليد البغضاء بين السكان، وغلق أي مطبعة، وضبط الكتب وسائر المطبوعات، والنشرات، والصور، والرموز التي من شأنها تهييج الخواطر، أو إثارة الفتن، والإخلال بالأمن العام، سواء كانت معدة للنشر
أو للبيع، أو للتوزيع، أو العرض على الأنظار، أم لم تكن.
3ـ منع أي اجتماع يخشى منه الإخلال بالسلام والأمن والسكينة، وتفريقه بالقوة عند المقاومة، وغلق أي حزب، أو جمعية،أو نقابة، أو نادٍ، وتسحب إجازته بصورة دائمة أو مؤقتة، عندما يسلك مسلكاً يدل على مقاومته الأوامر القانونية، أو إحداثه شغباً بين السكان، أو يخشى منه الإخلال بالأمن والسكينة العامة.
4ـ سحب الرخص بحيازة السلاح وحمله، والأمر بتسليم الأسلحة على اختلاف أنواعها، والعتاد، والمواد المفرقعة والآلات، والوسائط الصالحة لصنعها، وضبط المخازن المودعة فيها تلك الأشياء وغلقها.
5ـ تعيين إجراءات تتخذ في استعمال جوازات السفر، والأمور الأخرى المتعلقة بالدخول إلى العراق، والخروج منه.
6ـ منع الاحتكار، وعند الحاجة تحديد الأسعار، واعتبار المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار مخلين بالأمن العام، وسوقهم إلى المحاكم المختصة.
7 ـ اعتقال الأشخاص الذين يُشك في سلوكهم أنهم يخلون بالأمن العام، مهما كانت صفاتهم، أو وظائفهم، وبحجزهم في أماكن يتم تعينها.
المادة الثالثة: لمجلس الوزراء أن يخول، بناء على اقتراح رئيس الوزراء، ببيان ينشر في الجريدة الرسمية، استعمال السلطات المخولة لرئيس الوزراء والمصرحة في المادة [2] كلاً أو قسماً، لأحد الوزراء.
المادة الرابعة:
1ـ يعاقب كل من يخالف قراراً، أو أمراً، أو بياناً، أو إعلاناً صادراً بموجب المادتين 2، و3، وتطبيق العقوبات المقررة في المادة الرابعة والمادة السادسة من هذا المرسوم.
2ـ إذا كانت الجريمة يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على 3 سنوات، بموجب قانون آخر، فيجوز تطبيق ذلك القانون في المحكمة المختصة.
المادة الخامسة: يعين مجلس الوزراء بإرادة ملكية تنشر في الجريدة الرسمية حكام جزاء من الصنف الأول من بين الحكام ، وغيرهم من الأشخاص العسكريين والمدنيين، للنظر في الجرائم المرتكبة ضد الأوامر، والإعلانات الصادرة بموجب المادتين 2 و 3، وتطبيق العقوبات المقررة في المادة الرابعة، ولتطبيق المادة السادسة من هذا المرسوم .
المادة السادسة:
للمحاكم أن تطلب تعهداً بحسن السلوك، وحفظ الأمن والسلام لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، بكفالة شخصية، أو نقدية لا يتجاوز مقدارها 5000 دينار، من الشخص الذي يخشى منه ارتكاب فعل أو إذاعة أمر يؤدي إلى الإخلال بسلامة الدولة، وإقلاق الراحة والسكينة العامة، أو توليد أو إثارة شعور البغضاء بين طبقات السكان، من الشخص الذي حرض على ذلك، وله أن يأمر بوضع الشخص تحت مراقبة الشرطة لمدة لا تتجاوز مدة التعهد.
2ـ أن يفتش الأشخاص أو المنازل أو المباني أو وسائط النقل على اختلاف
أنواعها، لاكتشاف الأمور المبينة في المادة الثانية، وضبط ما يعثر عليه لدى الأشخاص، أو في المحلات المذكورة من الأشياء الممنوعة، أو والوسائط الصالحة لصنعها.
3ـ لا يشترط في ورقة التكليف بالحضور التي يصدرها الحاكم إلى الشخص المذكور في الفقرة الأولى من هذه المادة أن تكون منظمة بالصورة المبينة في المادة 79 من أصول المحاكمات الجزائي.
المادة السابعة:
1 ـ المحكمة الخاصة المبينة في المادة الثامنة تمييزاً في الأحكام والقرارات الصادرة من حكام الجزاء وفقاً للمواد السابقة، ويكون قرارها قطعياً.
2 ـ يقدم استدعاء التمييز خلال 45 يوماً من تاريخ صدور الحكم.
المادة الثامنة:
1ـ تؤسس في المنطقة، أو المناطق التي يطبق فيها هذا المرسوم محكمة،أو محاكم خاصة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكابهم جرائم ضد النظام، أو سلامة الدولة الخارجية والداخلية، أو سلامة مواصلاتها، وموانئها، أو أموالها، وسائر أملاكها، أو بجريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم 51 لسنة 1938، وقانون تعديله رقم 11 لسنة 1948، ومرسوم تعديله رقم 16 لسنة 1954، وسائر الجرائم التي تخل بالأمن العام.
المادة التاسعة:
1ـ تتألف المحكمة الخاصة من خمسة حكام يعينون بقرار من مجلس الوزراء، وإرادة ملكية،على أن يكون من بينهم حاكمان من الصنف الأول من حكام المحاكم المدنية يرشحهما وزير العدل، ويعين الآخرون من العسكريين والمدنيين الذين يرتئي مجلس الوزراء أنهم أهل لذلك، ويعين مجلس الوزراء من بين الخمسة رئيساً للمحكمة، ونائباً للرئيس.
2 ـ يجوز تعين حكام إضافيين من الأصناف المذكورة في الفقرة السابقة بقرار من مجلس الوزراء، وإرادة ملكية، ليحلوا محل من يتغيب من صنفهم من حكام المحكمة.
3 ـ يجوز أن تشكل المحكمة الخاصة من ثلاث حكام فقط، إذا كانت الجريمة مما يعاقب عليها بغير الإعدام، وغير الأشغال الشاقة المؤبدة على أن يكون من بين حكام المحكمة مدني واحد على الأقل، وان يكون من ضمنهم الرئيس ونائبه.
المادة العاشرة:
تؤلف محكمة التمييز الخاصة برئاسة أحد حكام محكمة التمييز، وعضوية حاكمين منها، أو من كبار الحكام، وأثنين من كبار الضباط، أو الموظفين المدنيين على أن يكونا أعلى رتبة من الضباط أو الموظفين المدنيين، أعضاء المحكمة الخاصة.
2ـ تميز الأحكام الصادرة من المحكمة الخاصة لدى محكمة التمييز الخاصة خلال عشرة أيام من تاريخ صدور القرار.
المادة الحادية عشرة : يعين وزير العدل مدعين عامين، وحكام تحقيق للمحكمة الخاصة، وعند عدم تعيينه ذلك فتجري المحاكمة والبت فيها وفق الأصول المطبقة في المحاكمات أمام المحكمة الكبرى، بما في ذلك
طلبات الادعاء الشخصي.
