الرئيسية » مقالات » المحاصصة كمخرج لأزمة الأنظمة الشمولية

المحاصصة كمخرج لأزمة الأنظمة الشمولية

لم تعد الظاهرة معزولة في أشكال المحاصصة التي فرضتها ظروف مختلفة في أماكن مختلفة , إنها تصبح إلى حد كبير الشكل الذي يحل مكان الأنظمة الشمولية..قد يكون العراق حالة خاصة حيث حل هذا الشكل من المحاصصة نتيجة سقوط النظام بسبب الغزو الأمريكي , و قد يكون من الصحيح أن الضغط الخارجي الشديد كان هو السبب وراء اتفاق المحاصصة بين الحزب الحاكم في الخرطوم و حركة التمرد في الجنوب , و أيضا في حالة زيمبابوي اليوم , لكن من المؤكد أيضا أنه يعكس حالة من التوازن بين قوة النظام القائم و قوى تغييره إضافة إلى وصول القوى المسيطرة داخل النظام القائم للقناعة بضرورة مهادنة الضغوط التي يتعرض لها سواء أكانت داخلية أو خارجية..تثبت التجربة أنه حتى اليوم هناك ثلاثة مقاربات مختلفة للضغوط الخارجية الأمريكية تحديدا التي تتعرض لها الأنظمة الشمولية لأسباب تاريخية تتعلق بنشوئها و تطور علاقاتها مع القطب الأمريكي الواحد و لسياسات هذا القطب نفسه تجاهها و أهدافه الإقليمية : إما الحفاظ على شكل و طبيعة النظام القائم بما في ذلك مواقف مائعة تجاه اشتراطات السياسة الأمريكية لكنها تعني في نفس الوقت أنها لن تستجيب لتلك الاشتراطات “مجانا” بما في ذلك مخاطر المجابهة المفتوحة , أو التحول على الطريقة الليبية أي القبول بما يشبه الاستسلام الكامل مع شرط أساسي هو الاحتفاظ بالسلطة المطلقة , أو الدخول في محاصصة للسلطة مع النخبة المعارضة..يجب هنا التأكيد أن هذا مشترط أولا بموقف أمريكا نفسها , فأمريكا قبلت من القذافي مثلا ما لم تكن مستعدة لقبوله من صدام أو من الأسد في مرحلة سابقة (النظام في سوريا طالما ردد أنه مستعد دوما للحوار مع واشنطن إذا قبلت هي بذلك و كان حريصا على إرسال رسائل ودية لواشنطن حتى في ظل أقصى الضغوط عليه على الرغم من تجاهل واشنطن المستمر) , إذا هذا يتعلق بأهداف واشنطن الإقليمية أولا , الأمر الذي يحدد شكل العلاقة مع كل نظام على حدة و درجة عدائيتها , يجب هنا أن نذكر أنه ما عدا حالة السادات الذي قام بانعطافة حادة في تحالفاته و سياساته الخارجية و الداخلية بمبادرة شخصية من داخل النظام فإن كل الحالات الأخرى شهدت مرحلة انتقالية من المد و الجزر في العلاقة مع أمريكا الشيء الضروري في الممارسة السياسية لتحديد شروط العلاقة القادمة , هذا شاهدناه في حالة صدام الذي كان حتى قبل أيام من آب أغسطس 1990 على علاقة طيبة بأمريكا أو في إطار حالة المد و الجزر الموصوفة سابقا , من الواضح هنا أن اشتراطات واشنطن كانت مرتفعة جدا مع نهاية الحرب الباردة و حتى أعلى مع سقوط بغداد حتى مع أكثر حلفائها إخلاصا و تماهيا غيرمشروطين مع مصالحها , لكن هذه الاشتراطات أخذت تتراجع تدريجيا و هي اليوم ستشهد عملية تعريف جديدة مع وصول إدارة جديدة للبيت الأبيض ربما في إطار إستراتيجية أزمة تهدف لاستعادة زمام المبادرة عالميا , الشيء الذي قد يعني شيئين متناقضين : إما تكتيك أكثر هجومية أو مغامرة , أو تكتيك يعتمد وسائل التدخل غير المباشر للحرب الباردة..