الرئيسية » مقالات » في ذكرى الرحيل الصامت .. اربعة اعوام كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة ..1- 2

في ذكرى الرحيل الصامت .. اربعة اعوام كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة ..1- 2


ستدوس اقدام الشعوب كخرقة
مهروءة من كان سوط بلاء
فيرون كيف تجيد في ابانها
صنع المعاجز جذوة البغضاء
سيرى عتاد الاجنبي بعينه
مرمى عقيدة امة عزلاء

ابراهيم كبة علم بارز من اعلام الفكر في العراق والوطن العربي ومربي أكاديمي تخرج من مدرسته المئات من حملة الأفكار الاشتراكية،ومناضل صلب في سبيل السلام والحرية والتقدم الاجتماعي.

سيرة حياة سيادة الدكتور ابراهيم كبة

1. تخرج من كلية الحقوق بدرجة الشرف الاولى عام 1940 – 1941 ..
2. تاريخ دخوله الخدمة لأول مرة:في 23/11/1941(مدقق في ضريبة الدخل العامة وبراتب 18 دينار شهريا)،وتاريخ استقالته: 11/7/1943.
3. حصل ابراهيم كبة على الشهادات التالية:شهادة دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي من جامعة القاهرة في 13/7/1946 استنادا الى كتاب الملحقية الثقافية في القاهرة المرقم 1134/6/3 في 22/7/1946،شهادة دبلوم الدراسات العليا في القانون العام من جامعة القاهرة بتاريخ 5/7/1947 استنادا الى كتاب الملحقية الثقافية في القاهرة اعلاه،شهادة دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي من جامعة مونبليه في 19/6/1951 استنادا الى الوثيقة المؤرخة في 16/6/1951،شهادة دبلوم الدراسات العليا في القانون العام من جامعة باريس/كلية الحقوق بتاريخ 22/11/1948 استنادا الى الوثيقة المؤرخة في الشهر الحادي عشر 1948″انظر:ملف الكتب الصادرة/كتاب مديرية الشؤون الثقافية العامة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي/الرقم 8962/التاريخ:1/7/1975″.
4. منذ عام 1947 اصبح ابراهيم كبة من اشد انصار الاشتراكية العلمية والاقتصاد الماركسي والمنهج المادي الجدلي في الموقف من الحياة وتقييم المدارس الفكرية جمعاء بما في ذلك انتاج الفكر العربي الاسلامي وخاصة انتاج ابن خلدون!…
5. ابراهيم كبة من رواد حركة انصارالسلم في العراق التي تأسست مطلع خمسينيات القرن العشرين..تأسست حركة انصارالسلم في العراق مطلع خمسينيات القرن العشرين وكانت باكورتها اللجنة التحضيرية لأنصار السلام تموز 1950،وقامت وزارة الداخلية عام 1951 بحظر نشاط جمعية انصار السلام واعتقلت محمد صالح بحر العلوم بحجة عدم اجازتها،وتشكلت لجنة السلم الوطنية عام 1953.عقدت حركة السلم مؤتمرها الوطني الاول في 22،23 /7/ 1954 في بغداد في دار احمد جعفر الجلبي ولتتعرض لملاحقة السلطات الملكية .
6. تاريخ دخوله الخدمة مرة ثانية:عين مدرسا في المعاهد العالية بتاريخ 28/4/1953 وبراتب 35 دينار شهريا،وتاريخ استقالته مرة اخرى:26/7/1953.
7. عمل في تحرير مجلة الثقافة الجديدة،منذ العدد التأسيسي عام 1953،والتي تحولت الى لسان حال المثقفين في العراق قبل ان تجهز عليها حكومة فاضل الجمالي بعد صدور ثلاثة اعداد منها فقط!
8. عين مدرسا في المعاهد العالية مرة اخرى:في 12/8/1953 وبراتب 40 دينار شهريا،واقصي من الخدمة:بتاريخ 23/9/1954.كان ابراهيم كبة على رأس قائمة المفصولين من الاساتذة و المعلمين والطلاب اثناء فترة التمهيد لحلف بغداد الاستعماري!
9. التحق بدورة الضباط الاحتياط للمفصولين السياسيين في بغداد شباط 1955.
10. ابراهيم كبة من نشطاء جبهة الاتحاد الوطني 1957 وانيطت به شرف تحرير البيان الاول للجبهة..
11. استوزر في حكومة عبد الكريم قاسم تموز 1958 ليشغل حقيبة التجارة،وفي العام الثاني للثورة لحقيبة الاصلاح الزراعي،كما استوزر وكالة ليشغل حقيبة النفط الى جانب الحقائب الوزارية الاساسية.تاريخ استقالته:2/2/1960،تم اعفاءه من الحكم في 16/2/1960.ابراهيم كبة مهندس السياسة الاقتصادية للجمهورية العراقية الفتية بعيد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة.
12. عين استاذا في كلية الاقتصاد/جامعة بغداد في الربع الثاني من عام 1960،وتمت ترقيته من مدرس الى استاذ مساعد بتاريخ 1/1/1962.
13. اعتقلته كتائب الحرس القومي وعصابات انقلابيي شباط الاسود في 13/2/1963 في دار الشهيد محمد الجلبي.وسيظل شعبنا يتذكر باكبار وقفته الشامخة في الدفاع عن ثورة 14 تموز ومكاسبها في محاكم الجلادين.
14. جاء في”كتاب لرئاسة جامعة بغداد مؤرخ في 15/3/1964″:”بحث المجلس في قضايا المعزولين والمفصولين من اعضاء الهيئة التدريسية والموظفين في الجامعة،وبعد مناقشة موضوعهم تقرر مايأتي:اعادة المعزولين والمفصولين من الخدمة بقرار من مجلس الجامعة،ويستثنى من ذلك:- اولا – المشهورون باساءتهم للسلوك الجامعي وهم:-
1. صلاح خالص
2. يوسف عبود
3. عبد الكريم الخضيري
4. روز خدوري
5. ابراهيم كبة
6. عبد الجبار رمو
7. مهدي مرتضى
8. مهدي الغروي
9. اسماعيل مرزة
10. طه الشيخ يونس
11. ليون جورج يونان
12. سعاد محمد
ثانيا – الاعضاء في الحزب الشيوعي وهم : ……..”
15. اطلق سراح ابراهيم كبة عام 1965 في عفو رئاسي ليقاوم محاولات تقزيمه في عهد عبد السلام عارف،وآثر تدريس طلبة الاعدادية الشرقية للبنين قبل معاودته التدريس الجامعي في مادة الاقتصاد السياسي – تاريخ الفكر الاقتصادي في جامعتي بغداد والمستنصرية.ابراهيم كبة استاذ جامعي عرفته جامعات بغداد،بعد خروجه من سجون العهد البعثي والعارفي،وبحضوره المؤثر وسيطرته الكاملة سواء في التدريس او الضبط!وامتلك مراسلاته الاكاديمية النقدية مع اساتذة الادب الاقتصادي الاكاديمي العالمي!تمت اعادة ابراهيم كبة الى الجامعة بداية العام الدراسي 1968(بناء على أعماله العلمية القيمة)كما يشير أمر اعادة التعيين،ورفض مجلس الجامعة ترقية كبة الى مرتبة الاستاذية بحجة عدم اكماله المدة القانونية مما حدا به الى رفع رسالته الشهيرة المعنونة”رسالة مفتوحة الى مجلس قيادة الثورة من الاستاذ إبراهيم كبة حول الترقية والعزل السياسي”.
16. احيل ابراهيم كبة على التقاعد عام 1977 ضمن مجموعة اساتذة حملة الفكر التقدمي.
17. توفى ابراهيم كبة الساعة التاسعة صباحا الثلاثاء 26/10/2004،وكانت فترة(1977- 2004) من اكثر الفترات ظلامية في تاريخه،حيث بقي في شيخوخته حبيس الضغوطات الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان،لكنه خلف لنا خزين من المؤلفات والترجمات عن الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية،والتي نشرت بعضها بأسماء مستعارة.