المادة الثانية عشرة :
1ـ ترسل المحكمة الخاصة الأحكام الصادرة بالإعدام إلى محكمة التمييز الخاصة فور صدورها للنظر فيها.
2ـ لا تنفذ أحكام الإعدام التي تصدرها محكمة التمييز الخاصة إلا بعد تصديق الملك.
المادة الثالثة عشرة :
1ـ يعتبر الشخص المعتقل بموجب الفقرة 7 من المادة الثانية من هذا المرسوم موقوفاً قانوناً.
2ـ تحكم المحاكم الخاصة في الجرائم المنصوص عليها في المواد 5، 7، 8، 11 من الباب الثاني عشر، وفي المادتين 80، و82 من قانون العقوبات البغدادي بالإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، أو بالحبس مدة لا تتجاوز 15 سنة.
3ـ تعدل المادة 3 من الباب الثاني عشر من قانون العقوبات البغدادي، بإضافة عبارة والطرق،أو المواصلات الأخرى، وسدود الري الكبرى] بعد عبارة [ السكك الحديدية والجسور] .
المادة الرابعة عشرة :
يشمل هذا المرسوم الأشخاص الذين يكونون خارج المنطقة المعلنة فيها حالة الطوارئ، إذا ظهر للمحكمة أنهم اشتركوا في الجرائم المرتكبة في تلك المنطقة.
المادة الخامسة عشرة: يجوز أن يقصر شمول هذا المرسوم على بعض الجرائم المنصوص عليها في المادة الثامنة منه، بقرار من مجلس الوزراء.
المادة السادسة عشرة: ينفذ هذا المرسوم من تاريخ صدور الإرادة الملكية بتنفيذه.
المادة السابعة عشرة: على وزراء الدولة تنفيذ هذا المرسوم كتب في بغداد في اليوم الثاني من شهر صفر سنة 1376 هجرية، المصادف لليوم الثامن من شهر أيلول 1956 ميلادية.

مجلس الوزراء الملك فيصل الثاني

وهكذا أفرغ نوري السعيد الدستور من سائر حقوق وحريات الشعب التي نص عليها، وغدا الشعب رهينة إجراءاته القمعية، ومحاكمه الجائرة التي بدأت بإرسال مئات المواطنين إلى السجون والمعتقلات، والنفي إلى مناطق نائية بعيداً عن أهليهم وذويهم، إمعاناً في التنكيل بالشعب وحركته الوطنية، وقد ظن السعيد أن بإجراءاته تلك قادر على إخماد الروح الوطنية لدى أبناء الشعب، ولكن خاب ظنه، وانقلب السحر على الساحر وانهار ذلك البنيان الذي ظنه السعيد قوياً عندما صرح قبيل ثورة 14 تموز بأيام قلائل قائلاً [ دار السيد مأمونة] !!،لقد عجّل السعيد بإجراءاته القمعية تلك في قيام الثورة، ونهاية النظام الملكي صبيحة ذلك اليوم.

ثالثاً : دعم العدوان على مصر وقمع انتفاضة الشعب:
كان موقف الشعب العراقي، وحكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر،على أثر إقدام عبد الناصر على تأميم قناة السويس،على طرفي نقيض، فلقد اتسم موقف حكومة السعيد بالتشفي من مصر وعبد الناصر بشكل علني وصريح، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي دعته ب [التطورات والملابسات السياسية].
كما راحت الإذاعة تبث الأغاني الممجوجة، التي كان التشفي ينبعث منها مما أثار سخط واستنكار و تقزز الشعب منها، ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية ومستشفياتها لجرحى المعتدين،وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود.(4)
يقول السيد [ ناجي شوكت] أحد رؤساء الوزارات السابقين في مذكراته عن موقف حكومة السعيد من العدوان ما يلي:
{ كانت إذاعة بغداد تذيع تسجيلات خليعة، وإن نسيت لا أنسى مدى عمري ذلك المذيع الوقح الذي كانت آثار الشماتة والاستهزاء بكل القيم الإنسانية تنطلق من فمه المسعور، في الوقت الذي كان الشعب العراقي برمته يغلي كالبركان، ويطلب الوقوف إلى جانب مصر، ومساعدتها في محنتها}. (5)
أما نوري السعيد الذي كان في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، فقد اجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني [انطوني إيدن] حاثاً إياه على ضرب مصر، وبرهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر. (6)
وعاد إلى بغداد مسرعاً، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان، ولإحكام سيطرة الحكومة على الغليان الشعبي الذي اجتاح العراق من أقصاه إلى أقصاه.
وما كاد العدوان الثلاثي يبدأ على مصر الشقيقة حتى سارع عبد الإله إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء في البلاط لبحث الوضع في مصر، واعتقدت السلطة الحاكمة في بغداد أن النظام في مصر على وشك الزوال، وكان المجتمعون يتطلعون إلى الأخبار ساعة بعد ساعة،منتظرين استسلام مصر، وقد أتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعلان الأحكام العرفية في 1 تشرين الثاني، وتشكيل أربعة محاكم عسكرية.
في محاولة منه لمنع الشعب من التحرك ضد النظام العميل للإمبريالية بسبب مواقفه الخيانة من القضايا العربية، وفي مقدمتها العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة. (7)
كما أجرى نوري السعيد اتصالاً مع الحكومة الأردنية، وتقرر على أثرها إرسال قوات عراقية إلى الأردن،في 14، و15 تشرين الثاني وكان واضحاً أن الغرض من إرسال القوات كان لتهديد سوريا التي وقفت إلى جانب مصر، وقطعت مرور النفط عبر أراضيها، وقامت بنسف المضخات، ولم يكن قصد الحكومة إسرائيل، كما ادعت، فقد أجرى نوري السعيد اتصالات سريعة مع حكومتي واشنطن ولندن لإفهام إسرائيل بأن العراق ليست له نية بالتحرش، أو الاعتداء على حدودها، وقد سُرت الولايات المتحدة وبريطانيا لهذه المبادرة، كما ُسرت إسرائيل واطمأنت. وفي الوقت الذي كان الجيش المصري يتصدى للمعتدين بكل قوة وبسالة، كان نوري السعيد يضخ النفط إلى إسرائيل،عبر أنبوب حيفا، كما كانت الطائرات البريطانية المعتدية تقلع من قاعدتي الشعيبة والحبانية لتضرب أهدافها في بور سعيد والسويس، وفي الوقت الذي قطعت سوريا والسعودية علاقاتهما مع بريطانيا وفرنسا احتجاجاً على العدوان الغاشم على مصر فإن نوري السعيد رفض أن يفعل ذلك مدعياً أن القرار سيكون كارثة على العراق. (8) ‍‍‍‍‍
هكذا استفز النظام العراقي مشاعر الشعب العراقي، وداس على كل القيم العربية، ليثبت ولائه وخنوعه التام للإمبريالية، مما دفع الشعب العراقي للانتفاضة ضد النظام رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وفي المقدمة إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العسكرية لإخافة المواطنين ومنعهم من التحرك.
