الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة السادسة عشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة السادسة عشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري 

– علاقة الكرد بالمذابح الاثورية
من الحقائق المهمة التي يجب توضيحها في البدء , هي ان الذين قاموا بالتحرك ضد الحكومة العراقية من الاثوريين كانوا من المهاجرين وليس الاثوريين المقيمين في العراق اصلا او ممن يسكنون كردستان العراق مع الكرد, فهم يتقاسمون ارض كردستان وجبالها . ولم يشتركوا مع هؤلاء المهاجرين المتمردين , بل واكثر من ذلك وقفوا الى جانب السلطة العراقية, بل ودخلوا في صراع مع المارشمعون حول الزعامة على الاثوريين . ولم يقدموا له ولاتباعه عندما تحركوا ضد الحكومة العراقية مساعدة تذكر(1) .
وتجدر الاشارة , الى ان الاثوريين انقسموا منذ البداية , ما بين مجموعة قبلت بالسياسة العراقية , ومجموعة اخرى استمرت في تمسكها بزعامة المارشمعون ومطاليبه(2) .
اما عن مشاركة الكرد في هذه المواجهات المسلحة التي وقعت بين القوات العراقية والاثوريين في اب عام 1933 فامر يستوجب التوقف عنده لاسباب عدة, لا ينكر ان افراد من العشائر الكردية شاركت في اعمال السلب والنهب للقرى الاثورية , ولكن تلك الاعمال وباعتراف الوثائق البريطانية , والمصادر الاثورية , لم تقتصر على الكرد انفسهم , بل فعل الشيء نفسه افراد من عشائر عربية معروفة في المنطقة(3), وعندما وقعت احداث عام 1933 حثت الحكومة عددا من اغوات الكرد للوقوف معها ضد الاثوريين(4). غير ان رد هولاء عموما لم يكن ايجابيا , بل ان الكرد بصورة عامة تصرفوا بتحفظ , تجاه الاثوريين خلال تلك الاحداث حسبما تشير وثيقة بريطانية(5).
ويشير منتشاشفيلي الى ان عددا من العناصر اليمينية من القوميين العرب حاولت تحريض العرب والكرد معا , عندما دعتهم الى ” التكاتف ” لمواجهة الاثوريين , ومساندة قوات الحكومة العراقية(1). غير ان تلك الدعوة لم تجد اذانا صاغية لدى العشائر العربية والكردية في المنطقة التي نأت بنفسها , الا في حالات ضيقة جدا وفردية , عن المشاركة بالمذبحة التي وقعت للاثوريين(2).
وفي الواقع فانه حتى المصادر الاثورية التي كتبت عن هذا الموضوع القت باللوم في تلك الحوادث على القوات العسكرية العراقية , وعلى البريطانيين . وربما كان الدور البريطاني في ما وقع للاثوريين اخطر وأكثر أهمية بمراحل . اذ ان البريطانيين لم يتعاملوا بنزاهة مع الاثوريين , وتنكروا لوعودهم لهم , مثلما فعلوا مع العرب والكرد بعد الحرب العالمية الاولى , بعدما اتخذوهم حلفاء لهم في سنوات الحرب ضد خصومهم العثمانيون .
وقد ساهم البريطانيون انفسهم في زرع بذور التوتر بين الكرد والاثوريين عند بداية مجيئهم الى العراق . فان محاولة البريطانيين توطين الاثوريين في كردستان, تركت اثارا سلبية على العلاقات بين الشعبين . فالوثائق البريطانية نفسها تشير الى ان العديد من الزعماء الكرد , ومنهم الشيخ محمود الحفيد , والشيخ احمد البارزاني لم يكونوا محبذين لفكرة توطين الاثوريين الذين وفدوا من تركيا في اراضي كردستان . كما ان الشيخ احمد البارزاني طلب من السلطات الحكومية في الموصل النظر الى هذه المسألة بجدية , طالباً منها ايجاد الحلول الناجحة لها , لكن الاخيرة لم تبد موقفا ايجابيا من هذه المسألة(3) .
