الرئيسية » مقالات » عودة البعث الى جمهورية البُدّعْ

عودة البعث الى جمهورية البُدّعْ

أعزائي القـُراء…..

صدر عن دار التأريخ للنشر، سلسلة کتب حديثة ومفيدة تتناول الشأن العراقي في الأمس واليوم، فمن تأريخ الصراع الطائفي، الى تراث الدکتاتورية ومن ثم ثقافة البعث وأبعاده‌ وآفاقه‌ في فکر العام والخاص، تتعدد المواضيع وتختزل نفسها في سطور مؤلفات عدة مثل:

 حکايات بغداد في قبضة الف حجاج وحجاج.
 بین شهريار الساساني وحجاج الطائفي …بغداد تتأرجح.
 جمهورية البعث من قره ‌تبه الى المنطقة الخضراء.
 وأخیرا…أمبراطورية البعث التي لا تغيب عن الحکم.

یسطر لنا التأريخ في دوره‌ِ وأروقتهِ‌ وأيامهِ‌، عبر وأحداث. سجلات ومؤلفات، تستحق المراجعة والقراءة والمقارنة.
فکيف لنا ونحن أبناء هذه الثقافة التى تـُقدس التأريخ وتقحمهُ‌ في کل صغيرة وکبيرة، أن لانقرء هذه المؤلفات..!
کيف لنا ونحن من عاش خمسة وثلاثون سنة..کعبيد..في جمهورية البعث أن نحصر قرائتنا لهذه الظاهرة البعثية القديمة الجديدة في حدود کلام سطحي وعاطفي لایتعدى الشتم والکره‌…!
دعونا نسرق من لحظات أيامنا الملیئة بالأحباط…والصدمة..لربما..”بُرهة”، نراجع فيه‌ الفکر البعثي خارج أطار المظلومية والکراهية، ونحاول أن نجيب على واحدة من أعقد الأسئلة وهيَّ:

کيف نجح البعث في حکم العراق الصعب خمسة وثلاثون سنة..؟

التأريخ..تأثیرهُ وجذورهُ‌.

ولکن قبل الأجابة….
لنرى مایقوله فرانسيس فوکوياما عن التأريخ ، ففي کتابهِ
” نهایة التأریخ والأنسان الأخیر”
وفي معرض ردهِ‌ على منتقدي مقالتهِ‌ الشهيرة التي صدرت تحت نفس العنوان…یقول فوکوياما..

“فالعديد من الناس وقع في خطأ أولي جراء أستخدامي کلمة “التأريخ”: أذ أتخذوا هذه الکلمة بمعناها الأصطلاحي أي الأحداث التي تقع،…..ألا أن الذي أشرت الى نهايته لم يکن بالطبع التأريخ کتتابع للأحداث، وأنما التأريخ کمجرد مسار متماسك للتطور الذي يأخذ تجربة کل الشعوب في آن واحد معا..”.

