الرئيسية » مقالات » ملاحظات على مذكرات عدنان عباس (2)

ملاحظات على مذكرات عدنان عباس (2)

ومن أجمل ما أورده أبي تانيا في مذكراته تلك الحقبة الزاهية من سنين النضال ،عندما تحمل الحزب أعباء قيادة الحركة الوطنية في العراق وكان مالئ الدنيا وشاغل الناس،وقائد الفصائل الثورية التي واجهت انقلابي 8 شباط 1963 مع فئة صدقوا فيما عاهدوا حزبهم عليه،فكانوا طليعة رائعة أخذت على عاتقها تحمل أوزار الهجمة الشرسة،وواجهتها بكفاءة منقطعة النظير،وكانت منطقة الشامية النواة الأولى للكفاح المسلح الشعبي وما رافقها من أعمال مقاومة في مناطق الفرات الأوسط،وقد أوقفت هذه المقاومة التنمر البعثي وجعلته ينكفئ على نفسه ويتراجع عن الكثير من نواياه التي كانت القضاء التام على جميع الشيوعيين بمساعدة وإسناد من قوى خارجية وداخلية تمثلت ببقايا العهد الملكي والرجعيين والإسلاميين المرتبطين بعجلة الاستعمار البريطاني.

والأجمل منها أشارته لشيء يتغاضى عنه الكثيرون ممن كتبوا عن ما بعد 14 تموز الخالد،فقد بين وجود أخفاقات كثيرة رافقت عمل الحزب اليومي وخصوصا في مجال المقاومة الشعبية التي شكلت بأمر من الحكومة ،وأدخلت فيها عناصر طارئة من غير الحزبيين أساء بعضهم التصرف،وظهرت منهم تصرفات مستهجنة حاولوا من خلالها إيذاء الآخرين لأغراض شخصية،وكان للحزب موقفه المناهض لهذه التصرفات،وطالما قام بتصحيح تلك الأخطاء ومواجهتها ،ثم قامت السلطة بحل المقاومة الشعبية وألصقت أخطائها بالشيوعيين،رغم أن المقاومة تشكيل حكومي لم يكن للحزب دور في الكثير من أعماله،واستغلت القوى المعادية هذا الأمر لتشوه الصورة الناصعة للشيوعيين العراقيين وسخرت أبواقها المأجور لإذاعة ونشر الأكاذيب والتلفيق عن أعمال ليس لها شيء من الصحة ،كان للعناصر الرجعية دور في تهويلها وأشاعتها بما تمتلك من مؤهلات في هذا المجال وبمعاضدة أطراف بدأت تخطط للإجهاز على الثورة من خلال محاربة الشيوعيين .

وأشار إلى وجود أخطاء وثغرات في التعامل مع القوى الأخرى،وخصوصا العناصر المحسوبة على الوطني الديمقراطي،الذين جروا بعض الحزبيين إلى صراعات لا مبدئية ،كان الأولى تجاوزها وحلها وفق الطرق الدبلوماسية،لكن التشنج الذي حدث تلك الفترة أحدث شرخا وتصدعا في العلاقة بسبب التصرفات الخاطئة للمحسوبين على الوطني الديمقراطي الذين جعلوا منه طريقا لتحقيق مآرب لا علاقة لها بالحزب ولا تصب في مصلحته ،ولطبيعة الحزب البرجوازية القلقة أنساق إليها قادته المكتبيين الذين يعيشون بعيدا عما يجري في الشارع ،لطبيعة تنظيمهم الهرمي،وأفسحوا في المجال لعناصر طارئة على الحركة الوطنية،وتحمل أجندات خارجية أن تتسيد الموقف لتقوده إلى طريق أضر بالحزب الوطني الديمقراطي كثيرا،وجعلته هيكلا فارغا لم تقم له قائمة حتى اليوم،لطبيعة قيادته التي تترك الساحة ساعات الشدة،وتتصدر الواجهة أيام الرخاء،وكان على الحزب الشيوعي أو بعض عناصره التي انساقت إلى مما حكات ومصادمات مع المحسوبين على الوطني الديمقراطي أن تكون أكثر وعيا ويقظة في عدم الانجرار إلى مواقف وخلافات لا نخدم الحركة الوطنية،رغم أن الحزب كقيادة كان يحاول رأب الصدع والوقوف بوجه أي عمل يراد من خلاله دق إسفين العداء بين الحليفين،وكن الطارئين وبعض القادة الميدانيين كانوا دون المستوى المطلوب في التعامل الحذر في ثل هذه المواقف،فجروا الحزب إلى خلافات لم تكن في يوم من الأيام ضمن سياسته،وأفسح لإدارة السلطة العميلة أخذ زمام المبادرة في محاربة الشيوعيين.