وقد أبرق السيد [ كامل الجادرجي ] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان موجوداً في مصر لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الشعبي العربي حينما وقع العدوان، إلى رئيسي مجلس الأعيان في 14 تشرين الثاني 1956 البرقية التالية :
{ إن لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي تستنهض ضمائركم لتبادروا بإنزال العقوبة بحق المتآمرين الذين ارتكبوا الجناية العظمى بالسماح للبترول العربي في العراق أن يتدفق إلى حيفا، لتستخدمه إسرائيل والإنكليز والفرنسيين للقضاء على الأمة العربية.
إن التاريخ سيسجل موقفكم، وإن الأمة العربية وأجمعها تنتظر ما سوف تتخذونه ضد هذه المؤامرة الاستعمارية المنكرة وعلى المتآمرين من أعوان الاستعمار، وفقكم الله سبحانه وتعالى لما فيه رضاه، ومصلحة الأمة العربية}. (9)
وقد استخدمت تلك البرقية دليل إدانة ضد الأستاذ الجادرجي فيما بعد، وقد رد رئيس مجلس الأعيان على البرقية ببرقية جوابية يستنكر فيها ما جاء في برقية الجادرجي، ويدافع عن حكومة نوري السعيد.(10)
وقدم 61 أستاذاً جامعياً مذكرة مسهبة إلى الملك استنكروا فيها سياسة حكومة نوري السعيد المعادية لمصالح الأمة العربية، وسياسة القمع الذي مارسها ضد الطلاب والأساتذة، وجماهير الشعب، وانتهاكه لحرمة المدارس والكليات، وطالبوا باحترام الحرم الجامعي، وضمان حرية الفكر، وإطلاق سراح الطلاب المعتقلين، وإجراء تحقيق عادل في تجاوزات الحكومة، وغيرها من المطالب الأخرى. (11)
كما قدم 35 شخصية سياسية ودينية ووطنية مذكرة مسهبة إلى الملك في 20 تشرين الثاني استنكروا موقف الحكومة، شرحوا فيها تأمر وخيانة نوري السعيد، وطعنه للأمة العربية في الصميم، ودعت الملك إلى معالجة الأمر قبل فوات الأوان. (12)
كما قدم نقيب المحامين [ سعد عمر] مذكرة احتجاج أخرى في 29 تشرين الثاني إلى رئيس الوزراء، بسبب قيام الحكومة باعتقال العديد من المحامين، واستنكر تلك الإجراءات غير القانونية، وطالب بإطلاق سراح المعتقلين على الفور.
لكنّ النظام أصرّ على السير في ركاب الإمبريالية، وتحدي مشاعر الشعب، التي انفجرت بركاناً انتشرت حممه في طول البلاد وعرضه، واندفعت جماهير الشعب،غير هيابة من حكومة العمالة، وجهازها القمعي، ومجالسها العرفية ومراسيمها الموغلة في العدوان على الدستور، وحقوق وحريات المواطنين، وعمت المظاهرات جميع المدن العراقية، ووقعت الاشتباكات العنيفة بين الجماهير وقوات الحكومة القمعية.
ففي بغداد أندفع أساتذة وطلاب الكليات والمعاهد العالية، والمدارس الذين هزهم العدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من العدوان، يومي 3، و 4 تشرين الثاني في مظاهرات عارمة متحدين الأحكام العرفية، وقوات القمع السعيدية حيث وقع صدام عنيف بين الطرفين أسفر عن استشهاد طالبين وفتاة صغيرة، ووقوع عدد كبير من الجرحى، وتم اعتقال أعداد أخرى من الطلبة.
لكن المظاهرات الطلابية استمرت دون توقف حتى بلغت أوجها يوم 21 تشرين الثاني 1956، حيث أعلن طلاب المدارس والكليات الإضراب العام عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرة ضخمة، اصطدمت مع قوات القمع السعيدية، وقد أبدا الطلاب بسالة منقطعة النظير في تصديهم لقوات القمع، وأوقعوا فيها [ 58 إصابة ] كان منهم مدير الشرطة، و3 ضباط شرطة، ومفوضان، و54 شرطياً، كما وقعت إصابات كثيرة في صفوف المتظاهرين من الطلاب، والأهالي الذين انضموا إلى المظاهرة. (13)
وعلى أثـر ذلك أعلنت الحكومة إغلاق كافة الكليات والمعاهد العالية والمدارس الثانوية والمتوسطة، واعتقلت [378 طالباً ] من الإعدادية المركزية وثانـوية الكرخ، وتم طـرد 37 طالباً من مدارسهم. (14)
وفي الوقت نفسه أصدر وزير المعارف [ خليل كنه ] أمراً وزارياً بإلغاء تسجيل كافة طلاب المدارس، وإعادة تسجيلهم من جديد، بعد حصولهم على كتاب موافقة من مديرية التحقيقات الجنائية[الأمن العامة]، ومنع قبول أي طالب في الكليات والمعاهد والمدارس، إذا لم يحصلوا على موافقة الجهات الأمنية. لكن تلك القرارات لم تثنِ الطلاب عن التظاهر،بل على العكس أدى تصدي قوات الأمن لهم إلى انتشار المظاهرات في معظم المدن العراقية واشتباك المتظاهرين مع قوات القمع السعيدية حيث وقعت معارك دامية بين الشعب وقوات الحكومة القمعية. وكان أشد تلك المعارك المعركة التي خاضتها جماهير مدينة [الحي ] والتي استفزتها مواقف حكومة السعيد الخيانية، والجرائم التي اقترفتها قوات الحكومة القمعية في النجف الاشرف، فانتفضت هذه المدينة الباسلة التي كان سكانها يشكون من ظلم الإقطاع واستغلالهم البشع، وتفجرت تلك التراكمات ثورة عارمة ضد الطغيان السعيدي، وقامت المظاهرات الصاخبة التي تصدت لها قوات الشرطة القمعية.
لكن جماهير الحي استطاعت هزم تلك القوات في 18 تشرين الثاني بعد معارك دامية سقط خلالها العديد من الشهداء و الجرح.
وفي اليوم التالي جاءت السلطة بحوالي 1500 فرد من قوات الشرطة السيارة إلى المدينة، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، وقامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة البيوت وبأسلوب وحشي حيث أخذت تقلع أبواب البيوت بالقوة، وتجري التحري فيها، وتلقي القبض على كل من تشك باشتراكه في المظاهرات، مما دفع سكان المدينة إلى إعلان الإضراب العام، حيث أغلقت جميع المدارس والمحلات أبوابها احتجاجاً على أساليب بطش حكومة السعيد، وسيق العديد من أبناء الحي على المجالس العرفية التي أخذت تصدر الأحكام الجائرة بحقهم، وكان من جملة تلك الأحكام حكم الإعدام الصادر بحق الشهيدين [علي الشيخ حمود] و [مهدي الدباس ] فيما حكم على الكثيرين بمدد مختلفة تراوح بين السجن المؤبد والسجن لبضعة سنوات.