أذا ليس التأريخ أياما نعدها ونحصيها تقضي وتنتهي، ونجمع في جعبة غرورنا الآلوف من سنينها لتصبح عبئاً ثقيلا‌‌‌ يرهق فکرنا ويوهمنا بالعظمة والفوقية على باقي خلق اللة لأنهم جمعوا أقل…!
بل التأريخ هو تسلسل مراحلي للتطور الفکري لدى البشرية کلها…ولکن ماسنتطرق اليهِ‌ لاحقا ووفق هذا المفهوم هو “تأربخ” الفلسفة والفکر السياسيين العراقیین بالتحديد.
یؤمن فوکوياما والکثيرين اليوم أن الديمقراطیة الليبرالية الحديثة هي نهاية التأريخ بالنسبة لتطور الفکر السياسي البشري وأن التطور هذا نتج بعد تجارب عديدة مرت بها البشرية ، تجارب کانت تحمل أسباب فشلها في داخلها ولم تنجح في تقديم مايريده‌ الانسان في‌ رحلة بحثهِ‌ عن أعتراف ألآخر بهِ‌.
فأبتکرت الأنسانية العديد من الأنظمة کالعشائرية والقبلية ومن بعدها الأنظمة الشمولية والدکتاتورية والثيوقراطية الى الأشتراکية…الخ.
وکل هذا يعتبر بمثابة مراحل وسلالم أعتلاها الفکر الأنساني لیصل اليوم الى القمة بفکرهِ الديمقراطي الليبرالي وبذلك يکون رحلتهِ ،مسارهُ والتأريخ عندهُ…قد وصلوا لنهايتهم.
ولکن الذي يهمنا من هذا المفهوم الجديد للتأريخ هو جانبهُ‌ المعياري لِنُحکمهُ في تقييم وأيجاد موقع الفکر السياسي العراقي في أطار هذهِ السلسلة المتماسکة مِن المراحل.
أن المفهوم التقليدي للتأريخ لربما يکون أهم لنا في‌ بداية تحليلنا ..نعود اليهِ‌ ونعيد عقارب ساعاتهِ‌ الى الوراء ونقف عند فترة حکم بني أمية للامبراطورية الاسلامية في المنطقة. وخاصة فترة ولایة الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق الذي کان يطلق عليهِ في حينه عراق البصرة وعراق الکوفة.
لم يکن للحجاج هذا… السبق، في تنقيط القرآن الکريم فحسب، بل کان لهُ‌ السبق في أکتشاف تأثير الترويع والخوف على نفسية العراقيين، کان لهُ السبق في اکتشاف الازدواجية المُلازمة للشخصية، لدى العراقیین وهذا يشبه‌ أزدواجية البدو-حضارية في الشخصية، التي تناولها الوردي فيما بعد بمزيد من البحث والتحليل العلميين.
کان للحجاج السبق في أکتشاف حالة الشقاق الفکري لديهم وهذا يشبه ماکتب عنهُ وعانى منهُ‌ فيصل الأول خلال فترة حکمه‌ِ في العراق.
کان للحجاج‌ السبق في معرفة درجة قبول الفردية والشمولية في‌ الحکم لدى تلکم الشعوب فنادى أن الخليفة هو خليفة اللة من خرج عن آمره فقد کفرواستحق القتل.
استخدم الحجاج فلسفته‌ واکتشافاته‌ خلال فترة حکمه‌ فنجح في أن يحکم أحد أصعب الولايات آنذاك.
لقد أستخدم الترويع لیوازن اطراف الشقاق الفکري وأستخدم القمع والقتل ليوازن أطراف الصراع السياسي.
فنجح بهذ‌‌‌ه التعويذات الشيطانية أن يوصل الناس الى حالة من الماسوشية الفکرية بحيث أصبحوا يحنوا لظالمهم ويعيدوا أستخدام فلسفتهِ‌ وأفکارهِ‌ وأسلوبهِ‌ لسنین أخرى طويلة خلت من بعدهِ.
أن المرحلة السياسية التي عاشها العراق تحت حکم الحجاج يمکن أتخاذها کآخر مرحلة تطورية وصل اليها ذلك الفکر مذ ذلك الحین.
فبعد هذه الاکتشافات المهمة لم تأتي أکتشافات أخرى نوعية وجديدة تحل محلها، فأستخدمت معظم الأنظمة السياسية التي حکمت العراق تقريبا نفس الفلسفة أو دارت في نفس الفلك ومن أراد التغير کان مصیرهُ الفشل أوالقتل أو حتى السحل أوکلهم مع بعضهم.
فکأن التـأریخ التطوري قد توقف او تباطئ بشکل کبير عند هذهِ المرحلة، وبات تغیر الأمبراطوريات والمملکات والحکومات التي حکمت العراق ليس بتغيير جوهري ولم يجلب بالجديد وکانت مجرد أمثلة حجاجية تـُـحّکِمْ قبضتها على مرکز القرار بنفس الفلسفة تقريبا.
وأمام هذا الحدث الجلل أنفتحت قريحة المراقب ليؤلف .. “حکايات بغداد في قبضة الف حجاج وحجاج”.

الجغرافية..تأثیرهُ وحدودهُ‌‌.