هذا يعطي أهمية أكبر لهذه الأشكال الجديدة من المحاصصة التي قد تصبح دارجة كوسيلة للتخفيف من التوترات الاجتماعية و السياسية الداخلية و للتصالح مع النظام الرأسمالي العالمي أو على الأقل لمهادنته , هذا إذا لم يتدبر النظام أمر الحصول على سلاح نووي كما فعل الديكتاتور الكوري الشمالي..هذا لا يقتصر على محور الشر أو من يعتبرهم المركز الرأسمالي العالمي أعداء له بل يمتد ليشمل كل نظام تتناقض مصالحه و لو جزئيا مع هذا المركز مما يعني العديد من حلفاء أمريكا المخلصين تاريخيا , يجب أن نرى في عملية سقوط الكثير من هؤلاء الحلفاء مؤخرا شاهدا على هذا , إضافة بالطبع لأن واشنطن قد تخلت عن الكثير من هؤلاء الحلفاء مع نهاية الحرب الباردة لانتفاء الحاجة لخدماتهم , عدا عن أن عدوها الأول اليوم كان من بين أولئك الحلفاء الأساسيين في فترة الحرب الباردة..هذا التغير في المصالح فرض تغير في الظروف السياسية..هذه المحاصصات و خطابات النخب المعارضة هي أكثر ما يعكس رجعية فكرة و سياسة النخب التي تتصرف كممثل للشعب وفق مبررات مختلفة , حيث تعكس هذه الخطابات و الاستعداد لمثل هذه المحاصصات رغبة في الاستمرار باستبعاد الناس العاديين عن أي شكل مستقبلي للسلطة , إن المحاصصة بين النظام و جزء أو كل النخبة المعارضة قد يبدو هدفا مغريا لمن يقضي وقته في الحديث عن حوار وطني أو عن الوحدة الوطنية لكنها لا تعني أي شيء للناس العاديين , إنها بالضبط محاصصة السلطة و الثروة بين الطرفين على حساب الناس..و مع هذه المحاصصة هناك محاصصة أخرى بين رأس المال الوطني الخاضع بالكامل للسلطة البيروقراطية و بين رأس المال العالمي..هنا علينا أن نتساءل أيضا عن وسائل الضغط على الأنظمة الشمولية التي تستخدمها النخب المعارضة التي تمثل أساسا النخب المثقفة أو أجزاء من البرجوازية “الوطنية” أو بقايا الإقطاع السياسي أو المؤسسة الدينية المهمشة , أي التي لا تشارك فيها الجماهير المهمشة المقموعة بشدة – رغم أنه ذلك القمع غير الملموس الذي يبقى مخفيا بمهارة في مؤسسات الدولة الشمولية البيروقراطية الأمنية على العكس من القمع الموجه للنخبة المباشر و الصاخب – إلا بحضور ثانوي عبر بعض التنظيمات الحزبية اليسارية المقموعة و التي لا تملك أهدافا صريحة لتحرير الناس العاديين من الاستغلال و التهميش أي أنها تحضر بشكل تمثيلي إيديولوجي أيضا أكثر منه حضورا مباشرا فعليا يبقى مغيبا بإصرار من الجميع , هذه الوسائل تستبعد بحزم مثلا أي تحركات شعبية مؤثرة ضد النظام و تفضل عوضا عنها الوسائل الفوقية للحوار “الوطني” مع السلطة و حتى الضغوط الخارجية على النظام التي تصبح شرعيتها أو فائدتها مثار نزاع بينها و بين أزلام النظام أو ما يسمي نفسه بنخب “وطنية” , هناك عامل مشترك في كل هذا الحوار “الوطني” و كل أطرافه “الوطنيين جدا” هو استبعاد الناس العاديين دون تردد سواء عن وسائل إنجاز “التغيير” أو عن هدفه و عن لعب أي دور في النظام البديل , يدور الحديث فقط عن الوطن – النظام أو عن البديل – النخبة , أو عن الحل الوسط – المحاصصة بينهما..إن تجاوز هذا الشكل من الحوار الوطني يتطلب أولا تنظيم الجماهير نفسها لنفسها بشكل ديمقراطي يتجاوز كل وصاية سلطوية أو نخبوية أو حتى من قبل طليعة معارضة ديمقراطية أو حتى يسارية ما , هكذا فقط سيكون للتغيير معنى أكثر ديمقراطية في مواجهة من يملك السلطة و الثروة اليوم سواء في بلادنا أو في العالم….