وقد حاول لفيف من السياسيين إنقاذ حياة الشهيدين حمود والدباس، حيث قابل السيد [حكمت سليمان ] أحد رؤساء الوزارات السابقين، والشيخ [محمد رضا الشبيبي ] من الوزراء السابقين، الملك فيصل الثاني، والتمساه عدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهما، ووعدهما الملك خيراً، لكن الذي جرى أن الشهيد مهدي الدباس تعرض في سجنه، بعد الحكم عليه بالإعدام لتعذيب وحشي شديد على أيدي الأجهزة الأمنية توفي على أثرها تحت التعذيب،وقامت الحكومة على الأثر بنقل الشهيد الدباس مع الشهيد علي الشيخ حمود إلى الساحة العامة في الحي، حيث تم نصب مشنقتين لهما،على الرغم من أن الدباس كان قد فارق الحياة داخل السجن، ومع ذلك علق جسده على حبل المشنقة لتوهم السلطة المجرمة أبناء الحي بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام به وبرفيقه، لكي لا تنكشف الجريمة.
ورغم كل ما فعلته السلطة الحاكمة، ورغم كل إجراءاتها القمعية، فإن ذلك لم يجدها نفعاً، بل على العكس أنتشر لهيب الانتفاضة في مدن الكوفة والديوانية والشامية والحلة وكربلاء والناصرية والنجف والبصرة والعمارة والكوت والموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وعانه بالإضافة إلى بغداد.
ورغم أن السلطة الحاكمة زجت بكل قوات الشرطة، وقوات الجيش للحيلولة دون قيام المظاهرات، ورغم زجها بالآلاف من المواطنين رهن الاعتقال، وتقديمهم إلى المجالس العرفية، وإصدار الأحكام الجائرة بحقهم، إلا أن المظاهرات والاحتجاجات تصاعدت ضد السلطة الحاكمة وكانت أشد المعارك قد وقعت في مدينة النجف الأشرف مدينة البطولات الوطنية، فقد التهبت الأوضاع فيها عندما انطلقت مظاهرة طلابية من مدرسي [ الخور نق ] و[ السدير]، حيث تصدت لها قوات الشرطة المدججة بالسلاح والمزودة بالسيارات المسلحة بالرشاشات وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين، حيث أصيب [ 42 طالباً ] بجراح وكانت جراح 11 منهم خطيرة، واستشهد الطالب [عبد الحسين] حفيد العلامة المعروف [ سيد فهمي الحمامي ]، كما استشهد طالب آخر من مدرسة السدير، وأخر من الأهالي، مما أدى إلى حالة من الهياج بين المواطنين الذين أعلنوا الإضراب العام، حيث أغلقت الحوانيت، والمحال التجارية، والمطاعم والمخابز، والصيدليات احتجاجاً على الأعمال الإجرامية للسلطة، كما أضرب رجال الدين عن أداء واجباتهم الدينية، فلم يخرجوا لصلات الجماعة. (15)
وإزاء تطور الأحداث، وتصاعد موجة المظاهرات، أقدمت الحكومة على سحب شرطة المدينة، واستبدلتهم بإعداد غفيرة من الشرطة جاءت بهم من مناطق أخرى، من أطراف الموصل، خوفا من تهاون شرطة النجف في قمع المتظاهرين، ومع ذلك فلم تستطع السلطة السيطرة على المدينة، مما دفع بالحكومة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع ،واحتلال المدينة.
لكن الإضراب استمر أسبوعاً كاملاً وسط تحدي الشعب لقوات القمع، وواصلت التظاهر والتصدي لقوات القمع التي سارعت إلى إطلاق النار على المتظاهرين الذين لجئوا إلى مرقد الأمام علي عليه السلام، ولاحقتهم قوى الأمن مواصلة إطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى استشهاد أثنين من المتظاهرين هما الشهيدين [ عبد الأمير ناصر] و[أموري علي ] ، ووقوع العديد من الجرحى.
أدى الهجوم الوحشي على مرقد الإمام علي إلى تصاعد موجة المظاهرات والاحتجاجات، حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها تحاول انتزاع جثث الشهداء من المستشفى، فيما أصرت الحكومة على عدم تسليمهم .
أدت الأحداث الدامية في النجف إلى قيام موجة من الاحتجاجات الموجهة من قبل كبار رجال الدين إلى الملك فيصل، حيث احتج كل من الشيخ [عبد الكريم الجزائري ] والسيد[ حسين الحمامي ] والشيخ [ محمد كاظم الشيخ راضي ] والسيد [ محسن الحكيم ] والسيد [ محمد صالح بحر العلوم ] إضافة إلى عدد من المحامين منهم [ موسى صبار ] و [ احمد الجبوري ] في برقيات بعثوا بها إلى الملك فيصل ونددوا فيها بإجراءات الحكومة، وطالبوا بإنزال أشد العقوبات بالمسببين باستشهاد أبناء النجف وجرح العديد منهم. (16)
أحدثت مصادمات النجف إلى رد فعل عنيف في بغداد، حيث أعلن المواطنون الإضراب العام، وأغلقت كافة المحال التجارية، والمطاعم والمخابز والصيدليات، وقامت الحكومة على الأثر بإصدار بيان في 28 تشرين الثاني هددت المواطنين بإنزال اشد العقاب بهم إذا ما استمروا في إضرابهم.
أدرك البلاط الملكي أن الأمور أخذت تسير من سيئ إلى أسوأ، واستمرت الأحوال الأمنية بالتدهور مما كان يهدد العرش بالذات، وعليه فقد دعا عبد الإله والملك فيصل رؤساء الوزارات السابقين بالإضافة إلى نوري السعيد، ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، والوزراء، وبعض الساسة، لتداول في التطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد، وُطرح خلال المداولات موضوع استقالة حكومة نوري السعيد، وفسح المجال أمام العرش لتأليف وزارة جديدة تستطيع تهدئة الأمور، وتنقذ الموقف، وقد اتهم أحد الحاضرين نوري السعيد بأنه قد شجع [ أنطوني إيدن ] عند وجوده في لندن على شن العدوان على مصر بدلاً من أن يحذره من مغبة القيام بمثل هذا العدوان. (17)
غير أن نوري السعيد أصرّ على موقفه وتحديه للشعب ومشاعره الوطنية، وحذر الملك وعبد الإله من خطورة التراجع أمام تحدي الشعب مدعياً أن هذا الموقف قد يؤدي بالعرش، وهكذا انتهى الاجتماع دون اتخاذ أي قرار حول الوضع، لكن عبد الإله أجرى مشاورات أخرى بعد الاجتماع مع عدد من السياسيين كان من بينهم [ جميل المدفعي ] و [علي جودت الأيوبي ] بغية تأليف وزارة جديدة، وقد اقترح المدفعي إبعاد نوري السعيد عن الحكومة، وإشراك [حسين جميل ] و[ مهدي كبه] في الوزارة القائمة، أو تشكيل وزارة جديدة.