شذرات من الجهد الفكري للاستاذ ابراهيم كبة

اغنى الاستاذ ابراهيم كبة منذ اواسط الاربعينات ذاكرة ومكتبة الشعب العراقي الوطنية بالعشرات من المؤلفات والترجمات عن الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية .. والتي نشرت بعضها بأسماء مستعارة .. وبعد ثورة 14 تموز 1958 سجل تاريخ العراق الحديث له عشرات الخطب الارتجالية وهو يتولى حقيبتي وزارة التجارة ( الاقتصاد لاحقا ) ووزارة الاصلاح الزراعي .. كما تولى وكالة حقيبة وزارة النفط . وكان لابراهيم كبة عشرات الدراسات في المجلات العراقية والعربية..
يؤكد الاستاذ ابراهيم كبة في مقدمة كتابه الموسوم ” نظرة سريعة في تطور النظام الاقتصادي” الصادر عام 1953 ” ان الكتاب جاء لسد حاجة ملحة لطلبة الجامعات بسبب افتقارهم ، مع اساتذتهم ، للنظرية الاجتماعية العلمية التي تربط النظرية الاقتصادية بالواقع الاقتصادي وتؤكد حقيقة الصلة بين الاقتصاد والتاريخ وتكشف لهم المضمون السياسي لجميع النظريات الاجتماعية وتخلق فيهم ملكة النقد المستمر وروح البحث لا للتفسير فقط بل للتغيير ايضا… وان مضمون الكتاب من آراء وافكار هي من نتاج علماء اعلام وهبوا انفسهم لا للتضليل والتدجيل واضاعة الوقت عبثا لعرقلة حركة التاريخ بل للتنوير والتوجيه وكشف النقاب عن قوانين الضرورة الاجتماعية لأستخدامها في خدمة هذا الكائن الاعلى في الوجود : الانسان ، الذي بامكانه ان يكون دائما احسن مما كان .” وفي مكان آخر من الكتاب اكد الاستاذ كبة ( ص 126 – 128 ) :” الاقتصاد السياسي في حركة مستمرة اي ديناميكي وتاريخي معا وهو ليس مجرد دراسة نظرية بل هو دليل للعمل ، انه ليس مادة جامدة ملقاة على طاولة التشريح ، والذين يدرسونه ليسوا متفرجين خارجين عن المجتمع بل يستمدون حياتهم منه . … ان جميع النظريات الاقتصادية تعكس البنيان الطبقي الاجتماعي السائد في المجتمع وتعبر عن المصالح الاجتماعية وهي لا تبنى على افكار مفكر بل تعبر عن النشاط الفعلي للمنتجين…. وطبقية النظريات الاقتصادية شرط اساسي لموضوعيتها فالافكار الاقتصادية مرتبطة دائما بالنشاطات الاقتصادية … وليس هناك علم حيادي للاقتصاد اي خارج البناء السياسي اي لاطبقي .”
تطرق الاستاذ كبة الى موقف الفلسفة العلمية من الوجودية والازمة الشاملة للايديولوجيا الامبريالية في عرضه عام 1953 ” ازمة الفلسفة البورجوازية ” لمؤلفه جورج لوكاش .. وفي ” ازمة الفكر الاقتصادي ” لمؤلفه ” هنري دنيس ” والصادر عام 1953 اكد الاستاذ كبة ” في الايديولوجية الامبريالية لازمة العصر يختفي الكفاح الاجتماعي بين الطبقات والامم بعصا سحرية لتحل محله انواع اخرى ميتافيزيقية من الكفاح : مثلا الاخلاقي بين الشر والخير ، النفساني بين ارواح الحضارات ، الديني بين الالوهية والالحاد ، الثقافي بين البربرية والحرية .. لكنها تدرك ان عدوها الاول هي الجماهير فتحارب مثلها الديمقراطية والتقدمية باكاذيب وسخافات مبتذلة تعبر عن جوهر الارستقراطية الفكرية ..”
وفي كتابه ” الاقطاع في العراق ” الصادر في 1957 يؤكد الاستاذ كبة (ص 17) ” من الغريب ان يطمئن السيد نوري السعيد الرأي العام العراقي بقرب زوال النظام الاقطاعي العشائري عن طريق الارث وتقسيم الاقطاعيات الكبيرة على الابناء والاحفاد ، وقد تناسى فخامته ان قرونا سحيقة مضت على نظام الارث دون ان تنال من النظام المذكور وان الانظمة والتقاليد العشائرية تحتفظ بالملكيات الكبيرة للابناء الكبار فقط . ويعلم الرأي العام ان السبيل الوحيد للقضاء على هذا النظام الظالم هو تغيير العلاقات الاقطاعية نفسها بتمليك الارض لمنتجها والقضاء على الملكيات الاستغلالية الكبرى في الزراعة وتوزيع اراضي الدولة على الفلاحين واتباع نظام التعاونيات الزراعية… الخ. كل هذا مرتبط بالقضاء على الاستعمار وسحق الرجعية وانتصار الحركة الوطنية بمجموعها وتحقيق الاهداف الوطنية الكبرى .”
ويضع الاستاذ كبة النقاط على الحروف في مقدمة كتاب ” تشريح الكوسموبوليتية ” الصادر في 1960 ليؤكد ” لا تؤثر السياسة الارهابية الا على اناس ضعيفي الاعصاب ، وليس على الشعوب المسالمة المصممة على ترويض الوحوش الضارية من اكلة لحوم البشر . ان اثارة الضجة حول جبروت الاسلحة الذرية واسلحة الدمار الشامل الاخرى ، عكس ما يأمله منظموها ، لا تؤدي الا الى تشديد عزلة انصارها وافتضاحهم امام شعوب المعمورة … ان الآمال الطيشية الجنونية المعلقة على ادوات الافناء الجماعي للبشرية تمثل آخر نقاط الارتكاز لآيديولوجي الرأسمال ، نقاط ارتكاز تشهد على موتهم الادبي ، وجزعهم من السير التقدمي للتاريخ .”
استهدف الاستاذ كبة في ترجمته كتاب البروفيسور موريس كورنفورث ” البراغماتية والفلسفة العلمية ” الصادر في 1960 توضيح ان البراغماتية وعموم الفلسفة الوضعية تنكر صراحة اية قيم واخلاق انسانية تستند الى العقل والعلم . وان التأكيد البائس للعالم الرأسمالي على قيم المشروع الحر والمنافسة في سبيل اقصى الارباح ، القيم المتسترة بستار الحضارة الغربية هي انعكاس للانهيار الاخلاقي التام بسبب الازمات البنيوية المستمرة … ولا تستطيع البراغماتية الا قبول الاخلاق الرأسمالية على علاتها ووحشيتها وقسوتها واستبدادها .
الف ابراهيم كبة عدة مؤلفات عن القضية الجزائرية ركز فيها على النضال الوطني التحرري للشعب الجزائري وانه لا قومية دون جوهر انساني واممي ، وان ازدهارها مشروط بازدهار القوميات الاخرى وبتحرر الانسانية جمعاء !..
اواسط سبعينات القرن المنصرم اعتمدت المدرسة الحزبية في الحزب الشيوعي العراقي كتاب هيرمان شيلر ” الماركسية والحرب الامبريالية ” ضمن المنهاج المقرر لتدريس رفاق الحزب .. ويؤكد الاستاذ كبة في مقدمة هذا الكتاب الذي صدر عام 1960 على ان الحروب لا تشكل نقيضا لأسس الملكية الخاصة بل هي النتيجة المباشرة الحتمية لتطور تلك الاسس . وتمد الحروب جذورها في الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ، وهي ظاهرة طبيعية وحتمية في جميع المجتمعات المنطوية على التناقضات والقائمة على نظام الملكية الخاصة ! … انها ظاهرة طبيعية وحتمية لجميع الاشكال الاجتماعية للمجتمع الطبقي !..هي استمرار للسياسة بوسائل عنفية . الحرب العادلة تفرضها الطبقات الرجعية على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي وتخاض في سبيل تحرير الشعوب من الاستبداد الداخلي او الاحتلال والاضطهاد الاجنبي لتوكيد الحرية السياسية التي تنتزع ولا تهبط من السماء على طالبيها ! .. الحرب غير العادلة تتجسد في الارتدادات المتوقعة والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب او الشعوب ثمنها من دماءها الغالية وتتحمل اعباءها المادية الباهضة ! الحروب الامبريالية هي حروب غير عادلة ..
يؤكد الاستاذ كبة في مقدمة الكتاب الموسوم ” ماهي الامبريالية؟ ” الصادر في 1961 ” على الشغيلة ان تعلم ماهية الامبريالية لأن هذه المعرفة تخدمها في الكفاح من اجل السلم ضد شن حروب جديدة ، في الكفاح من اجل تحرير الطبقة العاملة وسائر الشغيلة من نير الامبريالية . وبدون دراسة الامبريالية ومعرفة جوهرها الحقيقي لا يمكن للمرء تحديد اسباب الحروب الحديثة وجوهر السياسة الجديدة للدول الرأسمالية . من دون دراسة الامبريالية وفهم مغزاها الاجتماعي والسياسي لا يمكن التقدم خطوة واحدة للامام في حل المهام العملية للحركة العمالية في البلدان الرأسمالية ، وفي حل مهام الثورات الوطنية التحررية .. فما هي الامبريالية ؟ ولماذا تكمن بالضبط في الامبريالية وليس في مكان آخر اسباب الحروب الحديثة والآلام الفظيعة والكوارث المريعة للبشرية ؟”
حول الاستاذ ابراهيم كبة محاكمته الى محاكمة للبعث والقومجية والرجعية وبرامجها الاقتصادية الانتقائية النفعية ليسحب البساط من تحت جهل وغباء وحماقة المدعي العام وما وجهه من اتهامات اعتباطية ، ودافع عن نفسه بنفسه في مرافعة كانت دراسة عن الاقتصاد العراقي في فترة ما بعد ثورة 14 تموز .. حول محاكمته ودفاعه الى دراسة علمية اقتصادية ذات قيمة عالية..نشرت في كتاب اقتصادي وفكري ثمين بعنوان “هذا هو طريق 14 تموز – دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة ” عام 1967 ..
كان الاستاذ ابراهيم كبة من الد اعداء الفكر الرجعي بتلاوينه وخزعبلاته دون الوطنية او العابرة لها .. وساهم في فضح الآراء والحنقبازيات الفكرية الروزخونية القومية والطائفية والتي كانت فاعلة في اجهاض ثورة 14 تموز 1958 المجيدة في وثيقة ” الفكـر الرجعـي في العـراق ” في 5/5/1967،مما جاء فيها “إن انبعاث الفكر الرجعي في العراق الآن،لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة ، بل هو يعود في الأساس إلى دوره القديم – الجديد كسلاح من أهم أسلحة الردة المستشرية في البلاد،والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة للحكم القاسمي ، وبلغت ذروتها عبر انقلابي شباط وتشرين،وذلك لاسباب موضوعية كثيرة أهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز، قيادة البورجوازية وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة لحركة الردة ، وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم ( الإقطاع،البورجوازية العقارية الكبيرة،البورجوازية الكومبرادورية) والوسط الرجعي الجديد ( البورجوازية الوسطى او الوطنية ) وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية.إن الردة الفكرية ، بقدر ما هي أداة من أدوات المعركة الاجتماعية ، تعكس بنفس الوقت هذه المعركة وتنطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية.”
أزمة الحكم في العراق أزمة مزمنة لازمت نظام الحكم فيه منذ تأسيس ما سمي بالحكم الوطني في العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، وقد تطورت هذه الازمة وتعقدت مع تطور وتعقد العلاقات الاجتماعية. إن ازمة الحكم بعد ثورة 14 تموز تعبير عن ازمة اعمق واشمل هي ازمة المجتمع العراقي بالذات . وقد قدم الاستاذ ابراهيم كبة مع الاساتذة مصطفى علي وعبد الوهاب محمود ومحمد سلمان حسن مذكرة تفصيلية بتاريخ أيلول /1966 للسيد ناجي طالب رئيس الوزراء حينذاك تضمنت تحليلا مركزا وحلولا ضرورية لأزمة الحكم هذه في مرحلتها الجديدة ، مرحلة بعد تموز ، بعد ان وضعتها في مكانها المناسب من ازمة النظام الاجتماعي الشاملة . واثر انقلاب 17- 30 تموز حاولت الطغمة البعثية منذ الايام الاولى للانقلاب ايجاد قنوات الاتصال بالاستاذ كبة ، فرد عليها بحنكته المعهودة وخبرته معهم في حملات التصفية التي اعقبت انقلاب 14 رمضان الاسود في مذكرة تحت عنوان “نصيحة للحكام الجدد – من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق”مؤرخة في 3/8/1968 … ومما جاء فيها”إن محاولة الحكم الحالي التصدي بمفرده لمشاكل البلاد الكبرى بمعزل عن القوى الأساسية في المجتمع ، كمسألة النفط او الإصلاح الزراعي …، تجاوز لصلاحياته من جهة واستحالة مادية بسبب عجزه من جهة أخرى ، إذ أن ذلك من صلاحية ومهمة حكومة الاتحاد التقدمي وحدها المنبثقة عن الانتخابات العامة. كما إن محاولة هذا الحكم الانفتاح الشكلي على القوى السياسية الأخرى واشراك بعض ممثليها في الحكم في هذه المرحلة المبكرة وقبل القيام بالمراحل التمهيدية وفي ظل الاحتكار السياسي القائم هي محاولة عقيمة بالمرة …، إذ أن تأليف الحكومة الائتلافية الحقة يأتي تتويجا لعملية التحول السياسي ولا يكون تدشيناً لها…” واكد كبة ” ان الآمال التي يعلقها بعض الأخوان الأكراد على أية حكومة غير ديمقراطية ومنها الحكومة الحالية لحل المسألة الكردية هي سراب خادع لا يضع المسألة المذكورة في موضعها من القضية السياسية والاجتماعية العامة”.
وفي”رسالة مفتوحة إلى مجلس قيادة الثورة من الاستاذ إبراهيم كبة – حول الترقية والعزل السياسي” بداية العام الدراسي 1968 اكد كبة “.. أبهذه الذهنية المسيطرة على بعضهم تريدون إصلاح التعليم العالي ، وهل أن في سياسة الحكومة فعلا اعتبار العزل السياسي عقبة تحول دون ترقية العلماء والأساتذة ؟ ولماذا سبق للجامعة أن قامت بترقية أساتذة آخرين بالرغم من عزلهم السياسي ؟ إنني لعلى يقين بأن رسالتي هذه لن تذهب هباء وأن المجلس المحترم سوف يبادر لتصحيح الأوضاع في الجامعة بما ينسجم مع السياسة العامة في تعزيز الفكر العلمي فيضع حدا لتقاليد كنة والجمالي سيئة الصيت ، ويقضي على عقدة مستعصية هي عقدة مقاومة الاشتراكية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض أصحابها إلى الإهانة المعنوية والإيذاء المادي “.
يؤكد الاستاذ كبة في مقدمة كتاب ” الرأسمالية نظاما ” لمؤلفه اوليفر كوكس والصادر عام 1973 (ص 9 – 23 ) على دور العوامل المادية والفكرية التي ساعدت في تطور النظام الرأسمالي ، واهمية الربط الوثيق بين الاقتصاد الرأسمالي ومختلف عناصر التربة الاجتماعية ” الرحم الاجتماعي ” التي ولد وترعرع فيها النظام، والنظرة الطبيعية العضوية لولادة ونمو ونضوج وشيخوخة الرأسمالية ، والنقد العنيف الصائب للمدارس الفكرية التبريرية في الفكر البورجوازي الرجعي وخاصة الفكر الليبرالي والتكنولوجي ، والادانة القاطعة لجوهر العنف الملازم للرأسمالية في ماضيها وحاضرها… يقول كبة في عرضه الحاح كوكس المشروع على التفاعل المستمر بين التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي : ” تلك عظة كبرى حبذا لو اتعظ بها اليمين الرجعي المسيطر على المراكز الحساسة في الاقتصاد الجامعي العراقي “… ويلقي الاستاذ كبة الضوء على دور الدين والمذاهب الدينية الاصلاحية في تطور النظام الرأسمالي مع النقد اللاذع للتفسيرات الدينية المتعددة لنشأة الرأسمالية … يذكر ان الاستاذ في جامعة لنكولن ميسوري (اوليفر كوكس) هو مؤلف الكتاب الموسوم ( الطائفة المغلقة والطبقة والعنصر ) الحائز على اعلى الجوائز التقديرية العلمية في امريكا عام 1948 ، وهو كتاب حبذا لو اتعظت بها الطائفية السياسية المسيطرة على المراكز الحساسة في العملية السياسية العراقية اليوم .
يركز الاستاذ ابراهيم كبة في مقدمة كتاب روزنتال الموسوم ” مشاكل الجدل في رأس المال لماركس ” الصادر على نفقة جامعة بغداد عام 1979 على ان الجدل المادي باعتباره علم القوانين الاكثر عمومية لتطور الطبيعة والمجتمع هو في نفس الوقت منطق اي نظرية لمعرفة قوانين الفكر. ونجح كارل ماركس في الرأسمال بتطبيق الجدل على المعرفة وحل اعقد معضلات نظرية المعرفة التي بقيت حجر عثرة امام جميع المفكرين السابقين ، من قبيل العلاقة بين الجوهر والظاهرة ، بين التاريخي والمنطقي ، بين التحليل والتركيب ، بين الاستقراء والاستنتاج ، بين المجرد والمحدد … الخ.
من اصدارات الاستاذ كبة الكتب التالية :
1. وجهة القومية الحديثة – 1941 .
2. روح العصر – 1945 .
3. تطور النظام الاقتصادي – 1953 .
4. المفاهيم الاساسية للاقتصاد العلمي – 1953 .
5. نظرية التجارة الدولية – 1953 .
6. أزمة الفكر الأقتصادي – 1953 .
7. أزمة الفلسفة البورجوازية – 1953 .
8. معنى الحرية – 1954 .
9. تشريح المكارثية – 1954 .
10. المذهب السوفياتي في القانون الدولي – 1956 .
11. أضواء على القضية الجزائرية – 1956 .
12. أزمة الاستعمار الفرنسي – 1956 .
13. النفط والازمة العالمية – 1956 .
14. الاقطاع في العراق – 1957 .
15. العراق والوحدة الاقتصادية – كراس – 1959 .
16. حول بعض المفاهيم الاساسية في الاشتراكية العلمية – 1960 .
17. انهيار نظرية الرأسمالية المخططة – 1960 .
18. الماركسية والحرب الامبريالية – 1960 .
19. البراغماتية والفلسفة العلمية – 1960 .
20. الجزائر وقضية الشعب الفرنسي – 1960 .
21. الامبريالية – 1961 .
22. تشريح الكوسموبوليتية – 1961 .
23. محاضرات في التاريخ الأقتصادي – 1967 .
24. هذا هو طريق 14 تموز – دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة – 1969 .
25. محاضرات في تاريخ الأقتصاد والفكر الاقتصادي – 1970 .
26. محاضرات في تاريخ الأقتصاد والفكر الاقتصادي – الطبعة الثانية – 1973 .
27. الرأسمالية نظاما – 1973 .
28. مشاكل الجدل في الرأسمال لماركس – 1979 .
ومن دراسات ابراهيم كبة في المجلات العراقية والعربية والغير منشورة:
1. عبء الاثبات في القوانين – الحقوقي – 1940 .
2. نظرية القانون الصرفة – الثقافة الجديدة – 1954 .
3. ازمة النظام الكولونيالي – الثقافة الجديدة – 1954 .
4. حول مؤلف عن تاريخ العراق الحديث – الثقافة الجديدة – 1954 .
5. حول المعاهدات غير المتكافئة – الثقافة الجديدة – 1958 .
6. سياسة الجمهورية العراقية الاقتصادية – مجلة الكمرك – 1959 .
7. الكينزية كمنهاج اقتصادي للرأسمالية المنظمة – الثقافة الجديدة – 1960 .
8. مذكرة السادة مصطفى علي وجماعته – دراسات عربية – عدد أكتوبر – 1966.
9. الفكـر الرجعـي في العـراق – دراسة غير منشورة – 5/5/1967 .
10. نصيحة للحكام الجدد – من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق – 3 /8/1968
11. ملاحظات عامة حول مادة التاريخ الأقتصادي – مجلة الاقتصاد والعلوم السياسية – 1969 .
12. لانكة والمادية التاريخية – الثقافة الجديدة – 1969 .
13. بعض التقييمات الماركسية للكينزية – الثقافة الجديدة – 1969 .
14. من نظريات الدورة الاقتصادية – مجلة الجامعة المستنصرية – 1970 .
15. حول النظرية العامة لكينز – مجلة الجامعة المستنصرية – 1970 .
16. حول نظرية شتايرمان – الاقتصادي – 1970 .
17. تحليل شومبيتر للفكر السكولائي – الاقتصادي – 1970 .
18. اوليات حول الدورة الاقتصادية – المثقف العربي – 1970 .
19. نظرية كوفوليف حول مرحلة الانتقال للعبودية – المثقف العربي – 1970 .
20. حول طبيعة النظام الاقطاعي – المثقف العربي – 1970 .
21. استعراض نقدي للادب الاكاديمي المعاصر حول مادة التاريخ الأقتصادي – الاقتصادي – 1970 .
22. حول نظرية القيمة الماركسية – الاقتصادي – 1970 .
23. الاقتصاد الكينزي – الاقتصاد – 1971 .
24. موريس دوب ومفهوم التراكم البدائي للرأسمال – الاقتصادي – 1971 .
25. حول مفهوم رأسمالية الدولة الاحتكارية – الاقتصاد – 1971 .
26. حول العلاقة بين الماركسية والفيزيوقراطية – الاقتصادي – 1971 .
27. الاقتصاد الماركسي والادب الالماني المعاصر– الاقتصاد – 1971 .
28. هنري دني وموضوعة عدم اكتمال رأسمال ماركس – الاقتصادي – 1971 .
29. هكس ونقاده المحافظون – الاقتصاد – 1971 .
30. في الادب الاقتصادي السوفياتي – الاقلام – 1971 .
31. هكس ونظرية التاريخ الأقتصادي – الاقتصاد – العدد 13 – 1971 .
32. حول تحليل ماركس لنمو المتناقضات داخل الظواهر الاقتصادية – الاقتصادي – 1972 .
33. نظرية النمو في الاقتصاد الاشتراكي – الاقتصاد – 1972 .
34. دني وتاريخ الفكر الأقتصادي – الاقتصاد – 1972 .
35. اقتصاديات الامبريالية – الاقتصاد – 1972 .
36. الانتقال نحو الاقتصاد الاشتراكي – الاقتصاد – 1972 .
37. القومية والرأسمالية في البيرو – الاقتصاد – 1972 .
38. اشكالية الاقتصاد الانتقالي – الاقتصاد – 1972 .
39. حول كتاب الرأسمالية نظاما – الاقتصاد – 1972 .
40. ضوء جديد على مشكلة العلاقة بين الدين ونشوء الرأسمالية – – الاقتصاد – 1973 .

