الرئيسية » مقالات » نواقيس الانحراف المبكر … حين تعلن النفير !

نواقيس الانحراف المبكر … حين تعلن النفير !

لطالما كنا نحذر من إسقاطات الحالة الاجتماعية للمجتمعات الغربية على الوضع المتمايز لمجتمعاتنا بكل ما فيها من حالات مرضية أو حتى المقاييس الايجابية الأخرى لاختلاف المكنون المعرفي والثقافي واختلاف الظرف والطابع العام بين المجتمعين ولكننا وعلى الدوام كنا نفاجئ بامتدادات إحدى أذرع الإخطبوط الأوربي في واقعنا ليشل كل تحرك طبيعي لدينا دافعا بنا وبكل ما أوتينا من مظاهر اهتمام وتمحيص للتباحث والانشغال بأمر إحداثيات هذه الذراع وإحداثيات ما يبتكر من جديد في مجتمعنا وها نحن نشتم وعن بعد تلافيف ذراع أخرى تقرع علينا الأبواب وهو الانحراف المبكر للطفل الأمر الذي لم يتعود عليه مجتمعنا بعد ولم يألفه .
حادثة في طور الاستثنائيات :
تحدث بين الفينة والأخرى حوادث تبث الرعب في ضمائرنا وتوقظ الفزع في أخلاقياتنا وتنذرنا بالطامة ففي حادثة فريدة من نوعها قام ثلاثة أطفال ممن لم تتجاوز أعمارهم العاشرة باصطحاب صديق لهم والابتعاد به عن القرية الواقعة في منطقة ديريك ( المالكية ) في محافظة الحسكة ثم قتله بواسطة كبل للهاتف وقد تبدو القصة والى الآن في طور ما يخيف أما المفزع في الأمر فهو قيامهم باغتصاب الطفل بعد موته وتركه لعدة أيام في العراء إلى أن أكتشف أمره فيما بعد وبعد تعفن الجثة .
علل ما بين الكليات والحالات الخاصة:
وإذا كانت الحالات الخاصة نذير حالة عامة فان الأسباب الجزئية لها تكون العامل الأساسي لمجمل هذه الحالة ولقد أعتدنا على استيراد الأسباب والعلل والبحث فيها من الغرب بعد أن يقتحم الداء الغربي علينا الأبواب عنوة ولنلاحظ تشابها للأسباب والمثيرات لتشابه المكون الأساسي للإنسان باعتباره كائنا حيا معرضا لما يحيط به من ظروف ولكن علينا دائما أن نتباحث في أمر الأسباب الخاصة بحالتنا الاستثنائية وبأوضاعنا المختلفة عنها في الغرب فما هي هذه الأسباب مدمجة :
1- أسباب ذاتية نفسية لدى الطفل : وتبدأ من عدم قدرته على التلاؤم مع مجموعة من الظروف المحيطة به نتيجة لاختلافات معينة خاصة بتكوينه الجسماني ( ومسائل الموروث الجيني للإجرام وحالات نقص الذكاء ) وتكوينه الأخلاقي ( وارتباط ذلك بنقص تكون الأنا الأعلى لدى الطفل والذي يعتبر السلطة الداخلية لدى الإنسان كما يرى أصحاب المدرسة التحليلية في علم النفس ) .
2- أسباب اجتماعية تختلف باختلاف البيئات : أ – البيئة الأسرية : وما تخالطها من مشاكل عائلية بين الوالدين وحالات الانفصال بينهما وعدم التوافق , أو سيطرة أحد الوالدين على حساب غياب دور الطرف الآخر , وعدم قدرة الطفل على الارتباط بشكل ميسر مع طرف معين وما تؤدي إليه هذه الحالة من غياب للقدوة والمثل الأعلى . ب – المدرسة : وما تلعبه من أدوار سلبية أحيانا , خاصة في ظل التعامل السلبي لبعض المدرسين مع تلاميذهم و استخدام العنف المفرط والترويع ووسائل التهديد , والنوعية غير المدروسة للمناهج الدراسية التي لا تراعي الاهتمامات الخاصة للطفل في نصوصها وتطبيقاتها . ج – بيئة الصداقات : وخاصة إذا لم يستطع الطفل أن يعقد صداقات ناجحة مع أقرانه , أو تعرضه لنوع من الصداقات التي قد تؤدي إلى التأثر بمجموعة من الأصدقاء غير الأسوياء . د – البيئة الدينية : أو بيئة المحظورات من مسائل عدم الاختلاط ومنع تداول الثقافة الجنسية , وتحويل الطفل إلى أداة للتجربة الهادفة إلى اختراع ( الملا الصغير ) .
3- الإعلام : وما يقوم به من دور سلبي في توجيه الطفل نحو الهاوية , فإذا بدأنا من عدم تحكم الآباء بطبيعة متابعة أبنائهم لوسائل الإعلام وما تبثه وضرورة تخصيص ساعات معينة له لمتابعة ما يناسبه فإننا سننتهي لا محالة بدور المشرفين على هذه الوسائل وما يقدمونه عبرها من مواد تفسد الكبير قبل الصغير , وتنقل ببعض القيم الغربية بحذافيرها إلى مجتمعاتنا المتخلفة والمقموعة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا .
حلول تجنبنا ولادة ظاهرة : ولكي لا تتحول هذه الحالات الفريدة إلى ظواهر سنعاني الأمرين من جرائها فما علينا إلا الإسراع في الوقاية من تفاقم الأمر عبر بعض الوسائل التي قد تكون ناجعة إلى حد ما في استئصال هذا المرض قبل تفشيه وهنا لن يكون بإمكاننا إلا العودة إلى الأسباب والعلل ومحاولة قلب سحر الساحر عليه لنحصل على ما نريد من نتيجة فإذا انتفت الأسباب انتفى المعلول , فبدأ من الكليات المرتبطة بإعلام مميز خاضع للمنظومة الأخلاقية لمجتمعاتنا وقابل لتوجيهه بشكل ايجابي ورسم الخط البياني الأفضل لتطوره عبر تقديم المناسب ونبذ مبدأ الخبط والسبق الإعلامي على حساب آدابنا , ننتقل إلى المجتمع بعمومياته والقائمين على أمره عبر محاولة الدفع لتوفير الجو الاقتصادي المناسب والذي يستطيع معه كل رب أسرة أن يلبي متطلبات أطفاله بالحد الذي يبعدهم عن الحاجة والعوز الذي يؤدي بهم إلى الانحراف عن جادة الصواب , ومحاولة إنشاء الدور أو المعاهد الإصلاحية الخاصة بالأحداث من مرتكبي الجرائم والجنح وغيرها , بعد محاولة تميز الطفل جزائيا بحيث تراعى معه كافة الظروف المؤدية إلى الحدث الإجرامي عبر الوسائل الأخلاقية , ومحاولة التأهيل المبكر للإنسان لعملية الاهتمام بالطفل والأسس السليمة لتربيته عبر المناهج الدراسية وفي الصفوف المبكرة من الدراسة , وبرامج الإرشاد الأسري عبر وسائل الإعلام المختلفة , وانتهاء بالأسرة الحاصلة على التوعية التربوية الضرورية بما ينسجم مع الدور المهم في تربية الطفل وتأهيله ليكون جزءا فعالا في مجتمعه مبتعدين عن كل ما يوقظ في نفسيته من رغبة في الهرب وممارسة الفعل المخالف للإرادة الأخلاقية العامة للمجتمع .