ومن أشارته للأخطاء والممارسات التي رافقت عمل الحزب بعد ثورته تموز،الافتقار إلى الممارسة الديمقراطية داخل صفوف الحزب،وأتباع أسلوب التقديم لأشغال المناصب القيادية وكان الأولى أجراء انتخابات لفرز قيادة قادرة على قيادة المرحلة وأبعاد العناصر التي ظهرت أساءتها “وشلت طاقات الحزب وتسببت فيما بعد بالكارثة التي حلت بالبلاد بعد انقلاب شباط الدموي عام 1963،وقبلها التضحيات الجسيمة التي أدت إلى استشهاد العشرات من كوادر الحزب ورفاقه ومناضليه،التي كانت معظمها نتيجة لسياسة الخنوع التي سبقت انقلاب شباط الدموي1963 وعدم إعارة أي اهتمام للأصوات التي كانت تنطلق من الرفاق في منظمات الحزب ومن بينها منطقة الفرات والتي أشارت بأن التعويل على عبد الكريم قاسم سيؤدي إلى كارثة،وقد ظهرت الدعوة لمجابهة الاغتيالات بالحزم وعدم الاستسلام ومثل هذه الأصوات كانت تنطلق من أصدقاء الحزب وجماهير الشعب،وللأسف سارت الأمور في القيادة باتجاه آخر وبشكل خاص عند أعضاء المكتب السياسي الذي لم يعط أذنا صاغية لمثل هذه الآراء،وأكثر من ذلك عملوا كل ما في وسعهم لأضعاف هيبة الحزب والحد من دور سكرتير اللجنة المركزية،كم أن السكرتير الأول بدوره لم يلجأ إلى الحزب ويدعوا للاستعانة برفاقه في معالجة المشاكل التي بقيت محصورة في القيادة وذلك عن طريق عقد مؤتمر وطرح الأمور ومعالجتها…”.

ويذكر في ص111 (ومن أبرز ما قامت به فرق المقاومة صيانة الرفاق والتنظيم وديمومة الاتصال مع المدن وجعل مناطق الريف مغلقة بوجه زمر الحرس القومي بشكل عام وقطعت عليهم خط الرجعة بعد انقلاب 18 تشرين 1963 فعندما حاولت مجموعة من الحرس القومي الانسحاب من مدينة المشخاب باتجاه الحيرة عبر الريف تصدت لها فرق المقاومة التي كانت متواجدة في المنطقة بقيادة الرفيق كريم عذاب وأجبرتها على الاستسلام وانتزعت أسلحتها،أنهم كانوا في حالة يرثى لها ويتوسلون ومعتذرين عن ماضيهم وقد قابلهم رفاقنا بالتصرف الذي يعكس الثقة بالنفس والخلق وبـأن الذي سنفعله معكم مستقبلا هو تقديمكم للمحاكة” وهنا لي أن اتسائل كيف لعدنان عباس الذي يطالب قيادة الحزب باتخاذ أجراء رادع ومقابلة القوة بالقوة والرد على اعتدا آت الرجعيين بعد انتكاس ثورة تموز وانحرافها وهنا يقوم بحماية الحرس القومي الذين قتلوا آلاف الشيوعيين بدم بارد دون أن يرف لهم جفن،والبريء فيهم أو (شريفهم) بالمعنى الشعبي العراقي كان جاسوسا يشي بالشيوعيين ،كيف له تركهم أحياء يتنفسون الهواء وهم قتلة معروفون أليس الأولى أبادتهم وإنهائهم حتى لا يعودوا مستقبلا لذبح الشيوعيين،أن الحزم الذي يطالب به القيادة السابقة فاته أن يتخذه بحق هؤلاء ،ولو كان الشيوعيين عبر تاريخهم يواجهون الآخرين بالعنف وفق مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم لقيظ لهم الفوز والانتصار واستلموا السلطة قبل عشرات السنين ولكن عقليتهم البعيدة عن العنف وعدم محاسبة أعدائهم جعلت الأعداء ينظرون إليهم نظرة القوي للضعيف ،ولا زال قتلتهم وهم معروفون يعيشون في عز ورفاه لأن الشيوعيين لم يفكروا يوما ما بالانتقام الذي هو مسرة الآلهة .