قالوا في ابراهيم كبة

 تعليقا على صدور اول قانون للاصلاح الزراعي في العراق في 30 ايلول 1958 كتب جاسم الحلوائي اقتباسا من عزيز سباهي ” اقترح الوزيران القوميان صديق شنشل و عبد الجبار الجومرد في مجلس الوزراء ان يكون الحد الاعلى 5000 دونم.اما هديب الحاج حمود و طلعت الشيباني (وطني ديمقراطي)فكان رأيهما 1000 دونم سيحية(مروية) و 2000 دونم ديمية(مطرية).ورأى ابراهيم كبة ان يكون ذلك 500 سيحية و1000 ديمية.وكلن يؤيده في ذلك عبد الرزاق زبير و فريد الاحمر عضوي لجنة وضع القانون،والثلاثة يؤيدون وجهة نظر الحزب الشيوعي.واخيرا صدر قانون الاصلاح الزراعي في 30 ايلول 1958 وقد تبنى 1000 دونم سيحية و2000 دونم ديمية.لقد تبنى الحزب الشيوعي قانون الاصلاح الزراعي مع تحفظه على الحد الاعلى الكبير للملكية،وعلى تعويض الملاكين الكبار،والزام الفلاحين الذين ستوزع عليهم الارض بدفع تعويض خلال عشرين سنة.ولم يستثن القانون من التعويض حتى الملاكين الخونة والعملاء””الحلوائي/عقود من تاريخ الحزب الشيوعي-الحزب والقضية الزراعية/طريق الشعب/العدد 63/2007″.

 كتب حكمت محمد فرحان حول دورة الضباط الاحتياط للمفصولين السياسيين في السعدية عام 1955 ،وهي دورة كان 90% منهم من الشيوعيين شكلت ملحمة نضالية للحزب الشيوعي”بلغنا بالحضور الى وزارة الدفاع اوائل شباط 1955 للالتحاق بالدورة مع احضار كل منا لحقيبة صغيرة فيها حاجياته مع ماكنة حلاقة بعد ان تم تقسيمنا(المتزوجون في بغداد وعددهم قليل جدا وكان في مقدمتهم الدكتور ابراهيم كبة الاستاذ في كلية التجارة والدكتور فيصل السامر الاستاذ في دار المعلمين العالية والشاعر عبد الوهاب البياتي مع حوالي العشرين من مختلف الوظائف والاختصاصات”حكمت محمد فرحان/ذكريات عن نضالات الشيوعيين/دورة الضباط الاحتياط للمفصولين السياسيين في السعدية عام 1955/ طريق الشعب/العدد 50/2007″.

 في دراستها المعنونة”الاعداد الجسور للنصر: العراق في الثورة 1946- 1959″ كتبت آنا الكسندرا “لماذا كان الحزب الشيوعي العراقي قاب قوسين او ادنى من استلام الحكم،ومع ذلك لم يفلح؟الدور الحاسم لعبته القيادة السوفييتية.فقد غادر موسكو رسولا عام 1959 لابلاغ قيادة الحزب الشيوعي العراقي بعدم التعويل على اي دعم من الاتحاد السوفييتي اذا ما استلم الحزب السلطة آنذاك.ورغم ضغط موسكو على الحزب،تدارس المكتب السياسي امكانية اقصاء عبد الكريم قاسم وأصر البعض على اهمية الاعداد للنصر واستلام الحكم سريعا.بقيت المعضلة الاساسية التي واجهها الحزب هي نفسها تلك التي برزت عام 1958،فالحزب لم يعد نفسه سياسيا لمثل هذا الاحتمال- الكفاح.لقد عبأ الحزب مئات الآلاف من العمال والفلاحين تحت شعار اتحاد الشعب وليس خلف شعارات ومصالح طبقية محضة.وبدل العمل الحثيث لتعميق المضمون الاجتماعي للكفاح الوطني،بذل الشيوعيون الجهد النشيط لتلطيف الاجواء وتقليل حدة التوترات الطبقية.وعندما رفع عبد السلام عارف شعار تأميم النفط العراقي،كان ابراهيم كبة وزير الاقتصاد هو من طمأن شركات النفط الغربية ان رساميلهم الاستثمارية هي بأيدي أمينة”.”آنا الكسندرا/الاعداد الجسور للنصر:العراق في الثورة 1946- 1959/مجلة الدولية الاشتراكية- صيف 2003/العدد 99″.

