الرئيسية » مقالات » مسئولية السيد طارق الهاشمي عن جريمة لم يرتكبها..؛؛

مسئولية السيد طارق الهاشمي عن جريمة لم يرتكبها..؛؛

كان السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية ، قد رشح ابن أخته ( وفق مبدأ المحاصصة السائد في العراق ) ممثلا عن الحزب الإسلامي إلى منصب وزير الثقافة في حكومة المالكي في بداية تشكيلها قبل أكثر من عامين . وظهر فما بعد أن الوزير المعين حينها قد اتهم بالتورط في جرائم قتل ، اختفى على أثرها عن الأنظار ، وهو ألآن طريد العدالة. وبذلك يكون السيد طارق الهاشمي ، قد أوقع نفسه في موقف لا يحسد عليه ، ولا أعرف كيف أمكنه تقبل هذا الحدث الجلل ، ولم يتخلى عن منصبه الرسمي ، إنقاذا لسمعته وتاريخه السياسي وحزبه الذي أصيب بطعنة مميتة. وكنتيجة منطقية لسوء تقديره في ذلك الاختيار الذي يتحمل هو مسئوليته ، فأن مصداقيته أصبحت موضع الشك والمسائلة. فالسؤال المطروح حاليا ، هل تحلى السيد طارق الهاشمي بالمسئولية الوطنية والأخلاقية ، عندما رشح شخصا ، يفترض أنه أهلا لتلك الوظيفة المسئولة عن قطاع مهم كالثقافة في العراق. وليس من ساذج في هذا البلد ، او في غيره من البلدان ، يمكن أن يعفيه من مسئولية خطأ اختيار شخص لمنصب ، ليس فقط ، لم يمتلك الأهلية لشغله ، بل لأنه أبعد ما يكون عن الثقافة والمثقفين. وكان على حضرته أن يعرف باعتباره رجل دولة ، أن الحكومات في العالم ، تختار لمنصب وزير الثقافة أكثر المتميزين علما ومعرفة وثقافة ، فيما أخرى تختار لها أشهر الكتاب والحائزين على جوائز تقدير داخل البلد وخارجه ، ومن لهم باعا طويلا في التأليف والتدريس. فهل كان السيد الهاشمي مستوعبا لتلك الحقائق ، واهمية تلك الوظيفة للبلاد والمجتمع ، عندما أختار لها تلك النكرة ؟



واذا كانت الإجابة بنعم ، فكيف سمحت له مكانته كرجل دولة وسياسي من الطراز الأول ، أن يرتكب هذا الخطأ الفاضح؟

ولأن السيد الهاشمي يحتل إضافة لمنصبه الرسمي في الدولة ، موقع القيادة في الحزب الإسلامي العراقي ، كان لزاما عليه بناء على ذلك ، أن يختار أفضل شخصيات حزبه ممن يتوفر فيهم الوعي السياسي والمستوى الثقافي العالي المتميز ، والإلمام المعرفي بالتيارات الفكرية والأدبية والفلسفية والعلمية ، إضافة إلى سمو الأخلاق والتعفف. ولأن أبن الأخت لم يمثل شخصه ، بل الحزب الإسلامي الذي يتزعمه خاله ، فلابد أن يكون ملما بدينه وديانات شعبه ، وأن يكون ورعا يفهم بأصول الدين و يخاف ربه كأول التزام من مسلم . فأين السيد طارق الهاشمي من كل ذلك ؟.