الميزوپوتاميا….کنز الخصوبة الزراعية والمائية والنفطية.
وواحدة من قبلات الانسانية في مرحلة تطوره‌ نحو التحضر.
وکانت ساحة لصراع الامبراطوريات.
الميزوپوتاميا…
أفرزت وأورثت التسنن والتشيع وحولتهما لأیدولوجيتين فکريتين سياسيتين بعد حصرها بين کماشة الصفوية والعثمانية.
أفرزت وأورثت الطائفية والقومية وحولتهما لمرضين مزمنين بعد حصرها بين کماشة الساسانية والعثمانية و العروبية الاسلامية.
وجمعت جراعتها في……‌ ” بودقة العراق”.
فأضافت للشقاق الفکري والصراع السياسي ناراً على حطب.
کان للجوار الأقليمي الدور الأکبر في معظم أن لم نقل في کل الأحداث السياسية في العراق سابقا وحالياً.
لابل أن الجوار الأقليمي لايجد حرجا في الحديث عن حقوق تأريخية تربطهُ‌ بهذا البلد.
وبالتالي حُصِّرَ ت الأمور في العراق دائماً في خانة أنعکاس مصالح الجوار هذه‌ِ وأن هي تضاربت في أحيانا کثيرة مع بعضها.
لم يمر تأثير الجغرافية السياسية على المراقب مرور الکرام فکتب عنها وألف…
“بین شهريار الساساني وحجاج الطائفي …بغداد تتأرجح”.
ليرسم بذلك….. لوحة رمزية لصراع الأمبراطوريات على بغداد. فشهريار تلك الشخصية القصصية التراثية، ذو الأصول الساسانية يشير الى عمق توغل تلك الأصول في فکر الناس في العراق وأثار ذلك التراث عليهم، ويرمز أيضا الى السلوك المزاجي، وحجاج ذو الأصول الطائفية، يرمز الى قيم العروبة والصحراء والسلوك القاسي.
أن السلوکيات هذه‌ تجد تأثيراتها لحد الأن تسيطر بشکل وأخر على العراقيين وسنعود لذکره‌ لاحقاً.

السياسة الدولية..تأثيرهُ وأرادتهُ‌‌‌.

بعد الحرب العالمية الأولى تدخلت القوى الدولية في اللعبة السياسية في العراق بل بالأحرى القول أنهم هم من أوجد عراق اليوم.
أن الأسباب التي دفعتهم لهذا کثيره‌ وليست موضوع المقالة هذهِ ولکن السلوك الذي استخدموه‌ُ في الماضي والحاضر القريب لم يکن مختلفا عن ماعرفهُ‌ العراقيين من فکر سياسي وأنظمة حکم.
لربما کان تولي عرش العراق من قبل حجازي هو أحد مؤشراته‌ الواضحة.
الأهتمام الدولي تعاظم بعد أکتشاف أحد مصادر الطاقة الحيوية في العراق والتي تحتاج الى قوة تحميه‌ِ‌ وتؤمن تدفقهُ‌ بصوره‌ مستمرة للأسواق العالمية.
قوة يمکنها أن توازن کل هذهِ الصراعات والخلافات .
فلم يبتکروا أکثر مما أبتکرهُ‌ الحجاج والدکتاتورية التقليدية في کل زمان ومکان.

البعث بروزه‌ُ وسقوطه‌ُ وعودتهُ‌.