 كتب المحامي عبد الرحمن اسماعيل قلو عضو منظمة محامون بلا حدود ” لقد رحل رجل السياسة والإقتصاد،الرجل المتواضع الذي لم يساوم على مبادئه اطلاقا وانما ظل ماركسيا بافكاره ومبادئه ومنحازا بمواقفه إلى جانب الطبقة العاملة والكادحين في العالم.لن ننسى أبدا تلك الشخصية الوطنية الفذة في دعم قضية عمال شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق،عندما كان وزيرا للاقتصاد بعد انتصار ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958 وكانت وزارته ذات العلاقة بشركات النفط آنذاك.في شهر نيسان من عام 1959 كنت عضوا في الوفد المفاوض مع شركات النفط في بغداد باعتباري نائبا لرئيس المكتب المركزي للنقابة وكان الزميل(آرا خاجادور)يرأس الوفد المفاوض بصفته رئيس المكتب المركزي ومعنا أعضاء آخرين والمحامي خالد عيسى طه بصفته مشاورا قانونيا للاتحاد العام لنقابات العمال،وكانت مهمتنا التفاوض مع وفد لشركات النفط برئاسة الدكتور الاقتصادي(ستروبس)الهولندي الجنسية وزميله(فان هوت)وأحد مدراء الشركة من الانكليز والمشاور القانوني للشركة وآخرين،وكان جدول المفاوضات يتضمن زيادة وتعديل الأجور والمخصصات لجميع العاملين في شركات النفط،لقد حاولت شركات النفط التساوم مع الوفد المفاوض لنقابة النفط،الا انها فشلت!فلجأت هذه المرة الى الوزارات المعنية وطلبت منهم وضع العراقيل امام وفد النقابة المفاوض لقاء قيامها بمنح العاملين لديها الزيادات والمخصصات المناسبة دون اللجوء الى المفاوضات مع الوفد النقابي وقد اقتنع الوزراء المعنيون بهذا المقترح باستثناء الاستاذ الراحل ابراهيم كبة الذي كشف لنا تلك اللعبة وأشار الينا بالكتابة في الصحف لفضح تلك المخططات اللئيمة وكان يصرح لنا مرارا بأنه سيبقى الى جانبنا في هذه المفاوضات الى النهاية.وفي بداية شهر آذار 1960 والمفاوضات مستمرة قدم الى العراق من هنغاريا/بودابست السكرتير العام لاتحاد نقابات العمال العالمي السيد(مكليسكي)وهو مواطن سوفييتي يتقن اللغة الفرنسية الى جانب لغته الروسية،وكان قدومه الى بغداد بدعوة من نقابة النفط وخلال اقامته وضعت النقابة برنامجا له لزيارة حقول النفط في كركوك والبصرة وعين زالة ومصفى الدورة،وقبل مغادرته العراق حصل لقاء بينه وبين الوزير الراحل وقد رافقنا أثناء زيارة الوزير الزميل النقابي(حنا قلابات)من نقابة المصارف كمترجم بين الضيف والوزير،الا أنه اتضح لنا عدم الحاجة لمترجم لأن الوزير الراحل كان يتقن عدة لغات أجنبية بينها اللغة الفرنسية التي تحدث بها الضيف الزائر مكليسكي.بعد الانتهاء من زيارة الوزير غادرنا مقر وزارة الإقتصاد وقد أوصانا الضيف مكلسكي أن نحافظ على هذا الوزير لأنه(عملة نادرة).في اليوم التالي غادر ضيفنا بغداد عائدا الى بودابست،وفي المساء كنت قد حضر أمسية سياسية أقيمت في نادي الفقير بالعلوية حضرها قائد كردستان الراحل الملا مصطفى البارزاني وكذلك رئيس محكمة الشعب العقيد فاضل عباس المهداوي،والمدعي العام ماجد محمد أمين ومرافق الزعيم عبد الكريم قاسم وصفي طاهر،واثناء الأمسية اذاع راديو بغداد خبر اقالة الوزير ابراهيم كبة،وعند سماعي الخبر توقعت أن تكون جلسة المفاوضات مع وفد شركات النفط لليوم التالي صعبة بسبب اقالة الوزير.في اليوم التالي ذهبنا الى مديرية العمل العامة حيث تعقد جلسات المفاوضات تحت اشراف المدير العالم تقي عبد الهادي وقد سبق حضورنا حضور الوفد المفاوض للشركة وكانت الأحاديث تدور حول اقالة الوزير وكيف أن شركات النفط تعتبر الاقالة نصر لها،وللتأكيد فعندما دخل الوفد المفاوض للشركات حيا الحاضرين وبعدها التفت الينا رئيس الوفد الدكتور ستروبس وخاطبنا بالإنكليزية(كيف محراركم اليوم؟)وهو يعني اقالة الوزير حتما قد تركت أثرها السيء في نفوسنا باعتباره كان الى جانبنا في هذه المفاوضات.قدمنا احتجاجا ضد رئيس وفد الشركة لعبارته الاستفزازية وطلبنا من المدير العام تقي عبد الهادي ابلاغ رئيس وفد الشركة بهذا الاحتجاج والتراجع عن عبارته مع الاعتذار،ففعل قائلا(اسحب كلامي وأعتذر)!.بعد الانتهاء من المفاوضات كنت قد حضرت مؤتمر اتحاد نقابات النفط في بولندا وبعد اللقاء بالسكرتير العالم( مكلوسكي)قال لي استغربت عند سماعي خبر اقالة الوزير ابراهيم كبة،فما السبب؟قالت له:ان السبب يعود إلى مواقف الوزير الوطنية من تصرفات شركات النفط الضارة بمصلحة الشعب العراقي ووقوف الراحل الى جانب عمال النفط!كان الراحل انسانا عادلا ووطنيا صادقا ومن رجال الإقتصاد والسياسة البارزين،خدم شعبه ووطنه باخلاص ونزاهة ولهذا ستبقى ذكراه الطيبة في قلوب اصدقائه ومحبيه والى ابناء اسرته العزاء والصبر”.”عبد الرحمن اسماعيل قلو/ شركات النفط الأجنبية والراحل ابراهيم كبة/دراسة انترنيتية”.

 كتب كومراد مدريسوف”من الامور التي يجب التوقف عندها ان عبد الكريم قاسم ورغم دعم الشيوعيين له نظر اليهم بعين الشك مقتنعا انه في حال تحالفه معهم سيخسر الكثير من هيبته وستعزل فئات اجتماعية واسعة من ابناء الشعب.ولم يجر منح اجازة اصدار الصحيفة المركزية للحزب الشيوعي العراقي”اتحاد الشعب”الا اواخر كانون الثاني 1959.لم يكن قاسم ميالا لتولي اي من الشيوعيين المسؤولية في حكومته او في مواقع اتخاذ القرار،الا انه على كل حال عهد لكل من ابراهيم كبة ونزيهة الدليمي مناصب وزارية،وهما من مناصري الحزب الشيوعي العراقي”.”Comrade Mudarisov/A History of the Iraqi Communist Party 1934-1963/Parts(1-4)/www.soviet-empire.com/Moscow/2006″

http://www.soviet-empire.com/ussr/viewtopic.php?t=28571
http://www.soviet-empire.com/ussr/viewtopic.php?t=28572
http://www.soviet-empire.com/ussr/viewtopic.php?t=28573
http://www.soviet-empire.com/ussr/viewtopic.php?t=28574

 يؤكد امير الحلو في دراسته”الى استاذي الراحل(ابراهيم كبة)صاحب فكر ثائر ورحيل صامت”انه قد لفت نظره ان يقوم كاتب تقدمي بطرق مواضيع مهمة حول البراغماتية والاوليغارشية والتوتاليتارية والنفط العراقي قبل ثورة 14 تموز 1958 في ذلك الوقت الذي كان يحرم فيه نشر الفكر الوطني والتقدمي،وعندما قامت الثورة اصبح كبة وزيرا للاقتصاد.لقد تعرضت السياسة الاقتصادية للاستاذ كبة الى(تهجمات)القوى المعادية للنظام آنذاك وبالأخص حول الاتفاقيات الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتي،وتركزت الانتقادات حول الادعاء ان المصانع التي جرى شراؤها كانت مستعملة او اقل كفاءة من الانتاج الغربي،وان التعامل جرى بسعر صرف الروبل السوفيتي الرسمي في حين ان سعره يختلف في الاسواق العالمية(لا تستطيع دولة ان تتعامل مع دولة اخرى الا بسعر الصرف الرسمي لعملتها).”امير الحلو/الى استاذي الراحل(ابراهيم كبة)صاحب فكر ثائر ورحيل صامت/الصحف العراقية والانترنيت”.

 كتب ستار الناصر”بعد زوال ثقافة الاستبداد التي ملأت ساحاتنا باعمال تمجد سياسة الدكتاتور وانتصاراته الزائفة علينا ان نفكر مليا بهذا الامر الجمالي والثقافي ونملأ ساحاتنا وشوارعنا وحدائقنا بالتماثيل والنصب التي من شأنها رسم مقتربات بين نضال شعبنا ورموزه الوطنية وبين الجيل الجديد الذي هو في امس الحاجة للاطلاع عليها ومن جهة اخرى ان لهذه الرموز حق في ان يكلل نضالهم بعمل يخلدهم فشعراء مثل الجواهري والسياب وبلند الحيدري ورشدي العامل وحسين مردان وعبد الله كوران فضلا على الدكتور ابراهيم كبة وحسين جميل وحسين الرحال ومصطفى جواد اقول هؤلاء قد قدموا كل مالديهم في خدمة العراق وعلينا الانتباه لهم وانصافهم ….””ستار الناصر/آن الاوان لنملأ ساحاتنا بالتماثيل/طريق الشعب/العدد 81/كانون الاول 2007″

 كتب الدكتور مصدق الحبيب استاذ الاقتصاد في جامعة ماسجيوستس/الولايات المتحدة الامريكية”كان ابراهيم كبة موسوعيا وعميقا في معلوماته،علميا وموضوعيا في تحليله،دقيقا في تنظيمه،حازما في ادارته،حريصا على وقت طلابه،عادلا في تقييمه،حاذقا في تقديره،حكيما في كلامه،مثمرا في جهوده،كريما ومتسامحا ودمثا في خلقه.انني فخور كل الفخر ومعتز وافر الاعتزاز ان اقول بانني تتلمذت على يديه في كلية الاقتصاد بجامعة بغداد في اوائل السبعينات،وكانت مواد تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي التي درسها الاستاذ كبة بكفاءة عالية الذ وامتع وانفع مادرست خلال كل حياتي الدراسية الطويلة،فكان لشخصه ومنهجه العلمي ابلغ الاثر في توجهي نحو اكمال دراستي العليا في الاقتصاد.وليس من المغالاة ان اقول ان كل ما اعرفه وما تعرفه اجيال كثيرة من زملائي الاقتصاديين العراقيين عن هيكل ودينامية الفكر الاقتصادي الرأسمالي والماركسي يعود بالدرجة الاولى الى تأثير ابراهيم كبة،فهو الرائد الاول الذي سبر اغوار هذا الحقل من المعرفة في العراق خصوصا والوطن العربي عموما،ومنح معرفته الواسعة باخلاص وتفاني لكل من سعى اليها”” الدكتور مصدق الحبيب/رسالة التعزية الموجهة الى سلام كبة/2004″

 كتبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي”كان الفقيد ابراهيم كبة علما بارزا من اعلام الفكر في العراق والوطن العربي ومربيا اكاديميا تخرج من مدرسته المئات من حملة افكار الاشتراكية،ومناضلا صلبا من اجل الحرية والتغير والتقدم.وعندما اصبح،بعد ثورة14 تموز المجيدة،وزيرا للاصلاح الزراعي أرسى أول قانون للاصلاح الزراعي مايزال واحدا من أبرز معالم ثورة تموز وانجازاتها.وسنظل نحفظ للفقيد انه بقى لصيقا بكل العاملين من اجل تحرر العراق وتقدمه،وفيا لمثله وافكاره،مدافعا لا يلين عنها برغم اضطهاد العهود المتعاقبة.وسيظل شعبنا يتذكر باكبار وقفته الشامخة في الدفاع عن ثورة 14 تموز ومكاسبها في محاكم الجلادين بعد انقلاب شباط 1963.ان شعبنا وهو يخوض معركته الحاسمة اليوم من اجل عراق حر ديمقراطي كامل السيادة منفتح على افاق التحول الديمقراطي الاشتراكي سيظل يستلهم افكار الراحل الكبير ومسيرته””المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي/ التاريخ: 28 تشرين الاول 2004″

 كتب الدكتور عصام داوود استاذ الاقتصاد في جامعة ليكيهيد/كندا”كان لابراهيم كبة عميق الاثر على بلورة شخصياتنا كطلاب علم منذ دراستنا الجامعية.سنبقى خير خلف لخير سلف مادمنا نمتلك الحزم والقدرة على هضم المعرفة ونقبل تحديات الكفاح في سبيل مستقبل افضل للانسانية.كان ابراهيم كبة شجاعا ولم يساوم مطلقا على مبادئه””الدكتور عصام داوود/رسالة التعزية الموجهة الى سلام كبة/16 نيسان 2005″