وأشار في الصفحة112 إلى أن قيادة الحزب “لم تعطي الاهتمام اللازم لأعداد الرفاق وتوفير الحد الأدنى من الأموال والسلاح إلى منظمات الحزب بشكل عام والفرات الأوسط بشكل خاص التي يتميز ريفها بهذه المواصفات أن كل ما كان لدى لجنة المنطقة بعد الانقلاب هو قطعة رشاش واحدة نقلتها من الريف إلى النجف إحدى الرفيقات الشابات نجوى عبد التي اجتازت كل نقاط السيطرة لمدينة النجف والكوفة بعد انقلاب شباط 1963 أما الأموال فكان لدينا 300 دينار فقط حصلنا عليها من بيع سيارة المنطقة التي كانت تستخدم لنقل البريد الحزبي من والى بغداد” هذا الواقع المر يقودنا إلى التفكير مجددا ،هل فكرت قيادة الحزب بعد التحالف الجبهوي مع البعث على معالجة النقص في تجربة الكفاح المسلح بعد 1963 ،ولماذا لم تهيئ العدة والسلاح للردة المحتملة للبعثيين وهل أن النضال السلمي هو الطريق الوحيد أم أن الطرق الأخرى لا وجود لها في قاموس الشيوعيين،وحتى في الوقت الحاضر نرى قيادة الحزب لا زالت تؤمن بالطريق الديمقراطي والنضال السلمي الذي ثبت فشله طيلة عقود من السنين وأن على الحزب التفكير بآليات جديدة للنضال وتأمين المال تتوافق وروح العصر ،فأن الاعتماد على التبرع والاشتراك أصبحت من الآليات القديمة البالية وأن على الحزب الذي يحاول أثبات وجوده في الساحة السياسية أيجاد آليات جديدة لماليته في السعي لاستثمار أمواله في مشاريع اقتصادية مضمونة توفر له احتياجاته دون الحاجة إلى آليات أصبحت موروثا تستحق أن تكون في متاحف التاريخ.

وتطرق إلى حركة الأسد الفراتي حسن سريع والاستعدادات الجارية في المنطقة لإسنادها حيث تمكنت المنطقة من أعادة الصلة بالمركز إلا أن اعتقال الشهيد صالح الحيدري واستشهاده فوت من هذه الفرصة،وضياع الاتصال حال دون التهيؤ للمشاركة وإسنادها بسبب التغيير الطارئ في توقيتها لأسباب قدرتها قيادة الحركة،ورغم ذلك كان للجنة المنطقة دورها في حماية السجناء الهاربين من سجن الكوت وتأمين المخابئ لهم وإسهامهم في الكفاح المسلح منهم الشهيد الثائر محمد الخضري، والسجناء الهاربين من سجن الديوانية ولو توفر لهذه الحركة المال والسلاح اللازم لكان لها أثرها في تغيير الوضع،والتهيئة للامساك بزمام الأمور،ولكن كانت الأمور تجري بواد آخر بعيدا عن التفكير الجدي في توسيع وإنماء الكفاح الشعبي المسلح والاستفادة من هذه التجربة للظروف اللاحقة.

يتبع