الرئيسية » مقالات » نحو الحرية لا إحياء الحرب الباردة

نحو الحرية لا إحياء الحرب الباردة

أصبح من شبه المؤكد أنه في غفلة من أسياد العالم الأمريكان أصبح العالم اليوم يتجه بشكل شبه حتمي نحو ظهور منافسين للقوة الأكبر في العالم..كانت الإدارات الأمريكية منذ بوش الأب , استنادا إلى تجربة أوروبا الشرقية من جهة و بسبب زوال خطر البديل الذي زعم أنه يقوم على العدالة و الذي جعل الحرية بالمقابل ضحيته الأولى , أرادت أن تحقق مصالحها عن طريق ما أسمته بالديمقراطية ما كانت تحققه سابقا عن طريق الدكتاتوريات و الانقلابات العسكرية و التدخل المباشر و غير المباشر , ظن الأمريكان أنه من الممكن للديمقراطية التمثيلية أن تشكل بديلا عن واقع الاستبداد الذي خدمهم طويلا عبر إنتاج نخب حاكمة تابعة مع مستوى مقنن و مموه جيدا من القمع و النهب للطبقات التي في أسفل الهرم الاجتماعي و مستوى مقبول من الاستياء و من التوتر الداخلي عن طريق إنتاج منظومة تدجين قائمة على لعبة ديمقراطية تستبعد الجماهير بشكل أكثر تهذيبا و تنتج سلطة النخب التابعة المستقرة..هكذا قبل الأمريكان بكل محرمات الحرب الباردة , فشكل الشيوعيون الإيطاليون الحكومة هناك و لو تحت اسم اليسار الديمقراطي , هذا الحدث الذي عملت المخابرات المركزية جاهدة طوال عقود على منعه بكل الوسائل , و في الحديقة الخلفية لأمريكا التي كانت ساحة لانقلابات عسكرية لا تنتهي و لقمع دموي يستهدف الشيوعيين و اليساريين عموما بقصد منعهم من التأثير ناهيك عن الوصول إلى السلطة أصبحت معظم بلدانها تحكم من حكومات يسارية ذات صبغات مختلفة , حتى تشيلي أصبحت خاضعة لحكم حزب ألينيدي الاشتراكي نفسه الذي أغرقه عملاء المخابرات المركزية في الدماء في عام 1973 , و حتى نيكاراغوا , الساحة الساخنة للحرب الباردة , عاد فيها الساندينيون إلى السلطة , و أخيرا طرد السفراء الأمريكان من ثلاثة دول أمريكية جنوبية حيث كان هؤلاء في الماضي يعتبرون الحكام الفعليين لتلك البلاد , في فلسطين هناك حماس و في لبنان القوى التي تصنفها أمريكا على أنها معادية لها تزداد قوة , و أخيرا قبرص ثم نيبال..هذا كله مع التذكير بأن القوى المعادية للرأسمالية تعاني من أزمة حقيقية..المتوقع الآن أن تبدأ أمريكا بهجوم مضاد عام يستهدف كل الأنظمة و القوى المعادية لها باستخدام أساليب الماضي المجربة و الفعالة كما أعتقد : الديكتاتوريات العسكرية و المدنية أحيانا , التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر عن طريق المخابرات المركزية , إعادة توجيه الترسانة الإعلامية نحو هذه القوى , ربما على التساوي مع القدر المخصص للأصوليين الذي تصنفهم أمريكا على أنها العدو رقم واحد اليوم..لكن هذا الوضع المتأزم للوحدانية الأمريكية الرأسمالية في العالم ليست الأزمة الوحيدة هنا , فمع تصاعد هذا التنافس سيعود ظهور الاستقطاب الذي طبع كل الحرب الباردة , هذا الاستقطاب الذي يجبر الناس أو القوى الاجتماعية الباحثة عن تغيير جذري في الأوضاع القائمة على المفاضلة من جديد بين تشاوشيسكو و بينوشيت , بين قمع و آخر , بين نهب و آخر , بين سلطة شمولية استبدادية و أخرى..يتقن الكثيرون لعبة الاستقطاب هذه , سواء من الأنظمة العربية خاصة أو من النخب , يجب هنا أن نتذكر أن السلطة – الدولة هي من حددت طبيعة الصراع السياسي و الفكري و الاجتماعي في القرن العشرين , بين “معسكر” من الأنظمة تدور في فلكه أنظمة أخرى و “معسكر” آخر من الأنظمة الخصوم للمعسكر الأول..فعلى سبيل المثال كانت الماركسية هي التيار الأبرز في اليسار لأنها كانت أساس حكم البيروقراطية الستالينية في الاتحاد السوفيتي و أساس توسعها اللاحق , كان لوك و جيفرسون مثلا الأكثر حضورا في الفكر الليبرالي البرجوازي الأكاديمي و الإعلامي من ستيورات ميل و حتى روسو نفسه لأنهما يمثلان الحالة الأمريكية الأقوى من نظيرتها الأوروبية التي دارت حول دولة الرفاه , ابن تيمية كان أكثر رجال الدين الإسلامي حضورا لأن أفكاره كانت أساس و مبرر وجود و سلطة النظام السعودي و أساس نفوذه في العالم الإسلامي..اليوم أيضا في عالمنا العربي يدور الصراع بين “مقاومة” أنظمة استبدادية بامتياز كإيران و سوريا و بين “ديمقراطية” تفرضها و تديرها و تحددها أنظمة أخرى وفق مصالحها هي خاصة أمريكا و من يدور في فلكها في أوروبا , ما تزال السلطة – الدولة هي من يحدد جوهر و طبيعة الصراعات الأساسية و الكبرى في تهميش واضح و دائم للجماهير , لمصالحها الفعلية و لعذاباتها رغم أن هذه المصالح تستخدم من قبل الطرفين بشكل ثانوي فقط للبرهنة على ضرورة هيمنة هذه القوة أو تلك و فقط في سبيل تلك النتيجة..في الحقيقة إن القضية اليوم هي في رفض هذا الاستقطاب بين الطغاة , لا في موالاة هذا الطاغية أو ذاك , قد يتشفى ضحايا هذا النظام أو ذاك بتلك الأزمات التي يغرق فيها لكن من الضروري مشاهدة أن المخرج هو في مقاومة و ديمقراطية تعني الناس أولا و أخيرا , و لا تعني النخب أو الطغم الحاكمة أو المالكة..لنا في مساكين دارفور مثال جيد , حيث تستخدم دماءهم للضغط على نظام الخرطوم و للتمهيد لاتفاقات على شاكلة الاتفاق بين الحزب الحاكم في الخرطوم و الحركة الشعبية في الجنوب , إن هذه المحاصصات لا تعني أي تحسن لا في الديمقراطية المخصصة للجماهير و لا حتى في الحد من شدة نهب هذه الجماهير , إن اتفاقات مثل تلك التي جرت في لبنان و العراق و السودان و يجري العمل عليها بين النظام و “المعارضة” في زيمبابوي ليست إلا إعادة توزيع حصص النهب و حق الاستبداد و القمع بين النخب و الطغم و لا يزيد استخدام هذه “المعارضات” للجماهير عن خداعها بأن انتخابها إلى كرسي السلطة هو هذا التغيير المزعوم..ما يمثل تغييرا هو في الواقع حكم الناس نفسهم بنفسهم , أن يكونوا هم من يتخذ القرارات التي تحدد مصيرهم , في هزيمة كل استبداد وطغيان مهما استخدم من شعارات…..