 كتبت الدكتورة سعاد خيري”لابراهيم كبة احباء لايمكن ان ينسوا مواقفه الوطنية الرائعة ومساهماته القيمة في تاريخ العراق السياسي والاقتصادي.ستبقى الاجيال العراقية تمجد ما قام به وما تركه من آثار في تاريخ العراق وسطرتها كتب التاريخ وذاكرة الجماهير الحية.ان شخصيات تاريخية كالاستاذ ابراهيم كبة لن تموت ولا تحتاج للترحم بل ستبقى حية تنور سماء العراق والانسانية بما قدمته من افكار ومواقف ودراسات هادية في احلك الظروف واقساها،وستبقى هادية طالما بقيت علاقات الانتاج الرأسمالية بكل قوانينها وتناقضاتها وجرائمها بحق البشرية سائدة”” الدكتورة سعاد خيري/رسائل التعزية الموجهة الى سلام كبة/12 آذار 2005 و18 تشرين الاول 2005″

 كتب الدكتور وليد ناجي الحيالي رئيس الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك”سيبقى الراحل ابراهيم كبة كما كان أستاذنا وأستاذ جيل كامل تتلمذ على يديه الكريمتين ونهل من علمه وأفكاره النيرة الشئ الكثير حيث بصماته ما زالت حية فينا من خلال ما تركه الراحل الخالد دينا في أعناقنا وأعناق جيل باحثينا وأكاديميينا””كتاب الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك الموجه الى الدكتور كاظم حبيب/التاريخ:11 كانون الثاني 2006/الرقم:11س01″

 كتب الدكتور كاظم حبيب”تميزت كتابات الأستاذ الراحل ابراهيم كبة بغنى المعرفة والفكر النقدي المتقد والتحليل العلمي الدقيق للوقائع والأحداث والبحث الاقتصادي المتسم بالعمق والوضوح والبساطة.كما تميزت حياته السياسية بالحيوية والدفاع عن مصالح الشعب والكادحين منهم على نحو خاص””نداء الى طلبة وزملاء وأصدقاء الراحل العالم الجليل الأستاذ ابراهيم كبة/ برلين في 13 شباط 2006″

 بمناسبة اكمال”الثقافة الجديدة”عامها الرابع والخمسين كتبت طريق الشعب في عددها رقم 97 عام 2008 “صدرت المجلة اول مرة عام 1953 باسم الطليعة كمجلة فكرية علمية صاحب امتيازها مهدي الرحيم،تحول اسمها الى “الثقافة الجديدة” وساهم في ظهورها اول مرة،مهدي الرحيم،خالدة السعيدي،صلاح خالص،صفاء الحافظ،عبد الرحيم شريف،ابراهيم كبة،فيصل السامر،عبد الملك نوري،محمود صبري،عبد الرزاق عبد الواحد،يوسف العاني،وشاكر خصباك وغيرهم.وتعرضت الى التوقف لأسباب سياسية حتى انتظم اصدارها منذ عام 1969 وطيلة سبعينيات القرن الماضي.وبعد عام 1979 صدرت من خارج العراق،وعاودت من بغداد بعد نيسان عام 2003″”طريق الشعب/العدد 97/2008/ص(1)”

 يذكر الدكتور فيصل الصراف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ان”المنظومة الفكرية والثقافية للبعث فاشية الامر الذي سمح لجلاوزتهم اهانة اعلام العراق.اثر انقلاب 8 شباط 1963 اهانوا الدكتور عبد الجبار عبد الله اول رئيس لجامعة بغداد في المعتقلات واجبروه على تنظيف مرافقها،اهانوا العالم الجليل ابراهيم كبة!”” فيصل الصراف/ ندوة حول جرائم النظام البعثي 14-4-2008/برنامج فضاء الحرية/قناة الفيحاء الفضائية”

ذكريات في ربيع العمر

رزق ابراهيم كبة بالابن البكر(سلام) في 6/12/1954 في يوم ممطر وينذر بكارثة فيضان دجلة التي تهدد بغداد .. وتفتحت ذهنية سلام على حب الوطن والافكار التحررية سريعا مع فجر الرابع عشر من تموز 1958 والاستماع الى نشيد الله اكبر ، وبيان الثورة رقم (1) من اذاعة بغداد، واصطحاب الاستاذ الوزير له مرارا الى ديوان وزارة الدفاع حيث اجتماعات مجلس الوزراء . كما اصطحب كبة – الاب سلام اكثر من مرة الى أجتماعات حركة انصار السلام والى جامعة بغداد .. وبعد انقلاب رمضان الاسود كان سلام مع العائلة في كل زياراتها ومقابلاتها الوالد في الموقف المركزي ومعسكر الرشيد .. لم تغب عن ذهن سلام كبة اسماء محددة التقاها وعرفها عن كثب .. قاسم ، المهداوي ، ماجد امين ، وصفي طاهر ، محمد الشواف ، عبد اللطيف الشواف ، عوني يوسف ، احمد الجلبي ، التكمجي ، عزيز شريف ، العبايجي ، الجواهري ، الماشطة ، كوران ، بحر العلوم ، توفيق منير ، عبد الفتاح ابراهيم ، محمد سلمان حسن ، مصطفى علي ، عبد الجبار عبد الله ، محمد الجلبي ، عامر عبد الله … الخ.
في 1966 رافق سلام والده والاستاذ احمد جعفر الجلبي في زيارة دوكان ودربندخان والسليمانية واللقاء مع قادة الثورة الكردية آنذاك .. يذكر ان حركة انصارالسلم في العراق تأسست مطلع خمسينيات القرن العشرين وعقدت مؤتمرها الوطني الاول في 22،23 /7/ 1954 في بغداد في دار احمد جعفر الجلبي .. كما رافق سلام والده لمقابلة الزعيم مصطفى البرزاني في كلالة اوائل الشهر التاسع من عام 1967 .
عرف الوالد بحزمه ، وعرفته اول حكومة بعد الرابع عشر من تموز ، عرفه الشعب العراقي عن كثب كما عرفه الزعيم قاسم !، عرفه وفد شركات النفط الغربية المفاوض 1959 – 1960 ، عرفه زعماء العالم في عواصم الشرق والغرب !عرفته جامعة بغداد والأوساط الاكاديمية الغربية ، عرفه الاقطاع وعرفته البورجوازية الوطنية والطبقة الوسطى مثلما عرفه الشارع العراقي حتى بعد اطلاق سراحه وعرفه الكادحون والفقراء ! .. عرفته الحركة الوطنية العراقية مثلما عرفه الحزب الشيوعي العراقي ..
انقطعت اخبار ابراهيم كبة عن سلام عام 1979 مع مغادرة الاخير بغداد اثر الحملة التصفوية التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي والتحاقه لاحقا بحركة الانصار الشيوعيين المقاومة للنظام الدكتاتوري الساقط ، وتواجده على اراضي الاتحاد السوفييتي السابق لمواصلة التحصيل العلمي .. وبعد عودة سلام ابراهيم كبة الى ارض الوطن في 12/4/2003 كان ابراهيم كبة قد استهلكته مظاهر تسلط النظام الدكتاتوري وازدياد ازمة حكمه استعصاء، والتاثيرات المدمرة للحصار الدولي على الشعب والبلاد، وتفاقم الازمة العامة المخيمة على البلاد، واشتداد مأساة الشعب ومحنة الوطن… كان ابراهيم كبة حبيس الضغوطات الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان .. كان ابراهيم كبة انسانا عادلا ووطنيا صادقا ومن رجال الإقتصاد والسياسة البارزين ، خدم شعبه ووطنه باخلاص ونزاهة.امتلك ابراهيم كبة احباء لا يمكن ان ينسوا مواقفه الوطنية الرائعة ومساهماته القيمة في تاريخ العراق السياسي والاقتصادي.
بخصوص النداء الى طلبة وزملاء واصدقاء الراحل العالم الجليل الاستاذ ابراهيم كبة
الدكتور كاظم حبيب المحترم
تحية الاعجاب والتقدير والتلمذة
ارجو ان تكون بصحة جيدة ومزاج رائق.
حينما اسعدني موقفكم لتنفيذ مقترح احياء الذكرى الثانية لرحيل والدي العالم الجليل الفقيد الدكتور ابراهيم كبة… واسعدني تبوء الدكتور كاظم حبيب رئاسة اللجنة التحضيرية لاداء مهمة الاكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك ، وهو الذي تربطه بالوالد الوشائج الاكاديمية والشخصية والقلبية …وفي الوقت الذي يتطلع فيه الشعب العراقي للسلام والأمن والاستقرار والطمـأنينة وشد اللحمة وتعزيز الوحدة وتأكيد الارادة في السير حثيثا على طريق استكمال بناء مؤسساته الوطنية الديمقراطية وتوطيدها وتمكّيِن العراقيين من الاسراع في انهاء تواجد القوات الاجنبية على الارض العراقية واستكمال السيادة و بناء العراق الديمقراطي الفيدرالي المستقل المزدهر! … اعتذر لعضوية اللجنة التي ستساهم في هذا الجهد الفكري والسياسي للعزيز الكبير الوالد ابراهيم كبة… للاسباب التالية :
1. التعاون مع وزارتي الثقافة والاقتصاد في العراق ووزارة الثقافة في اقليم كردستان والجامعات العراقية والمؤسسات ذات العلاقة من أجل اعادة نشر كتابات الراحل وسيرة حياته وتوفيرها للقارئ في العراق وفي الدول العربية…. باتت مهمة معقدة بحكم ارتقاء ثقافة القطيع الشيعية او ثقافة الولاء اللاوطني والتي بقيت اسيرة ثقافة ” نعم سيدي” … وابطالها من مرتزقة نوري الراوي وحبيب الصدر ومن لف لفهم … واسيرة مظاهر انهيار السلطة البائدة والتي لم تنطلق لتتحمل مسؤولية العهد الجديد وكشف المظاهر الخطيرة السلبية المتغيرة السريعة .
2. افلاس البورجوازية العراقية ، وانحيازها الشديد ضد جماهير الفقراء في بلادنا مما ادى إلى مزيد من التردي في احوالهم. ومع استمرار الأزمة، وعجز النظام عن تجاوزها، لنا ان نتوقع التصاعد في النضالات الجماهيرية … الامر الذي يعني ان اي مراسيم لأحياء ذكرى الوالد الجليل ستصب في صالح :
أ- دعم المشاريع الشيعية الحقيرة في نظم المحاصصات الطائفية وتزويق وجهها القبيح .
ب- دعم المشاريع البعثية القذرة والاصولية الاسلامية السلفية في ازدواجية رامبو مقاومة الاحتلال الاميركي .
ج- الاسناد غير المباشر لطفيلية العلمانية العراقية المعاصرة والتنوير الاسلامي الحديث والتي تحاول تسلق اكتاف الشعب العراقي لغاية في نفس يعقوب ، ولأغراض ميكافيلية بحتة ! .ان اعتقال العقل واغتياله وممارسة الارهاب ضده عمل خطير ينذر بالكارثة المحدقة لصالح الغيبية والشعوذة والسحر والبلادة ولصالح الاستخبارات والمخابرات العصبوية والامية والجهل . لم يكن سبيل الحرية يوما ما مفروشا بالرياحين والازهار ! على القوى الديمقراطية العمل معا لسحب البساط من تحت موظفي البرقرطة الادارية وشلل الابتزاز وعصابات الولاءات اللاوطنية (الطائفية وبالاخص الشيعية ،العشائرية ،الصدامية والبعثية ) ..
يبقى العالم الجليل الفقيد الدكتور ابراهيم كبة اكبر من البعث ومخانيثه ، وحكومات طرطرة ما بعد التاسع من نيسان ، ومزعطة الاكاديميات العراقية المتلونة كالحرباء والمشبعة بالخبث ووشائج الركوع للاجنبي … وبالطبع اكبر من البراغماتية والكوسموبوليتية والفكر الرجعي وبالاخص الخميني وجرذانه ، والسياسات الاميركية الامبريالية ! واكبر من الارهاب !.
اني أذ اؤكد استعدادي للتعاون في توفير الوثائق والكراريس والكتب اللازمة … لا ابدي الاستعداد للمساهمة في تزكية مرتزقة البعث و التشيع البعثي الجديد والشيعي المتجدد ! …
تقبلوا فائق التقدير !
سلام ابراهيم كبة
25/4/ 2006


راجع للكاتب:
1. ابراهيم كبة غني عن التعريف.
2. السيرة الذاتية للدكتور ابراهيم كبة.
3. عام كامل على رحيل ابراهيم كبة.
4. عامان على رحيل ابراهيم كبة.
5. في الذكرى الثالثة لرحيل د. ابراهيم كبة.
يمكن مراجعة دراساتنا – في الروابط الالكترونية التالية :
1. http://www.rezgar.com/m.asp?i=570
2. http://www.afka.org/Salam%20Kuba/SalamKuba.htm
3. http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKuba/index.htm
4. http://yanabeealiraq.com/writers_folder/salam-kabaa_folder.htm
5. http://www.babil-nl.org/aasikubbah.html


9/9/2008


في ذكرى الرحيل الصامت
اربعة اعوام كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة

2- 2

المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة
ستدوس اقدام الشعوب كخرقة
مهروءة من كان سوط بلاء
فيرون كيف تجيد في ابانها
صنع المعاجز جذوة البغضاء
سيرى عتاد الاجنبي بعينه
مرمى عقيدة امة عزلاء

ابراهيم كبة علم بارز من اعلام الفكر في العراق والوطن العربي ومربي أكاديمي تخرج من مدرسته المئات من حملة الأفكار الاشتراكية،ومناضل صلب في سبيل السلام والحرية والتقدم الاجتماعي.