ثم استدعى الوصي[عبد الإله] بعد ذلك كل من السيد[ كامل الجادرجي] و [حكمت سليمان ] و[ محمد رضا الشبيبي]، وطلب رأيهم في سبل حل الأزمة، وإعادة الهدوء إلى البلاد، وقد أجمع الجميع على ضرورة إقالة حكومة نوري السعيد، وتشكيل حكومة جديدة، وحذر حكمت سليمان عبد الإله من مغبة استمرار الأوضاع على ما هي عليها. (18)
لكن نوري السعيد، وبدعم من السفارة البريطانية، تمادى في غيه، وأصدر أمراً باعتقال قادة الأحزاب السياسية الوطنية، وكبار الشخصيات المعارضة، فقد تم اعتقال السادة كامل الجادرجي، وحسين جميل وصديق شنشل، وفائق السامرائي، وعبد الرحمن البزاز، وجابر عمر بالإضافة إلى العديد من رجال الدين، وأحالهم إلى المجلس العرفي العسكري في 16 كانون الأول، حيث صدرت الأحكام في 19 منه بحقهم، وصبت الحكومة جام غضبها على الأستاذ الجادرجي، حيث حكم عليه بالسجن الشديد لمدة ثلاث سنوات، بعد أن اتخذت الحكومة برقيته التي أرسلها إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان كدليل اتهام، وتم إيداعه السجن. كما حكمت المحكمة على صديق شنشل، وفائق السامرائي بالمراقبة لمدة سنة، وعلى حسين جميل، وسامي باش عالم بكفالة شخص ضامن بمبلغ 5000 دينار لمدة سنة، وتم نقل شنشل إلى الإقامة الجبرية في [ قلعه دزه ]، وفائق السامرائي إلى[ حلبجة ] في السليمانية، وتم إبعاد عميد كلية الحقوق[عبد الرحمن البزاز] و[ جابر عمر ] و[محمد البصام ] و[فيصل الوائلي ]،و[ حسن الدجيلي] الأساتذة في كلية الحقوق إلى[ بنجوين ]. كما أبعد رجال الدين إلى قرية [ شثاثة ] في كربلاء، وجرى فصل أكثر من 10 آلاف طالب من كلياتهم ومدارسهم والعشرات من أساتذة الكليات بقرار جماعي.(19)
وهكذا استطاع النظام قمع الانتفاضة الجماهيرية الكبرى بالحديد والنار، مستخدماً كل ما توفر لديه من الوسائل القمعية، وزج بالجيش ليقمع الانتفاضة، بعد أن هزمت قوات الشرطة القمعية أمام غضبة الجماهير، وعزمها على التصدي للنظام الخائن والعميل للإمبريالية، وهذا ما أرادته بريطانيا عندما أسست الجيش العراقي عام 1921، فقد أرادته لحماية السلطة الحاكمة المؤتمرة بأوامرها، وليس لأي هدف آخر.
لكن بذور الثورة كانت تنمو في أحشاء هذا الجيش الذي هو جزء من الشعب مهما عملت السلطة الحاكمة لإحكام سيطرتها عليه، وتوجيهه نحو معاداة الشعب وقواه الوطنية الساعية للتحرر من ربقة الاستعمار البريطاني، ولتحقيق الحياة الكريمة للشعب الذي عانى من البؤس والعبودية، ولم تمضٍ سوى سنتان على الانتفاضة الشعبية هذه حتى فوجئ النظام الملكي بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.

رابعا: مواصلة التآمر على سوريا:
استغلت الإمبريالية البريطانية والأمريكية الظروف التي سادت سوريا على أثر موجة الانقلابات اكبر استغلال، نظراً لأهمية موقع سوريا الجغرافي بالنسبة لضمان أمن دولة إسرائيل، القاعدة المتقدمة للإمبريالية في قلب العالم العربي، فقد كان قيام نظام حكم وطني حقيقي في سوريا يشكل خطراً على إسرائيل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لإزاحة النفوذ البريطاني في منطقة الشرق الأوسط والاستئثار بها لوحدها، نظراً لما تشكله هذه المنطقة من أهمية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، حيث يوجد اكبر خزان للنفط في العالم فيما كانت الإمبريالية البريطانية تسعى جاهدة لإحكام سيطرتها على المنطقة، فقد سعت إلى قلب الحكومة السورية، وإقامة مشروع [الهلال الخصيب] بزعامة العرش الهاشمي، وتحت هيمنتها، وقد لعب نوري السعيد دوراً كبيراً في تنفيذ المخطط البريطاني. لكن الإمبريالية الأمريكية كانت أسرع في تحركها، حيث دبرت انقلاب [حسني الزعيم ] رئيس الأركان السوري في 30 آذار 1949، واستطاع حسني الزعيم السيطرة على الأوضاع في سوريا دون أن يلقى انقلابه أية مقاومة تذكر، مستغلاً عواطف الجماهير السورية الناقمة على الحكومة السابقة بسبب دورها في نكبة فلسطين، وطبيعي أن يستغل حسني الزعيم تلك النكبة ليظهر نفسه بمظهر الوطني الحريص على قضية فلسطين، لكن الحقيقة لا يعدو أن يكون انقلاباً أمريكياً، حيث يقول الكاتب الأمريكي [كوبلاند] في كتابه [ لعبة الأمم ] ما يلي :
{ وكان انقلاب حسني الزعيم من إعدادنا وتخطيطنا، فقد قام فريق العمل السياسي بإدارة الميجر[ ميد ] بإنشاء علاقات منتظمة مع[ حسني الزعيم]،الذي كان يشغل منصب رئيس أركان الجيش السوري، ومن خلال هذه الصداقة أوحى الميجر ميد لحسني الزعيم بفكرة الانقلاب العسكري، حيث اضطلعنا نحن في السفارة بمهمة وضع كل خطته، وتثبيت كافة التفصيلات المعقدة }. (20)
وقد أفتضح أمر الانقلاب الأمريكي عندما نشر وزير الخارجية في حكومة حسني الزعيم [ الأمير عادل أرسلان ] مقالاً في صحيفة الحياة اللبنانية في 26 أب 1949 فضح فيه اتصالات حسني الزعيم مع حكام إسرائيل، ولقاءاته مع [موشي شاريت] وزير الخارجية الإسرائيلي في القنيطرة بهدف إجراء الصلح مع إسرائيل، لكن الزمن لم يسعفه في مسعاه بعد أن تم إسقاط حكمه ومقتله.
أحدث انقلاب حسني الزعيم قلقاً عميقاً لدى الدوائر البريطانية والعرش الهاشمي في العراق، فأسرع نوري السعيد إلى دمشق يستكشف طبيعة الانقلاب، واختلى السعيد بحسني الزعيم، ونصحه بالعودة إلى واجباته العسكرية، وترك الأمور السياسية، وكان نوري السعيد أثناء زيارته لدمشق يلبس بزة عسكرية برتبة كبيرة في محاولة للتأثير عليه. (21)
لكن بريطانيا لم تستسلم لما حدث في سوريا، ونشطت أجهزة مخابراتها في العمل لتدبير انقلاب عسكري معاكس. ونجحت الجهود البريطانية بإحداث انقلاب جديد بقيادة اللواء[سامي الحناوي] في 14 آب 1949، وقبل أن يمض على انقلاب حسني الزعيم ستة أشهر، وكان واضحا أن الانقلاب الجديد كان بإخراج بريطاني.
وقد تم لسامي الحناوي السيطرة على البلاد، وجرى إعدام حسني الزعيم، ورئيس وزرائه[محسن البرازي] بعد محاكمة لم تدم سوى ساعتين، مما أثار غضب الإمبرياليين الأمريكيين. (22)
لم يخفِ العرش الهاشمي، ونوري السعيد فرحهما وسرورهما لنجاح انقلاب[سامي الحناوي]،وسارع سامي الحناوي إلى بغداد، وبصحبته الملحق العسكري العراقي [ عبد المطلب الأمين ]، واجتمع مع نوري السعيد وعبد الإله، ثم عاد في نفس اليوم إلى دمشق.