أجتمعت عوامل عدة مکنت البعث من الظهور والحکم والأستمرار. فالأرث التأريخيي کان موجودا ومجربا.
والصراع الأقليمي کان مازال موجودا تدعم هذا على حساب ذاك، والعامل الدولي کان ملهوفاً متحمساً متسرعاً لتأمین مصالحهِ‌ الأستراتيجية.
لايختلف أثنان على شمولية الفکر البعثي، ولايعجز المرء في تحديد الملامح العامة التي زينت فترة حکم البعث هذه الملامح والمبادئ کانت مستمدة من مبادئ الدکتاتورية التقليدية کما ابتکرتها الأنسانية في يوم من الأيام.
کالفردية والشمولية والمرکزية الشديدة في صنع القرار، کذلك الأستخدام المتعسف والوحشي للقوة والسلطة الى أدلجة الأقتصاد والمجتمع والأعلام والثقافة العامة بأيدولوجية الحزب.
نعم أن الفکر البعثي جاء منسوجا بآلية دکتاتورية تقليدية ولکن خيوط هذا النسیج أسُتخلص من ثقافة وبيئة عراقية وعربية خالصة.
ألأرث التأريخي رّسّب في فکر العامة :
سلوکية التقلب کوجه للمزاجية والأزدواجية ،
وسلوکية المؤامرة کوجه‌ لحالة الرعب وعدم الثقة ،
وسلوکية الفرهود کوجه‌ لثقافة الغزو والغنيمة،
وسلوکية الحنين وحب الظالم والدکتاتورية کعارض لمرض الماسوشية الفکرية،
وسلوکية القتل کوجه‌ للقساوة‌.
نعم نجح البعث في أن يقرء کل هذا ویطرز به‌ِ نسیجهُ الأداري والسياسي طوال کل فترة حکمهِ‌.
وجائت المصالح الدولية والأقليمية متوافقه‌ مع نجاح البعث في تأمين مصالحها.
ولکن عملية تحرير العراق في 2003 کانت بمثابة الثورة ضد کل هذا.
فهو دعا لأجتثاث البعث وتغير الفکر السياسي العراقي وحل قوه‌ البعث العسکرية والأمنية في قرار جرئ وطموح ومتفائل جداً لأدارة‌ بوش ،التي کانت تؤمن الى حد کبير بفلسفه‌ فوکوياما في ضرورة سيادة‌ الفلسفه‌ الليبرالية الديمقراطية في العالم.
وکان الخطأ الجوهري هو في تجاهل الرکود الفکري الذي ساد المنطقة والعراق طوال کل هذهِ‌ السنين ويبدو أن هذا الرکود والمستنقع من العمق بحيث لايحرکه‌ أي حجر ولو کان بثقل الولايات المتحدة‌ نفسها.
براغماتية الولايات المتحدة وأنشغالها بملفات أخرى داخلية وخارجية دعتها لئن تلجأ ولو بصورة مرحلية للحجاج وفلسفته‌.
فلم تکن تغير رأس النظام کافیاً …دون تغير الفکر السياسي نفسهِ‌.
ومازال ذلك المنطق الحجاجي بوجه‌ِ البعثي يطغي على فلسفة الکثيرين .
وهناك أمثلة کثيرة.
فلربما ورد لأسماع الکثيرين أن صدام کان عادلا في توزيع الظلم على العراقيين جميعا ولکن مع هذا تجد الکثيرين لحد الأن يعتبرونه‌ شهيد الأمة….!
والأصوات الأخرى التي تتفن في شتم صدام والبعث ونظامه‌ الدکتاتوري ولکنها تبدي في نفس الوقت حنين للدولة المرکزية وحنين لهيبة وسلطة العسکر ويُوسمونهم بميدالية ” الوطنية” ويبکون على أطلال جيش ٍ تفنن في هزائم خارجية وجرائم داخلية…!
أصوات تنتقد شوفینية وقومجية وعنصرية الأنظمة العروبية لربما بسبب خلاف مذهبي معهم ولکنهم يدافعون في نفس الوقت عن سياسة صدام في التعريب والتطهير العرقي في کرکوك.
وهکذا دواليك…
ولکن الفکر هذا الذي يشخص مرضهُ‌ ويحن لأعراضهِ‌ ومسبباتهِ‌، هذا الفکر الذي يکره‌ الظالم والدکتاتور ويحن لآلیاتهِ‌ وأحکامهِ‌ ويتحلى بشخصيته‌ وسلوکهِ‌ ….لهو فکرٌ مريض وعليل بداء الماسوشية الفکرية.
وسلوکية المزاجية والانقلاب والتآمر لهُ‌ عرض آخر فهو يدفع الأنسان الى أبتکار البُدع.
وأيضا الأمثلة کثيرة…
