الرئيسية » بيستون » يالها من طامّة، الفيليّون محجوزون سياسيون وليسوا سجناء سياسيين

يالها من طامّة، الفيليّون محجوزون سياسيون وليسوا سجناء سياسيين

انها واحدة من المظالم وليس آخرها بحق الكورد الفيليين العراقيين في عراق العجائب والغرائب، ولأنها مُحزنة ومُثيرة ومؤثرة في النفوس الانسانية، ارتأيت ان انشرها للرأي العام، كي يعرف حجم ما اصاب هذا المكوّن من ويلات ومآسي، لم يستطع العهد الجديد محوها من ذاكرتهم، بل لربما كان هذا العهد سبباً في اضافة المزيد من هذه المآسي لهم.

القصة تبدأ من عائلة قريبة، التقيت بها قبل ايام في احدى بيوتات الفيليين، وهم على علم بأني هاوي كتابة مقالات، وناشر لها في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية .. ليُطلعوني على مرارة احساسهم بالغبن والتمييز بينهم وبين آخرين .. فقد سجن البعثيون هذه العائلة برجالها ونسائها واطفالها في نكرة سلمان، مدة سبع سنوات لكونهم لا يمتلكون شهادة جنسية البعث، تؤيد عراقيتهم، رغم انهم من حملة الجنسية العراقية قبل ان تلد (صبحة) بطل حواسم الحفر والمغارات .. حتى اُطلِق سراحهم عام 1989بقرار رئاسي، وقد جُرّدوا حينها من كل اوراقهم الثبوتية، ليكون كل ما في جعبتهم ورقة صغيرة، مُثبّت عليها هاتف ضابط استخبارات، يتصلون به في حال طلبت اي دورية عسكرية او امنية هوية ً شخصية لهم آنئذ.

الغريب ان افراد العائلة وبعد خروجهم من سجن (النكرة) سيء الصيت، قد اُجبروا على دخول الجيش حينها، واكملوا خدمتهم الالزامية، لكن ذلك لم يشفع لهم في نظر السلطة ولم يجعل منهم عراقيين من الدرجة الاولى .. فقد ظلّ شبح التابعية الايرانية يطاردهم حتى في منامهم وظلّت قوات الامن ترسل في طلبهم وتعتقلهم كلما تذكّرتهم .. ولم تنتهِ هذه الحالة حتى عام 2003 اي عام سقوط ابن العوجة وجوقة طبّاليه، حيث تنفسوا ومعهم عموم العراقيين الصعداء بذلك السقوط واستبشروا مع الشرفاء خيراً بالعهد الجديد عسى ان يعوّضهم عن ما قاسوه ويُعيد لهم كرامتهم المُستباحة.

المُحزن في الامر، بأن اللجنة التي شكّلها السيد رئيس الوزراء نوري المالكي والمؤلّفة من عدد من المستشارين مع قضاة وممثلين لمؤسسة السجناء السياسيين، لم تعتبر هذه العائلة المنكوبة بزلزال الارهاب الصدامي وبمقياس 9 حسب ريختر البعث، من السجناء السياسيين، بل سمّتهم (محجوزين سياسيين)، لانهم حسب ما تقول اللجنة اُوقِفوا بالحجز ولم يُسجَنوا سجناً كما البقية، وهذا يعني بانهم لا يستطيعون العودة الى دوائرهم تحت هذا العنوان، وليس لهم الحق بالمُطالبة بحقوقهم وامتيازاتهم، لانهم وحسب اللجنة (محجوزون سياسيون) وليسوا (سجناء سياسيين).

لقد قرأت الدين والفلسفة والمنطق والادب والشعر، كما قرأت القصص والروايات والمسرحيات، ناهيك عن انني وبكل فخر استطعت فك شفرة خطابات صدام العبثية وفهم عباراته المتلعثمة ضمن القلة الذين كانت لديهم المقدرة على معرفة ما كان يريده (خبل العوجة) في عباراته المُمّلة. لكني اعترف باني فشلت في فهم تلك السفسطة التي تدّعي بان هناك فرق بين (محجوز او موقوف سياسي) و (سجين سياسي). المشكلة التي عرضناها لا تخص العائلة المذكورة فحسب، بل انها مشكلة المئات من العوائل الفيلية الآن، حيث تعتبر اللجنة مَن حُجز في سجن نكرة سلمان وهم الفيليون، ليسوا (بسجناء) سياسيين، بل هم (محجوزون) سياسيون، لا تشملهم حقوق وامتيازات السجناء السياسيين.

أَمن العدل ان تُحتسب الحقوق والامتيازات لمَن سُجن شهراً واحداً او اقل، في حين لا يُشمل بها مَن حُجز سبع سنين او اكثر!!!

ثم هل كل مَن اُعيد للخدمة وحصل على حقوقه، كان مصداقاً حقيقياً للسجين السياسي؟ ام كان من بينهم مَن لم يكن حتى سجيناً سياسياً، بل منهم مَن سرق علبة سكائر من (جنبر) مجاور وشاءت الظروف ان يكون كذلك، ليعود الى وظيفته مُعزّزاً مُكرّماً؟ ومثلهم الكثير بدون تجنّي او افتراء، لكن لا نريد مُحاكمة التجربة وموقف الحكومة الاصيل في انصاف الابناء، رغم علمنا بما شابها من اختراقات وتجاوزات .. بقدر ما نريد انصاف الفيليين واعتبارهم سجناء سياسيين وهم كذلك، من اجل تعويضهم عن سنوات المحن والقهر والظلم.

اضع اليوم هذه القضية امام الرأي العام فهو خير مُنصف وخير حَكَم يُمكن له ان يُقرّر حجم الظلم الذي لحق بالفيليين، واسأل كل مَن لديه السلطة والقرار في العراق الجديد ان يُجيب هؤلاء العوائل باسرع وقت ممكن وان يُعيد لهم حقوقهم المسلوبة.

اين صديقي الائتلافي العزيز عامر ثامر علي، اين الكردستانية الغالية سامية عزيز، اين الاعضاء الفيليون الشرفاء في مجلس النواب، اين الائتلاف واين الكردستاني واين التوافق واين العراقية وبقية الكتل السياسية، اين رئيس جمهوريتنا الفاضل واين رئيس وزرائنا الشريف، واين رئيس برلماننا الطيب، اين ابن الشهداء الاشاوس عبد العزيز الحكيم واين احرارنا وكتابنا، اين كاتبنا الغيور احمد مهدي الياسري، فابناء بلده الفيليون محجوزون سياسيون داخل اوطانهم، وليسوا بأحسن حال من سجنائنا المظلومين في سجون الحقد الوهابي، اين البرلمان الكردي الفيلي العراقي، اين سيدي ومولاي المُضطر الذي يُجاب اذا دعا.

فقضية هؤلاء المئات من العوائل الفيلية، قضية عادلة لمواطنين ابتلوا العيش في وطن، لم يعترف بمواطنتهم .. ولا ادري ان كان سيستمر هذا الوطن بنكرانهم، ام سيأتي اليوم الذي يُنصفهم فيه.