أن المعلومات المنشورة عن ابن أخته ، وخلفيته التعليمية والأخلاقية وسجله السياسي ، لا يؤهله لوظيفة نادل في مطعم الأكلات السريعة ، فكيف له أن يحتل منصب وزير في حكومة غارقة حتى قمة راسها بمهمات سياسية خطيرة ، و تضم شخصيات سياسية ودينية وعلمية مؤثرة في الشأن السياسي العراقي، ولها في سجل طويل في العمل السياسي المعقد. إن جبهة التوافق التي تشكل الوعاء الذي يجمع الحزب الإسلامي العراقي وكتلة الحوار الوطني وكتلة أهل العراق ، هي الأخرى تتحمل مسئولية جماعية كبيرة عن ذلك الخطأ الجسيم. أن الفعل الذي تورط فيه الوزير الهارب ، قد ألحق ضررا فادحا بالجبهة و بسمعة الحكومة والدولة العراقية. وهذه ليست المرة الأولى التي تخيب فيها جبهة التوافق أمل ناخبيها ، بسبب ضعف الأداء و انعدام الحنكة السياسية ، وغياب الشعور بالمسئولية الوطنية ، منذ الانتخابات النيابية لحد اليوم.

فوقوف الجبهة خلف النائب الجنابي ، برغم افتضاح تورطه في أعمال مشينة ضد أبناء وطنه ، وانحيازه الصريح لمنظمة القاعدة الإرهابية ، يمثل لوثة في سجل جبهة التوافق ، يصعب الخلاص منها ، قبل أن تعتذر للشعب عن تصرفاته وتدينها. والأفظع من كل ذلك ، تورط رئيس جبهة التوافق نفسه ، في أنشطة إرهابية شنيعة ، كان بيته قاعدة ووكرا لها ، في حين كان أولاده وحراسه ، منفذون وقياديون لعمليات تهجير واغتيالات في أحياء بغداد المختلفة ، وبخاصة في حي العدل والجامعة. وما يزال القضاء لم يقتص بعد من المذنبين ، وعندما يحين الوقت لذلك ، سيكون الوقت متأخرا جدا ، لإبداء الأسف وقراءة الفاتحة على أرواح الضحايا.

والغريب أن الصحافة ووسائل الأعلام ، مرت مرورا عابرا على كل تلك الأحداث ، وتجاهلت ما ارتكبه وزير وعضو مجلس النواب ورئيس كتلة برلمانية كبيرة ، وكأن الأمر هفوة يمكن نسيانها. والأشد إحباطا في كل ما حصل ، هو الموقف الحكومي الباهت ذاته حينها ، فلم تستخدم أي صلاحية من صلاحيتها ، لإحكام السيطرة على منافذ هروب المتهمين ، لمنعهم من الإفلات من العدالة إلى خارج البلاد ، في حين كانت الفرصة سانحة ، لوضعهم تحت حراسة رجال الأمن ، لحين اكتمال الإجراءات القانونية بالقبض عليهم وتقديمهم للعدالة.

أن الخطأ الذي وقع به السيد طارق الهاشمي ، ربما يكون رسالة تذكير مهمة إلى رئيس الحكومة السيد المالكي ، ليقوم بإعادة النظر بمؤهلات وزرائه جميعا ، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والدينية والمذهبية والقومية. فقوة الحكومة وقدرتها على مواجهة التحديات ، تكمن في كفاءة وزرائها وبما يحملونه من مؤهلات علمية وتقنية وثقافية وسياسية وخبرات. ولا نتحدث عن النزاهة والإخلاص للشعب والوطن التي يعرف السيد رئيس الوزراء عنها الكثير. ولعله من الضروري التذكير هنا ، بالكتابات الكثيرة والشكاوى الهائلة عن وزارات بعينها ، التي لم تلقى صدى لا من المجلس النيابي ، ولا من مجلس الرئاسة ، ولا من رئاسة الحكومة التي كان لها أن تدرس تلك الشكاوى دون مداهنة او تساهل ، خدمة لمصالح الشعب الذي اختارهم لتلك المناصب.

أن الوزراء المعنيون موضوع الشكاوى الكثيرة ، ينتمون للإتلاف العراقي الموحد ، وللمجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة حصرا ، فما هي مبررات التغطية على سجلهم القاصر ، في حين تدفع تلك الأحزاب والحكومة معا ، ثمنا باهظا على سمعتها وسجلها السياسي والاقتصادي والأخلاقي وحتى قيمها الدينية.

علي ألأسدي / البصرة

10 / 09 / 2008