من نتاجات ابراهيم كبة

تأييد الموقف السوري ضد احتكارات النفط الدولية
ملاحظة من الكاتب:كتبت هذه البرقية في عهد اتسم بصعود نجم الفكر القومي البائس!
السيد رئيس وزراء الجمهورية العربية السورية المحترم
دمشق

نؤيد موقفكم الوطني الحازم ضد احتكارات النفط الدولية،ونؤكد ضرورة اتخاذ الخطوات التالية:-
1. مع تقديرنا لتصريحات رئيس وزراء العراق في دعم الشعب السوري الشقيق،نعتقد بضرورة مبادرة الحكومة العراقية الى شق طريق الاستقلال الاقتصادي بعيدا عن التبعية للاحتكار النفطي بانذار شركات النفط بتشغيل العراق المنشآت النفطية واستئناف الضخ ومباشرة الاتصال بالدول الصديقة والاسواق النفطية الاخرى لضمان التسويق في حالة عدم الاتفاق مع سوريا خلال مدة معينة.
2. دعوة الجامعة العربية لأتخاذ قرار بالزام الدول العربية المعنية بانذار الشركات لوقف انتاج النفط العربي ونقله عير بلدانها بما في ذلك قناة السويس في حالة اصرارها على موقفها المتعسف وبطلب من العراق وسوريا.
3. دعوة منظمة الاقطار المصدرة للنفط لأتخاذ قرار بانذار الشركات بوقف انتاج النفط في حالة اصرارها وبطلب من العراق.
هذا ونؤكد بان انتصار الامة العربية في هذه المعركة رهين بالتقاء القوى التقدمية على النطاق العربي في جبهة معادية للاستعمار.كما ان مستلزمات المعركة في العراق تفرض اطلاق الحريات العامة لتوفير المناخ الديمقراطي الضروري لألتقاء جميع القوى التقدمية في جبهة موحدة قادرة على تعبئة الشعب وقيادته الى النصر في هذه المعركة القومية ضد احتكار النفط الاستعماري.

مصطفى علي
عبد الوهاب محمود
ابراهيم كبة
محمد سلمان حسن

ابرقت بتاريخ: 16/12/1966

الحياة الحزبية في العراق
ابراهيم كبة

وجدت هذه المخطوطة في مكتبة ابراهيم كبة .. مخطوطة غير منشورة وغير مؤرخة .. لكنها بخط يده ، ويشير مضمونها انها كتبت اواسط اربعينيات القرن المنصرم . وفيما يلي جزء رئيسي منها(علما ان القسم الاول نشرناه في دراسة سابقة):
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=109494