فتتعالى الصيحات الهيستيرية دائماً في العراق تتغنى ب”الوطنية العراقية” وتذکرنا بتصنيف صدام للناس بين ” عراقي شريف” وعراقي غير شريف”…!
وليست المشکلة في ضوضاء الصياح ولکن المشکلة في حيرتك وضياعك عندما تريد أن تبحث عن معناً مُحدد لکلمة ” الوطنية” اوکلمة ” الشرف” في العراق لکي تتحلى بهِ‌ وتنجو بجلدك…!
نعم ضياع لأنهُ‌ حين يکون للسلفية الحزبية والقومية الحزبية والطائفية الحزبية کلٌ له‌ُ تفسيرهُ‌ وتقدیرهُ‌ وقياساتهُ‌ ومعيارهُ‌ للوطنية ُوالشرفْ هذا
وکلٌ يُناقض الآخر نکاية ًبالآخر أو تضارباَ في مصالح أسيادهم خارج الحدود فأنك تضيع…!
لابل أن المستقلين وفنتازيوا ” الأمة العراقية” وبقايا المارکسية ومدعو الليبرالية مازالوا يتشدقون بهکذا شعارات والعبارات المطاطية والهلامية وينزلوه‌ سيفا بتاراً على رِقاب کل من يخالفهم…!
لاتزال الأفکار تجتهد دون قيد أو صلاحية أو سلطة او حتى في مرات کثيرة دون عقل فتفسر الوطنية والشرف کما تريد وکما تبتدع…!‌
ويقال للشئ بُدعة لأنه‌ خارج المألوف والمتفق عليهِ… ولايجد المرء مايجمع العراقيين رسمياً غير الدستور ولايجد المرء مايستخف بهِ‌ العراقيين بـِبدعهم هذا وخروجهم عنهُ أکثر من الدستور نفسه‌…!
لاتزال الأفکار تتخبط في عالم من اللامسؤلية واللاعقلانية في حرية فوضوية بدون مرجعية فتفسر حسب المزاجيات وتحکم حسب الأهواء والأنانيات ، لأنها ورثت من البعث الأنقلاب وعدم الألتزام..!
مازالت الفلسفة السياسية هي هي من أول حجاج الى آخر حجاج…!
لاتعرف سبيلا لعلاقة المواطن بالدولة الا في حدود بدعه‌ الشخصية عن الوطنية…!
لازال کل هذا يقف أمام حقيقة أن العلاقة هي في اطار المقنن والمحکوم بالمنطق العلاقة التي تؤمن المصلحة والمشارکة العلاقة التي ترسم في بنود الدستور…ليس ألا..!
والاخلاق والشرف تتحدد حدودهِ‌ بین الألتزام والأحترام..بالکلمة والأتفاق والقانون والدستور وقبل هذا وذاك الألتزام والاحترام للأنسان والأنسانية…!
نعم أبتداع البُدع والأبداع فيه‌ …هو جوهر الأنقلاب والمزاجية وعدم الألتزام.
لاتقف الأمثلة عند هذا الحد…فأزمة کرکوك کانت أيضا فرصة ذهبية لأعادة قراءة الفکر العراقي السياسي وتقيمييه‌ وأکتشاف مدى تطوره‌ِ بعد خمسة سنين من سقوط صدام.
فلو وفق المرء في جمع کل ماکتب، وصرح بهِ‌، کحلول وآراء “لحل” قضية کرکوك لتمکن من طبع مجلدات..
مجلدات رائعة وجميلة تتکلم في کل شئ عدا الدستور…
أراء تجهد نفسها في سرد تأريخ وأحداث ومواعظ في الأخوة والوطنية والتعايش السلمي…ولکنها لاتعرف سبيلا لآليات الدستور ولا تذکر الدستور ولاتشير حتى الى الدستور…!
فن أبتداع البدع يُحررك من کل ألتزام ويخولك ويدفعك دائماً للأنقلاب حتى على نفسك…!
وهو درس من دروس البعثية…
أبتدع رواد البعث من أمثال عفلق وصدام تحف ودرر أبداعية في‌ هذا المجال..فهم أول ماأنقلبوا عليهِ کانوا رفاقهم في الحزب…!
أنهُ‌ أرثٌ ثقافي هائل تتوارث من جيل الى جيل…
أنهُ‌ فلسفة وترکة ملعونة ومسکونة…تتناسخ فیهِ‌ روح صدام وترکب کل من یرثهُ‌ من بعدهِ‌…
أن البيئة الفکرية والأرضية السياسية والمحيط الاقليمي والسياسة الدولية، کانوا السبب في بروز البعث ووصول البعث وحتى عودتهِ‌ اليوم للحکم….في جمهورية البدع هذهِ‌.
فکان البعث دائماً الغائب الحاضر بعد 2003 واليوم هوالحاضر الحاضر..