ولم تلبث حكومة بغداد أن أرسلت رئيس الديوان الملكي [احمد مختار بابان ] إلى دمشق لمناقشة موضوع إقامة اتحاد بين العراق وسوريا، لكن المشروع لم يكتب له النجاح، فقد أفلح الأمريكيون في إحداث انقلاب جديد في سوريا بقيادة العقيد [أديب الشيشكلي] في 19 كانون الأول، بالتعاون مع[فوزي سلو] و[ أكرم الحوراني ]، وتم اعتقال سامي الحناوي.
لكن أديب الشيشكلي لم يستلم الحكم بصورة رسمية، بل حكم من وراء الستار، وأعاد الحكم المدني للواجهة حتى تشرين الثاني من عام 1951، حيث قام بانقلابه الثاني، وأقال الحكومة المدنية، وأعلن نفسه دكتاتوراً للبلاد. وبقي الشيشكلي في الحكم حتى شباط 1954،عندما أسقطه انقلاب جديد بقيادة [فيصل الأناسي] بمساعدة[غسان جديد]،حيث تحرك الجيش تدعمه الأحزاب السياسية التي ضاقت الأمرين على أيدي الدكتاتور الشيشكلي، وفرض الانقلابيون على أديب الشيشكلي وحكومته الاستقالة، وتم إعادة النظام البرلماني إلى سوريا من جديد،لكن مسلسل الانقلابات في سوريا لم ينته، وتعرضت سوريا من جديد لمحاولات نوري السعيد التآمر عليها ومحاولة ضمها إلى العراق، أو تنصيب [عبد الإله] ملكاً عليها. (23)
فلم يكد الشعب السوري يتخلص من النظام الدكتاتوري العسكري، وقيام المؤسسات الديمقراطية، وإطلاق الحريات العامة، حتى بدأ الضغط الإمبريالي يتصاعد على سوريا، وخاصة بعد أن أقدمت الحكومة السورية على شراء الأسلحة من دول المعسكر الاشتراكي، بعد أن يأست من إمكانية الحصول عليها من الدول الغربية، في الوقت الذي كانت تلك الدول تغدق شتى أنواع الأسلحة، وأحدثها على إسرائيل، عدوة العرب، مما شكل خطورة كبرى على مستقبل سوريا، ودفعها للبحث عن مصادر أخرى للسلاح للدفاع عن نفسها ضد التهديدات الإسرائيلية، وحلف بغداد.
لقد طار صواب الإمبرياليين للتوجه الجديد لمصر وسوريا نحو الشرق، واعتبرت ذلك العمل تغلغلاً سوفيتياً في منطقة الشرق الأوسط، وتهديداً للمصالح الغربية، وبدأت اللقاءات والاجتماعات للدول السائرة بركاب الإمبريالية في المنطقة من أعضاء حلف بغداد تتوالى مع بعض أقطاب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للتصدي للتوجهات السورية، ومحاولة الاعتداء عليها بحجة وجود الخطر الشيوعي، واحتمالات سيطرة الشيوعيين على الحكم في سوريا.
فقد سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي [ لوي هندسن ] إلى اسطنبول حيث التقى بالملك[ فيصل الثاني] وولي عهده [ عبد الإله ] و[ نوري السعيد ] و[ أحمد مختار بابان ] ورئيس أركان الجيش [ وفيق عارف ]. كما حضر عن الجانب التركي رئيس الجمهورية [جلال بايار]، ورئيس الوزراء [عدنان مندرس ] ووزير الخارجية [ فؤاد كبرلو ]، وجرى نقاش مطول حول الوضع في سوريا، وضرورة التصدي للخطر الشيوعي المزعوم، وجاء في محضر الاجتماع المذكور كما ذكر الدكتور فاضل الجمالي ما يلي :
{ قال هندسن: إن أمريكا راغبة لإعطاء الفرصة لعمل يقوم به العراق والأردن، وبإسناد من قبل تركيا، لقد تكلمت مع الرئيس[ايزنهاور] ووزير الخارجية [ جون فوستر دلس]، وهما يعتبران الموقف خطيراً جداً، والولايات المتحدة مستعدة لإسناد أي مداخلة من العراق والأردن، واتخاذ كل الوسائل لمنع مداخلة الاتحاد السوفيتي ومصر، وراغبة بإعادة حرمتها في المنطقة، وستسند الموقف في الأمم المتحدة }.(24)
أما وزير الدفاع العراقي أحمد مختار بابان، فقد أعترف أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة أن عبد الإله كان متحمساً للتدخل في سوريا عسكريا ، وأضاف احمد مختار بابان يقول:
[ عند عودتي إلى بغداد بصحبة عبد الإله، ورفيق عارف، رئيس أركان الجيش، استدعاني عبد الإله في اليوم التالي، وتحدث معي عن الأوضاع في سوريا قائلأ:{ أن الوضع قد أصبح في غاية الخطورة، وان هناك أربعة حلول لمعالجة الوضع وهي بالتحديد ما يلي :
1ـ تنحية بعض الأشخاص عن السلطة في سوريا .
2 ـ إيجاد ثورة داخلية فيه للقضاء على أولئك الأشخاص.
3 ـ إيقاد ثورة بواسطة العشائر على الحدود.
4 ـ تدخل عسكري،بعد التمهيد له}. (25)
وقد ذكر أحمد مختار بابان أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة بأن [علي ممتاز الدفتري] وزير المالية، ووزير الخارجية بالوكالة، قد أجتمع في لندن في أيلول 1957 مع عدد من المسؤولين البريطانيين بالإضافة إلى نوري السعيد، وفهم منهم أن الوضع قد أصبح خطيراً في سوريا، وأن الولايات المتحدة على وشك أن تتخذ قرارات خطيرة في الشرق الأوسط. وفي يوم 10 أيلول 1957 زارني السفير الأمريكي في ديوان وزارة الخارجية بحضور[ أمين المميز] واستعرض الوضع في سوريا، وبين أن الحكومة الأمريكية تعتقد أن الوضع في سوريا خطير ويدعو للقلق، وتقتضي المصلحة عملاً سريعاً. وفي 13 أيلول 1957 طلب السفير الأمريكي مقابلتي بالتلفون فوراً، قائلاً إنه تلقى معلومات من حكومته تشير إلى ما يلي: (26)
1ـ إن الوضع في سوريا قد تردى كثيراً، بسبب تغلغل الشيوعيين هناك.
2 ـ إذا وقع أي عدوان من سوريا على أي بلد عربي، وطلبت حكومة ذلك البلد مساعدة ما فإن الحكومة الأمريكية تعاونها بالمال والسلاح.
3ـ إذا تصدت سوريا لقطع أنابيب النفط على أراضيها فإن الحكومة الأمريكية ستساعد العراق بصورة مؤقتة.
4ـ الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط على أتم الاستعداد
للمساعدة.
5ـ إذا وقع تعدي من سوريا بمساعدة السوفيت، فالحكومة الأمريكية تعاون بالمال والسلاح.