القسم الثاني
امكانيات العراق الحزبية

خلاصة ما تقدم اذن عن الأحزاب القائمة في العراق،إن واحدا منها لا يكفي بمفرده وبشكله الذي عرضناه ان يكون محل الاعتماد والثقة لقيادة الحركة الحزبية في العراق ورفع لواء المعارضة الجدية في سبيل تغيير الوضع الاجتماعي فيه.بل لابد من حزب جديد يجمع بين العناصر الحية في الأحزاب القائمة ويستغل الامكانيات الاجتماعية في العراق.ويستفيد منها جميعا وفق الخطة العلمية العامة والوسائل العلمية الخاصة التي أشرنا اليها.
على إن معرفة إمكانيات الحزب المذكور تتوقف بطبيعة الحال على دراسة امكانيات العراق الاجتماعية أي على دراسة الطبقات الاجتماعية في العراق بمعرفة عناصر القوة وعناصر الضعف في الحياة الحزبية.ولا يمكن في هذه العجالة طبعا الا الاشارة إشارات عامة الى الخطوط الرئيسية في الوضع الاجتماعي من العراق.
يمكن استعراض الطبقات الاجتماعية في العراق فيما يلي:
1) البدو : لا شك إن طبقة البدو الرحل لا يمكن التفكير في الاستفادة منها في أي عمل حزبي آني لعدم استقرارها و لانعدام الوعي العام فيها.ومشكلة الاستقرار في الطبقة المذكورة هي المشكلة الأساسية الممهدة لجميع الامكانيات الاجتماعية الأخرى فيها .
2) الفلاحون : من المعلوم ان هذه الطبقة تكون الأغلبية الساحقة من سكان العراق.ومشكلة المشاكل في هذه الطبقة هي نظام الاقطاع القائم خاصة في الجنوب.ونظام الاقطاع كما هو معلوم،وان كان نظاما اقتصاديا من حيث الأساس،يستند الى ملكية رؤساء الاقطاع للأراضي الخاصة أو الأميرية أو الى التصرف الدائم بها،الا انه نظام له مستلزماته السياسية والقانونية وحتى الفكرية،ولا يمكن دراسة هذا النظام بكلمات.لهذا أجلتها الى فرصة أخرى لأهميتها البالغة في حياة العراق العامة واكتفي بالاشارة الى بعض الخطوط الرئيسية الواجبة الدرس في هذا الصدد..
ان نظام الاقطاع يستند الى أربعة مصادر قوى أساسية. فهو يقوم في قوته الاقتصادية على ملكية الأرض أو التصرف بها،ولذلك يجب دراسة نظام الأرض في العراق على ضوء قوانين الأراضي القديمة وقوانين التسوية والتصرف وهي قوانين وضعت خصيصا لتقوية نظام الاقطاع وتثبيته بعد ان بدأت تدب فيه عوامل الانحلال بفضل التطور الاجتماعي.
كما انه يقوم على قوة بشرية هائلة هي قوة جماهير الفلاحين الخاضعة لمشايخ العشائر ورؤسائها(أي لرجال الاقطاع)بحكم تبعيتها الاقتصادية من جهة،وبحكم نظامها الأخلاقي والثقافي القائم على الطاعة والايمان بالقدر والاستسلام للعصبية القبلية وسيادة الخرافات الدينية.ومصدر القوة الثالثة هو النظام التشريعي السائد في العراق والمكرس في اغلب نواحيه وتفاصيله لتثبيت الاقطاع وخدمة رجاله.فقوانين العشائر والاختصاصات الادارية القضائية الواسعة واكثر قوانين الأرض والزراعة- خاصة قانون حقوق و واجبات الزراع- وأكثر نظم ولوائح الري والسداد،كل ذلك مكرس لخدمتهم ولتثبيت مصالحهم.بل يمكن القول بدون مبالغة بان الجهاز الحكومي و بسائر فروعه موجه في الأرياف لخدمة النظام الاقطاعي واخضاع جماهير الفلاحين لنيره.
ولا ننسى طبعا القوة الخارجية التي تكمن وراء جميع هذه الأنظمة وتعمل على ادامتها وتثبيتها والمتمثلة في الاستعمار الخارجي وطبقة كبار الموظفين التي تعيش الآن على رجال الاقطاع ومنحهم ورشواتهم،وخاصة رؤساء الوحدات الادارية ورجال القضاء،ورجال الأمن،والقائمين على مشاكل التموين .
ومع ذلك فان التطور الاجتماعي الاخير في العراق،وخاصة التطور الاقتصادي،بدأ يعمل على انحلال هذا النظام وتفسخه وسيؤدي لا محالة الى القضاء عليه في النهاية.ومما يجب درسه في هذا الصدد :
• الضعف الاقتصادي المريع أحيانا الذي بدأ يصيب بعض كبار رجال الاقطاع ويبهضهم بالديون الثقيلة لأثرياء المدن الكبرى،ويلزمهم بدفع المبالغ الطائلة بالربى الفاحش للجماعة المذكورة( آل شلال مثلا وسيطرتهم على الفرات الأوسط)،وجاءت الضربة الثانية على رجال الاقطاع من جراء دخول أبناء المدن واثريائها في معترك الحياة الزراعية،وغزوهم غزوا قويا لمعاقل الاقطاع.وقد كان ذلك نتيجة عوامل مختلفة منها نمو الثروة الخاصة في المدن الكبرى وعدم امكانية استغلالها في المشاريع الصناعية لأسباب مختلفة،واضطرار اصحابها على تثميرها في الحياة الزراعية(الدامرجي،عبد النبي الدهوي مثلا وغزوهما مناطق كبيرة في لواء ديالى)،ومنها اضطرار بعض رجال الاقطاع وخاصة اولئك الذين فسحوا المجال من الوجهة الاقتصادية على اشتراك أبناء المدن وخاصة كبار رجال السياسة والمتنفذين من رجال الطبقة الحاكمة في حياتهم الزراعية املا في انقاذ موقفهم المرتبك.ومن المعلوم ان فريقا كبيرا من رجال السياسة اليوم اثروا عن هذا السبيل واصبحوا يعدون من كبار ملاك الأراضي الزراعية (المدفعي واراضي كرارة ؛العسكري،عبد الكريم الازري).
• والعامل الآخر من عوامل انحلال النظام الاقطاعي هو بداية دبيب الوعي في سكان الأرياف ونشوء مراكز كثيرة في مراكز الألوية والاقضية وبعض النواحي المهمة في صميم الريف يصح ان تسمى (مراكز ثقافية تعليمية ) بدأ ينتشر الوعي فيها الى الأرياف نتيجة دخول التعليم فيها،ولاشك ان هذا العامل سيكون حاسما في القضاء على النظام الاقطاعي .
• ومن العوامل الملحوظة في تفسخ النظام الاقطاعي الهجرة العامة خاصة اثناء الحروب،من الأرياف الى المدن الكبرى بسبب الضائقة الاقتصادية التي ترهق كواهل الفلاحين وترغمهم على الانتقال الى ميادين أوسع فيها.
وقد خلقت هذه الهجرة مشاكل جديدة في المدن الكبرى وخاصة في بغداد،مشاكل تتصل بالتموين والأمن والأجرام الا أنها على كل حال عامل هام من عوامل تفسخ النظام الاقطاعي الذي يعتمد على طاعة وتبعية جماهير الفلاحين.
• واخيرا فان الطبقة الاقطاعية فقدت قوتها الداخلية وتضامن رجالها نتيجة النزاعات المختلفة التي احتدم أوارها في الفترة الأخيرة من تاريخ العراق نتيجة تدخل السياسة فيما بينها،وتنافسها وتكالبها على الحصول على وسائل القوة الجديدة التي نشأت عن نظام الدولة الجديد،من عضوية النيابة الى عضوية الوزارة أحيانا الى غير ذلك.وبالرغم من بعض المحاولات الفاشلة في الفترة الأخيرة لجمع شملها وتوحيد جهودها ضد عوامل الانحلال المذكورة(من المؤتمرات العشائرية الأخيرة الى محاولة ايجاد حزب جديد)،فان المحاولات المذكورة انتهت الى الفشل بسبب طغيان التطور الاجتماعي الجديد.
والخلاصة فان طبقة الفلاحين بحكم خضوعها للنظام الاقطاعي لا تصلح كمصدر مباشر للامكانيات الحزبية المنظمة وان كان من الممكن القيام بمحاولات جزئية في نشر الوعي فيها عن طريق المدارس الريفية خاصة.
3) سكان المدن :ان المدن هي المصدر المباشر لإمكانيات العمل الحزبي ويمكن تقسيم سكان المدن من وجهة الإمكانيات الحزبية الى ثلاثة أقسام.
أ‌. العمال الصناعيون – لاشك ان طبقة العمال هي أهم عنصر قابل للاستفادة منه في العمل الحزبي الجدي.وبالنظر لأهميتهم من جميع الوجهات في أي عمل حزبي فعال،وبالنظر الى ان تنظيمهم السياسي والنقابي من أول مستلزمات العمل المذكور،اصبح للنقابية اكبر الأهمية في الحياة الحزبية،ولا يمكن في هذه العجالة الا الاشارة لهذه الأهمية فقط.أما الدراسة التفصيلية للنظام النقابي في العراق وقوانين العمل الأخيرة وامكانيات التنظيم النقابي بموجبه،وتجارب النقابات التي تكونت فعلا،فكل ذلك يحتاج لبحث خاص.
ب‌. الطبقة الوسطى الصغيرة – لهذه الطبقة في حياتنا الاجتماعية الحاضرة أهمية قصوى لم تلتفت لها الأحزاب الحالية كما يجب،بالاضافة الى أهميتها العددية في المدن الكبرى والصغرى على السواء اذ تكون الأغلبية الساحقة من سكانها بدون ريب،لذلك فانها اكثر الطبقات العامة وعيا بحكم معارفها العملية الناشئة عن أعمالها التجارية وظروفها المهنية واتصالاتها المباشرة بدوائر الدولة ومراكز التجارة الكبرى في المدن كالشركات التجارية وتجار الجملة والمستوردين والمصدرين الكبار،وهي مراكز ليست تجارية فقط بل مراكز ثقافية في الواقع تكسب المتصلين بها خبرة عملية فتزيد في معارفهم وتوسع من نطاق آفاقهم للحياة.كما ان لهذه الطبقة خبرة سابقة في الاشتغال بالمسائل الوطنية العامة. وكانت من أهم مصادر قوة الحزب الوطني.وكان لتنظيمها النقابي اكبر الأثر في لم شتاتها وجمع كلمتها وقيامها ببعض وسائل الضغط الهامة على الحكومات القائمة آنذاك(اضرابات 1930 ومقاطعة شركة الكهرباء الأجنبية ومقاطعة الانتخابات النيابية).والاهم من كل ذلك ان هذه الطبقة اكثر الطبقات تأثرا بالتطور الاجتماعي والاقتصادي في المدن الكبيرة خاصة. وقد ظهر تطور اقتصادي جديد قبيل الحرب العالمية الثانية في المدن الكبرى في العراق وزادت الحرب(بما تجمع لدى البعض من ثروات طائلة)في حدة التطور فنشأت شركات كثيرة في بغداد والبصرة تحاول السيطرة بل احتكار التجارة الداخلية والخارجية في بعض المواد الأساسية كالشاي والسكر والأقمشة علاوة على تجارة الأراضي المربحة.ولاشك ان هذا التطور يقضي على حياة الكثيرين من أفراد الطبقة الوسطى الصغيرة،مما يجعلهم بحكم مصالحهم الاقتصادية اشد وعيا من غيرهم واكثر ادراكا لأهمية تنظيمهم واقرب مثالا من جميع الطبقات الأخرى لأمكانيات العمل الحزبي الفعال.على ان هناك خصائص خاصة في هذه الطبقة تضعف الامكانيات المذكورة،فهي من جهة تفصل بين المهنية والعمل السياسي اذ هي تشعر بحكم مصالحها بأهمية تنظيمها المهني لكنها لا تدرك بحكم ضيق افقها الاجتماعي أهمية العمل السياسي في هذا المجال.وهي على العموم جامدة لا تثق كثيرا بالتغيير والتطور وتكره دائما الأساليب الثورية ووسائل العنف وتشعر بحاجتها للدوام والاستقرار وابقاء ما كان على ما كان.هذا فضلا عن مزاجها الديني الحاد وتعصبها الشديد له وكراهيتها الفطرية لجميع الأفكار والاتجاهات التي تمس المشاعر الدينية من قريب أو بعيد.
هذه الحالة الاقتصادية والعقلية الخاصة لهذه الطبقة يجب ان يحددا الوسائل اللازمة لكسب هذه الطبقة والتكتيك المناسب لضمها للحركة السياسية الحزبية . فيجب أولا اعادة الحركة النقابية لهذه الطبقة والاهتمام الجدي بذلك والتعاون معها من الوجهة السياسية ..كذلك يجب توجيه الحزب وجهة ثابتة مقصودة نحو الاهتمام جديا بمصالح هذه الطبقة المباشرة سواء أكان ذلك في منهاج الحزب ومبادئه وأهدافه المباشرة ،أو في شعارات الحزب ووسائله في الدعاية والنشر أو في أعمال الحزب الفعلية وحركاته في العمل. ومن الوسائل اللازمة المناسبة لكسب هذه الطبقة الاستفادة من اجتماعاتها التقليدية وخاصة الدينية منها لنشر الوعي العام فيها بالطرق الملائمة لثقافاتها وعقلياتها.وعمل الحزب الوطني في هذا السبيل أيضا كاستغلال التعازي والأعياد والزيارات،الخ.وقد كانت لشخصية رئيسه المحترمة وبعض عناصر القيادة فيه الأثر الخاص في نجاح تلك الفعاليات .كما ان انضمام كبار رؤساء هذه الطبقة وزعمائها النقابيين للحزب المذكور اثر واضح في ذلك أيضا.
ت‌. المتعلمون- وهم فريقان :1- اليساريون . لاشك إن لليساريين في الطبقة المتعلمة في العراق كل الأهمية في العمل الحزبي المباشر إذ يجب أن يكونوا وحدهم المسيطرين على عناصر التوجيه في الحزب ومراكز القيادة فيه،ولذلك يجب دراسة هذه الجماعة بشيء من التفصيل. أول ما يلاحظ عن هذه الجماعة قلة العدد وسبب ذلك معروف يتعلق بالأنظمة العامة في العراق،وخاصة نظام التعليم المتصف بالطبقية من جهة،وبالمميزات الأخرى التي سيأتي ذكرها بعد حين .
وثاني ما يلاحظ في هذه الفئة قلة الدراية التي تتمثل في مظاهر مختلفة منها نقص المعلومات المنظمة عن النظرية الماركسية نفسها وعن تطبيقاتها المختلفة وتطوراتها الدائمة عند الأمم واتجاهاتها المختلفة في ظروف العالم الحديثة؛ومنها نقص المعلومات عن أحوال العراق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعدم الاهتمام الجدي بملاحظة مشاكله ودراسة ظروفه الخاصة،ومنها أيضا نقص المعلومات الاجتماعية العامة وعدم الإلمام بالاتجاهات المختلفة المعارضة للماركسية في الوقت الحاضر.هذا النقص البارز في الكفاية الفكرية وفي المعلومات العامة اتضح كل الوضوح في كتابات ونشرات وترجمات اليساريين في العراق وخاصة في مطبوعات صحيفة حزب الشعب.واذا استثنينا عزيز شريف من الحزب المذكور لوجدنا تأخرا مؤسفا في كتابات قادة هذا الحزب،وفي معالجتهم لمشاكل العراق المختلفة( توفيق منير والآخرين )،على ان المظهر الأكبر لنقص الدراية المذكور هو الخطأ في وسائل التطبيق أي نقص الالمام بالتكتيك الحزبي وعدم الاهتمام بالعوامل النفسية المحيطة بالأفراد والجماعات.وقد كان لهذا العامل أثر واضح في اختلاف اليساريين واهتمامهم بالتوافه دون اللباب.
