الرئيسية » مقالات » الجواهري الكبير في أمسية مصرية

الجواهري الكبير في أمسية مصرية

نقلت مصادر اعلامية أن اتحاد الكتاب المصريين قد أقام قبل فترة وجيزة امسية ثقافية لمناسبة الذكرى الثامنة بعد المئة لولادة شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري والذكرى الحادية عشرة لرحيله، وذلك في مقر الاتحاد في القاهرة… وقدم الامسية الناقد المصري د. مدحت الجيار وشارك فيها العديد من الادباء والمثقفين العراقيين والعرب وكان المتحدثون الرئيسيون فيها الكاتب محمد السلماوي رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب ورئيس اتحاد الكتاب المصريين ود. عبد الحسين شعبان الباحث والكاتب العراقي والشاعر احمد سويلم الامين العام لاتحاد الادباء العرب والناقد العراقي خضير ميري والناقد د. شريف الجيار، مع موسيقى وغناء للعازف العراقي الشاب يوسف عباس.

… وقال د. محمد السلماوي في كلمته الافتتاحية اننا سعداء بضيوفنا الأعزاء واكتفي أن أردد فقط ما قاله د. طه حسين عام 1951، وكان وزيراً للمعارف حينها، عن الجواهري: “ليت لي موهبة شاعر العراق بل شاعر الامة العربية كلها محمد مهدي الجواهري، إذ انني لا أتمكن من ايفاء شكري وشكر مصر له ولكنني عاجز، لا املك بيان اخي وصديقي الجواهري وليس كل واحد قادراً على ان يكون مثله، فهو الذي جمع بين فئة تفكير الغرب وجمال وبهاء الشرق”… ثم القى بعده الشاعر أحمد سويلم بعضاً من قصيدة الجواهري عام 1951 عن مصر…

وتلى المتحدثين د. عبد الحسين شعبان في بحث بعنوان (في حضرة الجواهري) جاء فيه: لا يكاد الشعور يفارقك، وكأنك تدخل بجلال وهيبة، مملكة الشعر. فكل شيء في تلك الحضرة ينبض بالشعر: الجواهري بقامته المديدة، وفصاحته، وأصابعه الممدودة، يدهشك حين يستحضر التاريخ، بقصيدته العمودية الموروثة والملّونة بأطياف الحداثة، بتحديه وتناقضه، بانفعالاته وردود أفعاله، بمعاركه الادبية وخصوماته السياسية والشخصية، يظهر الجواهري واضحاً كالحقيقة، لا يعرف الأقنعة وقد امتهن الشعر فناً وذهناً ومزاجاً… لم يستطع الزمن رغم عادياته أن يروّضه أو يطوّعه أو يحتويه، فقد تمكّن سلطان الشعر منه وامتلكه بكل معنى الكلمة، وهكذا ظل صعباً بل عصيّاً، غير قابل للتدجين، رافضاً، ومقاتلاًً في الكثير من الأحايين في دروب الأدب والفكر والتجديد. سلاحه الشعر في الهجوم والتراجع، وهو درع وقايته من تقلبات الزمن وغدر الأيام وهجومات الأعادي… برحلته الشعرية الطويلة، إخترق سيرة رجال ومبدعين وتاريخ كفاح، “صاعداً ونازلاً على حد تعبيره”. كان شاهداً وحاضراً في ذاكرة أجيال، فهو جدّ المثقفين العراقيين ومرجعهم ومرجعيتهم… جاء من النجف ملفّحاً بالعباءة ومعتمراً بالعمامة الصغيرة البيضاء، وبجسم ضئيل، لكنه منتصب مثل نخيل العراق. ومن البيئة النجفية الدواوينية- التلقينية، ذات الموروث والتقاليد العريقة والقاسية، حيث عايش فقهاء النجف، الذين زاملوا وتتلمذوا على يد جمال الدين الأفغاني فبدأ التمرد الأول، وانطلق ليحلّق في الأفق الشاسع، مثل نسر رفرف بجناحيه فوق بغداد، وهو يتطلّع نحو دمشق والقاهرة وبيروت، ثم ليستريح في باريس قليلاً، وليبدأ رحلة المنفى والحنين التي قاربت ثلاثة عقود ونيف كانت محطتها الرئيسية براغ الذهبية… إن عمر الجواهري هو عمر العراق الحديث، حيث اكتملت بداياته الشعرية مع نشوء وتأسيس الدولة العراقية في العام 1921. وكان قد نشر قصائده الاولى عشية تأسيسها حيث تدفقت مثل ثورة العشرين… وقد ظل الجواهري عنيداً أمام السؤال، ضعيفاً أمام إغواء الشعر وإغراء القصيدة. معمّراً مثل لبيد العامري، منفياً مثل المتنبي، فقد عاش أكثر من ثلث عمره في الغربة التي أرخها في سنواته الأولى ” ببريد الغربة”، و”يا دجلة الخير”، مفكراً مثل المعرّي، حيث رصع قصائده بالحكمة والمعرفة…

بعدها دعا د. مدحت الجيار الكتاب والنقاد والباحثين في جميع أرجاء الامة العربية الى الانتباه الى ظاهرة الجواهري وتقديم الكثير من البحوث والدراسات عنه إذ ان الكتابات القليلة عن الجواهري لم تكن بمستوى قامته… ثم تقدم الناقد خضير ميري بمداخلة عن الجواهري قائلا انه لا يمكن ان نختصر الحديث عن مثل ذلك الشاعر الكبير في امسية واحدة على اهميتها. فهو رجل عاش قرناً من الزمان… ان الحيرة التي نواجهها عندما نتكلم عن الجواهري داخل وسط عامر بالتيارات الثقافية التي تلعب بالاشكال والابتكارات والاساليب ذات القصيدة النثرية ونحن نرى ان الجواهري استطاع ان ياتي بالعمود وحده بقصيدة التفعيلة ليكون له كل هذا الحضور والتأثير… ولعل مايصادفنا انه لاشبيه له في الساحة الثقافية العراقية والعربية فهو شاعر نتج من مصادر تراثية وفقيهة ولغوية عريقة، وهو من بين اساتذة اهل البلاغة والحكمة والعلم، ثم جاء بهذه الانماط وحدثها داخل صومعته وصنع لنا شعراً كان لصيقاً بنا سواء في العهود الملكية او ماتلاها من حكومات جائرة… وأضاف ان الجواهري فريد في زمانه وفرادته تاتي من كونه اصر على الشكل العمودي المتعارف عليه… وانا كنت افرق لفترات قريبة عندما كتبت النقد في العراق بين الشعر العمودي والعمود الشعري فالكثير من الشعراء في بلادي كتبوا العمود الشعري ولكنهم لم يكتبوا الشعر العمودي… والشعر العمودي هو الذي يكتب روح الشعر في القصيدة العظيمة والعريقة، وهم يستطيعون ان يسجلوا تجديداً وحداثة داخل بنيتها ودلالاتها وليس البقاء والمراوحة والمكوث بالمنظور العمودي نفسه، او بضبط القوافي وخلق تكرار موسيقي وايقاعي كان الجواهري لها خالقاً وساحراً.

بتصرف عن مادة مفصلة للناقد خضير ميري

مع تحيات

مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com