6ـ إذا جرت محاولة للقيام بأي عمل داخل سوريا فإن أمريكا تساعد أيضاً.
7ـإن هذه الإجراءات لإعادة الحالة الطبيعية لسوريا وليس للمس باستقلالها، وأراضيها.
8 ـ الأتراك يشعرون أيضاً بتردي الحالة.
9 ـ لقد جرى الاتصال بإسرائيل، وطلب منها عدم التدخل منعاً للإحراج.
10 ـ إن هذه المعلومات قد أُبلغت للأتراك والبريطانيين] .
ولم تكتفِ الولايات المتحدة بالعمل من وراء الستار لقلب الأوضاع في سوريا، بل كانت تتحدث على المكشوف، فقد أصدر وزير الخارجية [جون فوستر دلس ] البيان التالي :
بتاريخ 7 أيلول 1957،جرى اجتماع بين [ لوي هندرسن ] و[وليم رونتري] وبيني وبين الرئيس [ ايزنهاور]، وعرض المستر[ هندرسن] عرضاً وافياً، وتبادل وجهات النظر حول المباحثات التي أجراها في الشرق الأوسط مع موظفين كبار المسؤولين من تركيا والعراق والأردن ولبنان، وقد بين هندرسن بأنه وجد في الشرق الأوسط اهتماماً بالغاً لازدياد التسلط لسوفيتي الواضح في سوريا، وتكدس أسلحة الكتلة الشيوعية فيها، ذلك التكدس الذي لا تبرره أي مقتضيات دفاعية صرفة، وهناك وضع خاص بسبب حوادث الحدود التي تألفت حديثاً في الدول العربية المجاورة لسوريا.
لقد أولى الرئيس [ايزنهاور] تقرير هندرسن، وكذلك التقارير الواردة لوزارة الخارجية الأمريكية من سفراء الولايات المتحدة في المنطقة تمعناً دقيقاً، وقد قدر الرئيس ايزنهاور الوضع على ضوء ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينكر على سوريا حق استخدام القوة، إلا لغرض الدفاع عن النفس.
وقد استعاد الرئيس برسالته الموجهة إلى مجلس الكونجرس بتاريخ 5 كانون الثاني 1957، والتي يطلب فيها تخويله الصلاحية لمساعدة شعوب المنطقة للذود عن استقلالها]. (27)
يستفاد من كل ما سبق، أن الولايات المتحدة وحلفائها الإمبرياليين كانوا قد عقدوا العزم على إسقاط النظام الديمقراطي في سوريا، وإخضاعها لمشيئتهم بكل الوسائل والسبل، وقد استهوت هذه الأفكار ولي العهد العراقي عبد الإله، الذي كان يطمح بعرش له على سوريا، ولذلك نراه كان أكثر اندفاعاً في محاولة الاعتداء على سوريا.
لقد أثبت المحاكمات التي جرت لرجال الحكم الملكي انخراط نوري السعيد وعبد الإله في عملية التآمر على سوريا، والأسلحة التي تم نقلها إلى القوى المتعاونة معهم، والمبالغ الكبيرة التي كانت ترسل للسياسيين المعارضين للنظام الديمقراطي في سوريا، والعديد من رؤساء العشائر عن طريق الملحق العسكري في لبنان، حيث كانت لبنان مركز تجمع المعارضين في سوريا.
لقد اعترف اللواء الركن [ غازي الدغستاني ] معاون رئيس أركان الجيش في شهادته أمام محكمة الشعب بأنه قد حضر مؤتمراً في البلاط الملكي حضره كل من [ فيصل الثاني] و[ عبد الإله ] و[ نوري السعيد ] ورئيس أركان الجيش [ رفيق عارف] و[ أحمد مختار بابان ] و[ برهان الدين باش أعيان ] و[ عبد الله بكر] رئيس الديوان الملكي، وقد تقرر في المؤتمر تخصص الأموال المطلوب إيصالها إلى المعارضة السورية عن طريق الملحق العسكري في لبنان.
أما ما يخص السلاح فكان قد طلب المعارضون السوريون ما يزيد على عشرين ألف قطعة سلاح، ولما تعذر تأمين ذلك من أسلحة الجيش، فقد قرر[ نوري السعيد ] شراء كمية من الأسلحة من إيطاليا، وقد تمت الصفقة بالفعل عن طريق المفوضية العراقية في روما، وأكملت المعاملة من قبل ضابط تم إيفاده لهذا الغرض هو الرئيس الأول [ صالح مهدي عماش]، وقد تم شحن السلاح إلى العراق أولاً، ومن ثم تم شحنها إلى بيروت، وقد أكد الداغستاني سفره إلى بيروت والتقائه ب[ أديب الشيشكلي ]، وتقديم الأموال المرسلة له من قبل الحكومة. كما طلب نوري السعيد من الأمريكان تجهيز كميات أخرى من الأسلحة والبنادق، وقد جرى تكديس أسلحة لفرقة كاملة في H3 .
كما أكد الداغستاني أن الاتصالات كانت تجري من قبل الأمريكان والبريطانيين مع عبد الإله ونوري السعيد. (28)
أما الزعيم [ أحمد مرعي ] رئيس المخابرات العسكرية فقد ذكر في شهادته أن اتصالات الحكومة بالأمريكان والبريطانيين كانت تجري تحت أسماء مستعارة، فكان يرمز للأمريكان بـ [الرصافة] وللإنكليز بـ [الكرخ] . كما أكد أن الحكومة كانت قد استخدمت عشائر شمر على الجانبين العراقي والسوري، وجرى تسليحها لدعم الانقلابيين السوريين.
كما أكد أنه كان يتلقى الأوامر من رئيس أركان الجيش بإيصال الأسلحة إلى الملحق العسكري في بيروت بعلم عبد الإله. (29)
أما رئيس أركان الجيش [ رفيق عارف ] فقد ذكر في دفاعه أنه كان يحاول دائماً التخفيف من اندفاع [ نوري السعيد ] و[عبد الإله] نحو العمل العسكري ضد سوريا، ودعم الانقلابيين السوريين لقلب نظام الحكم في سوريا، وضمها إلى العراق، وكان نوري السعيد من أكثر المتحمسين لاستخدام الجيش العراقي لتحقيق ذلك الهدف، وأن عبد الإله والملك فيصل ونوري السعيد كانوا قد تعمقوا إلى درجة كبيرة في اتصالاتهم بسياسيي سوريا وضباطها من الانقلابيين. كما ذكر في دفاعه أنه كان قد اجتمع في إحدى المرات مع السياسي السوري [معروف الدواليبي ] في بغداد، وأن الدواليبي ألح على دخول الجيش العراقي إلى سوريا لتنفيذ الانقلاب ضد نظام الحكم الديمقراطي في سوريا، وأدعى أنه كان قد حذر من مغبة زج الجيش العراقي في عملية التآمر على سوريا محذراً من الصدام بين الجيشين العراقي والسوري، وأن عبد الإله قد انزعج من آرائه تلك. (30)
لقد كانت حكومة نوري السعيد قد اتخذت قرارها بإرسال اللواءين التاسع عشر والعشرين صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 إلى الأردن بغية الاعتداء على سوريا، ولم يدرْ في خلد نوري السعيد وعبد الإله أن هذين اللواءين سينفذان ثورة 14 تموز في ذلك اليوم، وينهيان النظام الملكي نفسه، ونهاية حياة نوري السعيد وعبد الإله كذلك.