كذلك من الظواهر الواضحة في هذه الفئة هو الانقسام والتشتت وكثرة الخلافات،ولاشك ان لهذه الظاهرة عوامل اجتماعية عميقة،بعضها يرجع الى الاختلاف الطبقي في هذه العناصر والظروف الاجتماعية المختلفة التي نشأوا فيها،والروح العامة المتباينة التي نشأت عن ذلك، والأمزجة المختلفة المتفرعة عنها ( عزيز شريف و كامل الجادرجي )والبعض الآخر يرجع الى المنافسات الشخصية و الاختلافات الخاصة التي ترجع أحيانا الى أصول تتصل بعهد التلمذة والدراسة والاشتغال المبكر غير الناضج في المسائل العامة،على ان أحد العوامل الكبرى في هذا الاختلاف هو العقلية الدوغمائية النظرية التي تتصف بها الطبقة المثقفة عامة والعناصر غير الناضجة منها خاصة.هذه العقلية التي تبعد أصحابها عن المشاكل العملية وتضفي عليهم طابعا خاصا من المثالية الفلسفية والتفريعات النظرية الفكرية البعيدة.ولعل اكبر سبب في تطرفهم ومغالاتهم(أمثال/ داود الصائغ)وعدائهم لجميع اليساريين العراقيين وتوجيههم جميع جهودهم وقواهم للقضاء عليهم بدل توجيه الجهود للقضاء على القوى الرجعية يرجع الى هذه(الدوغمائية)الفكرية.
ومن العوامل المهمة في هذا الاختلاف أيضا عدم ظهور شخصية ماركسية قوية تفرض احترامها على الجميع وتتمتع بمزايا خاصة من تاريخها أو ثقافتها أو مركزها الاجتماعي ينظم تحت لوائها الجميع.أي بعبارة أخرى ان تساوي مركز العناصر التي تشغل مراكز القيادة في هذه الفئة في الوقت الحاضر،أو شعورها بهذا التساوي عامل مهم في منافساتها واختلافها ورغبة كل منها في عدم السير تحت لواء الآخرين ..واحسن دليل على ذلك هو قبول اكثر عناصر هذه الفئة الالتفاف حول جعفر أبو التمن بالرغم من افتقاره الى جميع عوامل اليسارية الواعية،فلو ظهر رجل له مركز أبو التمن مثلا،ويعتنق الماركسية نظريا وعمليا بنفس الوقت لاستطاع لحد كبير ان يوحد جهود هذه الفئة ويقضي على الاختلافات المصطنعة بينها.
وملاحظة أخرى عن هذه الفئة هو عدم تحرر البعض منها للأسف الشديد من النزعات الرجعية المناهضة للماركسية فبعضها يوفق بين الشيوعية والعنصرية ويستغل الأولى منها لتطبيق وتحقيق الثانية وكثير من الشيوعيين اليهود من هذا القبيل.والبعض الآخر لم يتحرر بعد من عوامل الطائفية ولم يدرك الطبيعة الاجتماعية والأسباب العامة لظهور الطائفية. واخيرا فان بعض أفراد هذه الفئة بل بعض كبار التقدميين فيها لا ينظرون الى الشيوعية والاتجاهات التقدمية الأخرى الا بمنظار ثقافي خاص أي لا يدركون مضمونها الثوري وقيمتها في تبديل المجتمع ووسائلها في هذا التبديل .هذه الفئة تضع الشيوعية وضعها لسائر المدارس الفكرية الأخرى،باعتبارها تيارا عاديا من تيارات الفكر البشري بدون التفات الى الصفة الأساسية منها،صفة الكفاح الاجتماعي لتبديل المجتمع،أو بكلمة واحدة تضع هذه الفئة نفسها موضع المتفرج على(الرواية الاجتماعية)ان صح التعبير،وليس موضع المشترك في التمثيل.ولعل اكثر عناصر الحزب الوطني الديمقراطي من هذا القبيل.
والخلاصة عن هذه الفئة انها قليلة العدد ضعيفة الكفاية،موزعة الاتجاهات،ولكنها على كل حال المصدر الوحيد في الوقت الحاضر لإمكانيات الحزب الماركسي المطلوب وتسلم مراكز القيادة فيه،وسنرى بعض الوسائل الممكن استخدامها للعمل على توحيد هذه الفئة وشحذ وعيها الماركسي العام .
2- باقي المتعلمين(ولا أقول المثقفين لأن ثقافة هؤلاء الاجتماعية خاصة لا يمكن ان تعد ثقافة علمية بالمعنى الصحيح).ان أهمية هذه الطبقة واضحة في كل عمل اجتماعي حزبي في العراق لأنها الطبقة الواعية من جهة ومصدر القوى التوجيهية لطبقات الأمة الأخرى من جهة ثانية ، ولا يمكن في هذه العجالة دراسة هذه الطبقة بالتفصيل المطلوب بالرغم من الأهمية البالغة لهذه الدراسة لمعرفة الإمكانيات الإيجابية فيها واستيعاب مصادر القوة والضعف في ثقافتها وأمزجتها واتجاهاتها الفكرية.
أول ما يلاحظ على هذه الطبقة أحوالها الاقتصادية المزرية في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك الى عوامل عميقة تتصل بالوضع الاجتماعي العام في العراق وأنظمته السياسية والاقتصادية .وقد زادت الحرب الأخيرة في تردي الأحوال المذكورة لزيادة مستوى المعيشة وثبات إيرادات اكثر أفراد هذه الطبقة أو ايرادات آبائها.ولنأخذ مثلا على ذلك المحامين _ باعتبارهم أقوى عناصر هذه الطبقة في الإمكانيات العامة وانشطها فعالية في العمل …نظرة واحدة الى أحوال المحامين في العراق والى أسباب سوء أوضاعهم الاقتصادية ترينا ان مرجع ذلك يعود في الواقع الى تردي جهاز الدولة العام كله ، فيعود من جهة الى نظام العراق السياسي غير الديمقراطي حيث ان الرشوة والنفوذ الشخصي أهم الوسائل الموصلة اليوم لحل النزاعات القانونية ، فانفردت فئة قليلة من كبار المحامين باحتكار الدعاوى الهامة على حساب ضياع كل عناصر الكفاية القانونية والنشاط الفعلي لأغلبية المحامين وخاصة العناصر الناشئة فيها . كذلك يعود ذلك الى نظام العراق الاجتماعي حيث لا تتوفر في الأرياف والأماكن البعيدة وسائل المواصلات الكافية ووسائل الراحة البسيطة ، فتركز اكثر المحامين في بعض المدن الكبرى فقط في الوقت الذي يفتقر فيه الريف وهو موطن المنازعات الأساسي الى ابسط المحامين واقلهم كفاية . كذلك يعود التردي في الوضع الاقتصادي الى النظام القضائي العراقي خاصة حيث جرد القضاء العراقي الاعتيادي من أهم اختصاصاته الطبيعية ووسع اختصاص رجال الإدارة وكبار موظفي الدولة في المسائل الإدارية والمالية والعشائرية ومسائل التموين والتغذية ومشاكل السداد والري ، واصبحت المحاماة في جميع هذه المسائل الأساسية وقفا على فئة قليلة من أرباب النفوذ واصحاب الدراسات السابقة وكبار المتنفذين ، حتى من غير المحامين أنفسهم… وضاع بذلك على المحامين مصدر واسع كبيرمن مصادر دخلهم المشروع .كذلك يعود التردي المذكور الى نظام العراق الاقتصادي حيث تنعدم فيه المؤسسات الاقتصادية الشعبية التي تعتمد في البلاد الديمقراطية في كثير من أعمالها القانونية والاقتصادية وكل ما يحتاج الى استشارات عامة على المحامين واصبحت المؤسسات القليلة الناشئة في العراق كبعض الشركات الجديدة لا تعتمد بحكم طبقيتها وبحكم صلاتها ومصالحها مع رجال الحكم الا على الوزراء السابقين وبضعة أفراد من كبار المحامين .واخيرا يجب ان لا ننسى نظام العراق التعليمي وأثره في التردي الاقتصادي للمحامين حيث اقتصر على أعداد المحامين الناشئين أعدادا نظريا فقط ، فضعفت لديهم بعض الوسائل المهمة التي تربط فئة قليلة من المحامين الآن في العراق بالبنوك وبعض الشركات الكبرى كالتمكن من اللغة الأجنبية والاطلاع على قوانين التجارة الأجنبية والخبرة في بعض المعلومات العملية ك( مسك الدفاتر ) والمعلومات الحسابية …الخ…مما جعل هذه الأعمال وهي تكون مصدرا مهما لدخل المحاماة في العادة وقفا في العراق على بضعة أفراد من المحامين العراقيين ،وخاصة اليهود منهم ( يوسف الكبير – شينا وغيرهم).
والخلاصة ان الوضع الاقتصادي لطبقة المتعلمين ، وضع سيء جدا ، وهو يسير نحو التردي بالتدريج حيث تنحسر امكانيات التوظف ويصعب الاعداد للامتهان الحر.
بعد هذا ننتقل الى حالة المتعلمين الثقافية ومزاجها العقلي الخاص واتجاهاتها الفكرية ، وأول ما يصدم الانسان في دراسة هذه المسألة هو النقص الفاضح في المعلومات الاجتماعية لهذه الفئة والضعف البالغ في وعيها الاجتماعي والسياسي بالمعنى العلمي الصحيح ،ويمكن أن يلاحظ بهذا النقص مظهران أساسيان :
الأول – عدم تطبيق المقياس العلمي الموضوعي في المعارف والعلوم الاجتماعية . من المعلوم إن المعرفة بوجه عام سواء أكانت المعرفة الطبيعية أو المعرفة الاجتماعية ، ماهي الا صورة للعالم الخارجي المادي القائم فعلا في حيز الوجود . فالمعرفة الطبيعية ماهي الا دراسة وفهم الطبيعة الخارجية أي معرفة قوانينها وتطورها ومصدرها وسيرها بوجه عام. وكذلك المعرفة الاجتماعية ماهي الا دراسة المحيط الاجتماعي الخارجي القائم فعلا. أي دراسة الانسان بسائر علاقاته الاجتماعية بأخيه الانسان ، أو علاقاته بالطبيعة الخارجية بمعناها العام .والمقياس العلمي كما هو معلوم أيضا لا يمكن أن يكون الا انطباق هذه المعارف على حقيقة سير العالم الخارجي المذكور.وفي مجال العلوم الطبيعية لا نشك الآن في هذا المقياس الموضوعي . فإذا قلنا مثلا أن الماء يتألف من أوكسجين و هايدروجين فيمكن التأكد من صحة هذه النظرية بتطبيق المقياس الموضوعي بأخذ كمية من الماء فعلا وتحليلها في المختبر واكتشاف حقيقة تكونها من العنصرين المذكورين. أي إن هذا الرأي في الماء رأي صحيح من الوجهة العلمية لأنه ينطبق على حقيقة تكوين الماء.وبالرغم من بديهية هذا المقياس في العلوم الطبيعية فاننا نجد انه لا يزال بعيدا عن الهضم والتمثل في المعارف الطبيعية …ولنأخذ مثلا ( على كيفية تطبيق المقياس الموضوعي في المعارف الاجتماعية ) المثل الآتي من علم الاقتصاد :
قرأنا جميعا في كتب الاقتصاد المدرسية بأن عوامل الإنتاج أربعة هي : الطبيعة ، العمل ، الرأسمال ، المدير .فكيف نستطيع أن نقرر علمية هذه النظرية أي صحتها من الوجهة العلمية ؟ المقياس الموضوعي يقتضينا أن نأخذ الانتاج الفعلي كما يقع في الواقع . ولنأخذ مثلا إنتاج الأحذية محاولين تطبيق النظرية المذكورة عليه.ما هو عامل الطبيعة في عمل الأحذية ؟ لاشك إن الذي يقصده علماء الاقتصاد بالطبيعة هو جميع المواد الطبيعية قبل أن تعمل فيها يد الانسان. ولاشك إن المادة الأساسية الطبيعية في الأحذية هي الجلود.فكأن علماء الاقتصاد يقولون بأن الجلود هي العامل الأول في انتاج الأحذية …ولكن أليست الجلود هي مادة الأحذية بالذات أو بعبارة أخرى أليست الأحذية هي الجلود نفسها محولة من حالة طبيعية الى حالة جديدة بفعل عوامل الانتاج ؟ إن نظرة بسيطة الى هذه المسألة تبين لنا بكل وضوح بأن الطبيعة – وتمثلها هنا الجلود – ليست اذن عاملا من عوامل الانتاج ولكنها مادة الانتاج بالذات . وعليه فيمكن القول بكل اطمئنان بان الرأي المذكور القائل بأن الطبيعة هي العامل الأول في الانتاج ليس صحيحا من الوجهة العلمية.
كذلك يقول علماء الاقتصاد بأن العمل هو العامل الثاني من عوامل الانتاج ، ونظرة بسيطة الى انتاج الأحذية تقنعنا بوضوح بصحة هذا الادعاء من الوجهة العلمية لانطباقه على واقع الأمر لأن انتاج الأحذية لم يتم فعلا الا باشتراك العمل وتحويل المادة الأولية ( الطبيعة ) الى مادة منتجة قابلة للاستهلاك.
نأتي الى العامل الثالث وهو عامل الرأسمال .فمالذي يقصده علماء الاقتصاد بالرأسمال ؟ يقصدون في موضوعنا هذا ، ( أي انتاج الأحذية وسائر المنتجات الصناعية الحديثة ) المكائن والآلات .فما هو مقدار صحة هذا الرأي علميا ؟ لاشك إن الأحذية في هذا المثل لم تنتج الا بتشغيل المكائن والآلات ولكن ما هي طبيعة هذه المكائن والآلات ؟ نظرة بسيطة الى هذه الطبيعة ترينا بوضوح بأن هذه المكائن والآلات ما هي بدورها الا مادة أولية أي طبيعية ( حديد ، برنز وسائر المعادن الأخرى ) ، عملت بها يد الانسان أي اليد العاملة فحولتها الى منتجات اعتيادية كسائر المنتجات الأخرى ، وان كانت لا تستهلك مباشرة بل يتم استهلاكها في انتاج البضائع الأخرى ، وأذن فليست المكائن والآلات ،أي ليس الرأسمال ، عاملا اصليا من عوامل الانتاج بل هو مادة تنطبق عليها وعلى إنتاجها سائر عوامل الانتاج للبضائع الأخرى ، ولا يمكن أن تعتبر عاملا من عوامل الانتاج وعليه فأن الزعم المذكور في أن الرأسمال هو أحد عوامل الانتاج زعم غير علمي لأنه لا ينطبق على الواقع .
واخيرا نأتي الى العامل الرابع في الإنتاج وهو المدير ( الإدارة ) أو ما يسميه بعضهم ( بالتنظيم ) . ونظرة بسيطة الى هذا العامل ترينا انه ليس عاملا مستقلا اذ انه ينطوي تحت مفهوم العمل وهو لا يخرج عن كونه صورة من صوره بالذات .واذن فنتيجة تطبيق المقياس العلمي الموضوعي على هذه النظرية الاقتصادية في عوامل الانتاج اتضح لنا بأنها نظرية مغلوطة علميا ، لأن عوامل الانتاج تنحصر في عامل واحد ايجابي وهو العمل ، وما الطبيعة الا المادة المنتجة بالذات وما التنظيم والرأسمال الا صورتان للعمل بالذات .
على أن الطبيعة المتعلمة عندنا بوجه عام ويشمل ذلك حتى الطبيعة التي تحشر نفسها بين فئة العلماء من خريجي الجامعات الأوربية تفوتها هذه البديهية الاجتماعية فلا تعول في مقاييسها العلمية على هذا المقياس الطبيعي الموضوعي بل تتعداه الى مقاييس أخرى يمكن تقسيمها الى قسمين :
أ – أما مقاييس شكلية أي أنها تهتم بالشكليات والوسائل العلمية بدون اهتمام ( بالمضمون العلمي ) أي بانطباق المعارف الاجتماعية على الحقائق الاجتماعية الخارجية .من ذلك أنها تلتقي لاعتبار المعرفة علمية باحتوائها مثلا على الإحصائيات أو بكونها حافلة بالمصادر والوثائق والمستندات أو بكونها كتبت بأسلوب هادئ بعيد عن الحماسة والتأثر أو أنها منظمة مرتبة يجري فيها التسلسل السببي بشكل واضح .وليس وجه الاعتراض طبعا على هذه النظرة هو التأكيد على هذه الوسائل اذ من المعلوم أنها جميعا وسائل لازمة لمعرفة الحقائق الاجتماعية أي للتوصل الى السير الحقيقي للعالم الاجتماعي الخارجي ، ولكن وجه الخطورة والخطأ هو أنها تكتفي بهذه الوسائل وتعتبر توفرها كافيا لاستكمال الصحة العلمية بدون التفات الى أن هذه الوسائل جميعا لا تخرج عن كونها وسائل فقط ، قيمتها في أنها توصل الى الحقائق الاجتماعية وان المقياس الوحيد لصحة المعارف الاجتماعية هو المقياس الموضوعي المادي المشروح آنفا أي انطباق المعارف الاجتماعية على