الرئيسية » مقالات » أشباه المثقفين وزمن الفن الرديء

أشباه المثقفين وزمن الفن الرديء

مات أحمد زكي الفنان العظيم ، ومات نجيب محفوظ الكاتب الاستثنائي والكاتب العالمي صاحب جائزة نوبل للآداب ، ومات نقولا زيادة المؤرخ الكبير وصاحب الموسوعة التاريخية في العالم العربي ، ومات فؤاد المهندس الكوميدي العربي الذي لا يخرج عن النص أبدا ، وعاش أشباه الممثلين والفنانين مع بعض الاستثناء ، وعاش أشباه الكتاب والمفكرين مع قليل من الاستثناء أيضا ، وعاش المؤرخون وأشباههم ، مؤرخو البلاطات والأنظمة الاستبدادية مع بعض الاستثناء كذلك ، وما بقي في عالمنا العربي من يضحكنا سوى بعض الممثلين الذين إن اقتحمنا صفحات حياتهم وجدناها أكثر سوادا وبكائية ، فعن أي كوميديا يتحدثون ؟
ما من أمة فقدت مثل هؤلاء الأهرام إلا وصار مصيرها الضياع فنيا وتأريخيا وروائيا وأدبيا وثقافيا ..وما من أمة فقدت أعظم ما عندها من الرجال والكبار ، وأنقى ما فيها من أشخاص إلا وصارت كغثاء السيل .
هذه الحقيقة يتجاهلها السواد الأعظم منا ، ليس لأننا لا ندرك هذه الحقيقة ،ولكن لأن البعض منا مازال متكبرا ثقافيا ، ويظن نفسه كأنه مثل هؤلاء الراحلين أو أفضل منهم ، ولكن ذلك بعده . ففي زمن هؤلاء كان في مستطاع هذه الأمة أن تفتخر بأنها تضم بين رجالها من هم فوق الشبهات ،ومن هم في مرتبة العالمية والكونية ،ومن هم يعطون لها قيمة بين باقي الأمم لتفتخر بهم في كل الأماكن وفي كل الأزمان . ولكن المنية غيبت هذه الحقيقة إلى الأبد في انتظار من يعوضهم ، ويكفينا شر هيفاء ونانسي وفيفي عبده …وغيرهن من فناني وفنانات الزمن الرديء .
ولأننا نكثر الصراخ والضجيج ونغلب البهرجة في حياتنا وثقافتنا ، فقد أصبح يظهر بين ظهرانينا كل ثانية فنان ، حتى صرنا نتقدم العالم في عدد الفنانين وصار لكل مواطن عربي ألف فنان . ولأننا نهمل الغث والسمين من ثقافتنا وآدابنا فقد أصبح لدينا ملايين الكتاب والأدباء لا يبدعون ولا يكتبون سوى ما يريدون أن يكتبوه هم وما يحبون أن ينشر لهم لا ما يريده القراء والمرحلة التاريخية التي نعيشها ، فصارت الثقافة عندنا مثل الهواء لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ، اللهم رائحة الفقر الإبداعي . ولأننا أيضا لا نحترم تاريخنا ولا نريده أن يفضحنا ويفضح عوراتنا الثقافية وتدهورنا وتخلفنا الفكري والاقتصادي والعلمي والعسكري ، فإننا ننجب مؤرخين لا هم لهم سوى تجميل الصورة التاريخية للعرب والمسلمين ، وسرد المنجزات والعبقرية العربية التي اخترعت الصفر فصارت صفرا ، واخترعت الإسطرلاب فنسيت كيف تستفيد منه ، واكتشفت الدورة الدموية فصارت هي بدورها دورة فارغة في حياتها ولم تمنحها دماء جديدة للخلق والإبداع ، واكتشفت …واكتشفت….، وليتها لم تكتشف شيئا لقلنا أمة عاشت متخلفة وماتت متخلفة غير مأسوف عليها .
فهل يمكن تصور أمة بهذه المرارة ؟ لا أبدا ، فلذلك قلنا في البداية أن هذه الأمة مازالت تتمخض لتلد فئرانا كثيرة ، ولكنها بالمقابل تلد رجالا عظاما ونساء عظيمات رغم قلتهم فإنهم مازالوا يمنحونها الثقة في الاعتداد بنفسها أمام باقي الأمم الأرضية . وسيكون من

المجحف حقا في حق هذه الأمة أن لا تضم بين ظهرانيها من يمنحها هذه الثقة فسيوف النقد والحقد مسلطة عليها منذ بداية التاريخ ، تكيل لها الضربات تلو الضربات ، ولكن الطامة الكبرى هي انضمام البعض من أبنائها إلى أعدائها لقتلها ودحرها من الوجود باسم العديد من العناوين الكاذبة كاللبرالية والحرية المفرطة والتطرف الديني …
إننا نعيش هذه الأيام حمى ظهور طوابير من أشباه الفنانين وأشباه المثقفين الذين يغرقوننا بتفاهات وإبداعات أكثر ما يقال عنها أنها مهزلة فنية وثقافية بامتياز ، فصارت الثقافة العربية مثل ماخور تلجه كل الفئات من متشردين وفلاحين وأميين ومتعلمين ومتعالمين ….يجتمعون على إنتاج الترهات والنكات والروايات المقرفة والقصيدة المخرفة ، وصار على القراء أن يحتملوا رغما عنهم هذه الإبداعات لأنهم لا يجدون لها بديلا . فالعظيم من الإبداع والفن ثمنه غال جدا وصعب الحصول عليه ، ولذلك نجد الكل عندنا يجتهد لتسويق هذه البضاعة عوضا عن البضاعة الجيدة ، ففي التفاهة يجد التافهون ذاتهم وملاذهم…
ملاحظة هامة : أين يمكن لنا تصنيف كلام هذه الأغنية الهبابية على لسان فنان من الزمن الرديء وهو فنان مصري شاب من البلد التي ادعت لعقود تزعمها للحركة الثقافية العربية والآن تترك الحرية لمثل هذه الترهات لتمر دون رقيب ولا حسيب ، يقول صاحب الأغنية العظيمة :
– بحبك يا حمار” ،
– وبقولك يا حمار ،
– أنا بازعل لما حد
– بيندهلك يا حمار …”
ولله في خلقه شؤون …!!!؟

كاتب وشاعر