وبسبب اشتداد الضغوط على سوريا أكثر فأكثر، حتى وصل الأمر إلى اغتيال رئيس أركان الجيش اللواء[عفيف البزري]، مما سبب قلقاً بالغاً لدى سوريا التي رفضت بإصرار السير في ركاب المخططات الإمبريالية، وبدأ قادة سوريا يفكرون في الوسائل والسبل الكفيلة بإفشال تلك المخططات، والحيلولة دون وقوع البلاد تحت السيطرة الإمبريالية.
وكان من بين الأفكار التي طرحت للبحث هو إعلان الوحدة الكاملة والفورية مع مصر، وهذا ما جرى فعلاً في 4 شباط 1958.
لكنها كانت وحدة مستعجلة لم تجرٍ بأسلوب ديمقراطي، ولم تحافظ على المكتسبات الديمقراطية التي كان الشعب السوري يتمتع بها، بل على العكس جرى تصفية كل مظاهر الديمقراطية، مما أدى إلى فشلها وانفراطها عام 1961.
خامساً: دعم نظام شمعون في تصديه لثورة الشعب اللبناني:
كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية في لبنان قد بلغت غاية في التعقيد على عهد رئيس الجمهورية [ كميل شمعون ] المعروف بولائه للغرب، فقد وقف شمعون موقفاً معادياً من حركة التحرر العربي، مما أثار مشاعر الشعب اللبناني الذي كان يعاني بدوره من الحكم الطائفي البغيض، ومن البؤس والفاقة لأغلبية الشعب، وبشكل خاص سكان الجنوب.
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقف كميل شمعون موقف المؤيد للإمبرياليين، وموقف التشفي من الرئيس عبد الناصر، مما أثار غضب واستنكار الشعب اللبناني.
وفي تلك الأيام حاول كميل شمعون تعديل الدستور اللبناني بغية تجديد مدة رئاسته، فكانت تلك المحاولة الشرارة التي أشعلت نار الثورة ضد حكم شمعون وبطانته، وامتدت رياح الثورة لتشمل كل أنحاء لبنان، واتهمت حكومة شمعون القيادة المصرية بالتدخل في شؤون لبنان، وتوترت العلاقة بين البلدين، بينما وقف العراق ـ بقيادة نوري السعيد ـ موقف المؤيد لكميل شمعون، وقدم له المساعدات العسكرية المختلفة، وزيادة على ذلك قرر نوري السعيد إرسال قوات عراقية،إلى الأردن، في محاولة للاعتداء على سوريا، والتقدم نحو لبنان لدعم حكم شمعون حيث دأب النظام العراقي على التآمر على سوريا في محاولة لضمها إلى العرش الهاشمي بإسناد من الإمبريالية. لقد عمل الشعب اللبناني بكل قوة للإطاحة بالرئيس شمعون، رغم كل الجهود التي بذلتها الإمبريالية لدعمه، فكانت انتفاضة الشعب اللبناني ثورة عارمة، ولم يستطع شمعون الصمود أمامها. كان موقف نوري السعيد الداعم للرئيس شمعون مثار غضب واستنكار شعبي واسع، وشكل ذلك الموقف دفعاً لجبهة الاتحاد الوطني، وتنظيمات الضباط الأحرار، للعمل على الإطاحة بالنظام الملكي بالعراق، وتحريره من الهيمنة الإمبريالية، وعودته إلى ركاب حركة التحرر العربي الدافقة.
واستمرت ثورة الشعب اللبناني بالتصاعد ،واستمر التدخل العراقي والإمبريالي الأمريكي والبريطاني، واستمرت الأسلحة تنهال على حكومة شمعون، مما أطال في مأساة الشعب اللبناني الذي دفع الآلاف من أبنائه حياتهم دفاعاً عن حرية لبنان، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الشعب، حتى وقوع ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وسقوط النظام الملكي في العراق، وعلى الفور أنزلت الولايات الأمريكية قواتها في لبنان بعد أن يأس نظام شمعون من إمكانية الصمود أمام الثورة الشعبية. وبغية تهدئة الأوضاع في البلاد أزيح كميل شمعون من الحكم، وتم انتخاب قائد الجيش [ فؤاد شهاب ] رئيساً للجمهورية، وعاد السلام إلى لبنان، ولكن إلى حين .
توثيق الحلقة الخامسة عشر
(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ ج10 ـ ص 40 .ـ عبد الرزاق الحسني
(2) صحيفة الحوادث ـ العدد 4100 ـ في 10 أيلول 1956 ..
(3) سقوط إيدن ـ ونستن تشرشل ـ ص 153 .
(4) ت، و، ع ـ الحسني ـ ج 10 ـ ص 121 .
(5) ناجي شوكت ـ سيرة وذكريات ثمانون عاماً ـ ص 587 .
(6) مذكرات أنطوني إيدن ـ الجزء الثاني ـ ص 234
(7) مذكرة السفارة البريطانية إلى وزارة الخارجية العراقية في 2تشرين الأول 1956 ـ ت،و،ع،ص 100
(8) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 551
(9) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء العاشر ـ ص121
(10)مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي ـ 573 ـ رفعت الجادرجي
(11) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء العاشر ـ ص 131 ـ الحسني
(12) نفس المصدر السابق ـ ص 136
(13) صحيفة الأخبار ـ العدد 4507 في 22 تشرين الثاني 1956 .
(14) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء العاشر ـ ص 113
(15) نفس المصدر السابق ـ
(16) إفادة حاكم تحقيق النجف أمام محكمة الشعب ـ الجزء 10 ـ ص 3929
(17) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء العاشر ـ ص 119 ـ الحسني .
(18) العراق أمسه وغده ـ ص 225 ـ خليل كنة .
(19) صفحات عن الأمس القريب ـ ص 41 ـ عبد الرحمن البزاز .
(20) لعبة الأمم ـ ص 73 ـ كوبلاند .
(21) حديث عبد المطلب الأمين مع عبد الرزاق الحسني ـ ت،و،ع ، ج 8 ـص 81 ـ
(22) المصدر السابق ـ ص 85 .
(23) نفس المصدر ـ ص257 .
(24) إفادة فاضل الجمالي أم محكمة الشعب ـ المجلد الثاني ـ ص 281ـ289 .
(25) محاضر جلسات محكمة الشعب ـ المجلد الرابع ـ ص 1515 ـ1522 .
(26) نفس المصدر السابق .
(27) نفس المصدر ـ ص1531 .
(28) شهادة غازي الداغستاني أمام محكمة الشعب ـ المجلد الثاني ـ ص 281ـ289 .
(29) شهادة مدير المخابرات العسكرية أحمد مرعي أمام محكمة الشعب ـالمجلد الثاني ـ ص 390 ـ395 .
(30) دفاع رئيس أركان الجيش رفيق عارف أمام محكمة الشعب ـ المجلد الثاني ـ ص 420 ـ 426 .
(31) جبهة الإتحاد الوطني والمهام الملقات على عاتقها في الوقت الراهن ـ عزيز الشيخ .