نعم عاد البعث ليؤسس أمبراطوريتهُ هذهِ المرة من قرَتبة الى بغداد…
عاد البعث في هلاهل جنود العراق الجدد عندما دخلوا قره‌ تبه وبارکوا صمود مدرستهم الفکرية….ورددوا عقيدتهم العسکرية …هلهولة للبعث الصامد.
‌‌عاد البعث بنجماتهِ‌ الثلاث يزين صدر السلام الجمهوري في باحه‌ رئاسه‌ الوزراء ووزارة الداخلية والدفاع…
‌‌عاد البعث بنجماتهِ‌ الثلاث يزین صدر السلام الجمهوري على جواز سفر کل عراقي…
‌‌عاد البعث مرتدیاً بزتهُ‌ العسکرية وحاملاً رتبهُ‌ المخابراتية لحضن أحد عشر لجنة شکلها المالکي لهذا الغرض…
‌‌عاد البعث ليجلس في البرلمان ويبني التحالفات ويصدر القرارات ويحصل على الاغلبية…
‌‌عاد البعث ليجلس على مقاعد القضاء، کرسي الداخلية، وأهم المناصب الأمنية….
عاد البعث کأشخاص وکوادروکحزب….وقبل هذا وذاك کفکر للعراق.
‌‌عاد البعث فکراً..لامبالي، يرمي الپترودولار العراقي في بطون أسواق السلاح..
ليشتري بالضبط مايحتاجهُ‌ الشعب العراقي….طائرات الإف ستة عشر…!
وکأن العراق يمکنهُ‌ في غضون أسابيع أن يغير معادلات شرق أوسط العسکرية ويعید توازن القوة لصالحهِ متخطيا بسرعة سوبرمان قوة أسرائیل وأيران وترکيا…
وأذا کان هذا مستحیل أذاً لـِما الطائرات اليوم…
لتهديد الکورد مثلا.ً..”العصاة” لدولة العراق العظيمة…!
لتصفية الخصوم السياسين مثلا ً کما حدث في مدينة الصدر..!
وهمٌ آخر..
يزعم أن فشل الميك والسيخوي والميراج في حل القضية الکردية کان لربما بسبب خلل فني في تلك الطائرات وأن شراء المتطورة منها ممکن أن تحل الأمور وتعيد الأمان بقوه‌ الطائرات…!
أو لربما الطائرات هذهِ سوف ترمي بترياق النجاة لضحايا سُم الکولیرا في الجنوب والشمال..بعد أن نشرتهُ‌ الحکومة في عام الأعمار 2008. بمشاريعهِ‌ الوهمية…!
او ترمي بالذکريات والمُمتلکات على‌ الأربعة ملايين مُهجر…من العراقيين في أصقاع الأرض..!
أم أن مُحرکات الإف ستة عشر النفاثة من القوة بمکان بحيث يمکنها أن تعوض کل ضجيج المولدات وتعيد الکهرباء..!
بلدٌ ينخر فيهِ المرض ويتساقط الناس فيه‌ کأحجار الدومینو أمام الجلطات والسرطانيات والکوليرا…
بلدٌ ينخر فيهِ‌ الفقر فباع فية الأنسان حتى أعضائه‌ِ البشریةِ…
بلدٌ ينخر فيهِ العوز ويحلم فيهِ‌ الأنسان بساعة کهرباء..
بلدٌ يشهد کل هذا ولايآبه‌ ويريد أن يشتري بمليارات …طائرات..!
ترى کيف يفکر من يحکم هذا البلد..؟
ومن کان بهذا الدرجة من اللامبالاة‌….سوى البعث..؟

لقد عاد البعث للعراق ليُهدد الکورد بالويل والأنتقام….
وعاد البعث لينقلب على الدستوروالتعددية والتشارکية وفصل السلطات ويبني لنا المرکزية والشمولية
عاد البعث الى جمهورية البُدعْ…والمؤامرات ..والخدعْ.