وقد كان تخوف الكرد من هذه المسألة مبنيا على خلفية مشاركة قوات الليفي التي شكلها البريطانيون في العراق في قمع الانتفاضات الكردية . فعلى سبيل المثال اشتركت عناصر الليفي مع القوات البريطانية في قمع أنتفاضة الشيخ محمود خلال الاعوام 1930 – 1931 , وحركة بارزان الاولى عام 1932(1) .
ويبدو ان بعض زعماء الاثوريين ادركو المرامي الحقيقية من سياسة البريطانيين بشأن استخدامهم لتنفيذ مخططاتهم في العراق , لذلك طلبوا من المندوب السامي البريطاني في العراق عدم اشراك الاثوريين في العمليات العسكرية ضد الكرد . وكان رد المندوب السامي , انه يدرك اسباب القلق لدى الاثوريين , لكنه لا يستطيع ان يعدهم بذلك(2) .
وفي الواقع فان استياء العراقيين من بعض ممارسات قوات الليفي احيانا لم يقتصر على الكرد فقط , بل انتقل الى العرب وفئات اخرى . ففي عام 1923 قامت عناصر من الليفي بتجاوزات على الاهالي في الموصل , اعقبها مصادمات بين الطرفين , مما دفع وجهاء المدينة ورجال الدين فيها الى رفع البرقيات الى رئيس الوزراء في بغداد يطالبون فيها بمنع دخول هذه القوات الى الموصل (3) .
وتكرر الشيء نفسه في كركوك في عام 1924 , حينما هاجمت مجموعة من قوات الليفي سوق المدينة مما اسفر عن سقوط عدد من المواطنين بين قتيل وجريح , وتأزم الوضع الى الحد الذي تطلب تدخل المندوب السامي البريطاني شخصيا , لتهدئة الامور , وذلك بعد زيارته للمدينة (4) .
وبخصوص حوادث عام 1933 فان روايات عدة تلقي بمسؤولية ما حدث على كاهل البريطانيين , بل توجهت اصابع الاتهام الى السفير البريطاني في العراق وعدد من المسؤولين البريطانيين فيه حول دورهم في دفع الاثوريين الى الصدام مع الحكومة العراقية . وتشير هذه الروايات الى ان الامر برمته قد دبر من جانب الاستخبارات البريطانية كي تضع حدا لمحاولات الحكومة العراقية المقبلة , اذا ما فكرت في تغيير معاهدة عام 1930 المعقودة مع بريطانيا(1). وقد انكر البريطانيون اي دور لهم في هذه الحوادث والقوا بالمسؤولية على الاثوريين انفسهم الذين عدوهم (( شعبا غاية في الصعوبة والريبة وعدم الهدوء )) , ولذا فان الصدام (( مع الموظفين العراقيين الحادي الطباع وغير المجربين كان حتميا))(2). حسب المصادر البريطانية.
وبشأن دور بكر صدقي , وهو الذي قاد العمليات العسكرية ضد الاثوريين , فان العديد ممن بحثوا هذا الموضوع عزوا الشدة التي استخدمها بكر صدقي , وافراطه في استخدام القوة ضد الاثوريين الى كونه مدفوعا بعواطفه القومية لكونه كرديا , غير ان الوقائع تدحض هذا الرأي(3). ففي الواقع ان سلوك بكر صدقي تجاه الاثوريين لم يكن بسبب الدافع القومي , بل لكونه كان يمثل القيادة العسكرية العراقية, وعندما واجه بكر صدقي الاثوريين عسكريا فلان الاخيرين بادروا بفتح نيران اسلحتهم على قواته التي كانت تراقب تحرك الاثوريين عبر الحدود مع سوريا اثناء لجوئهم اليها(4).
ومما له مغزاه ان القيادة العسكرية العراقية اصدرت بيانا بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد الاثوريين , شكرت فيه جميع (( فئات الشعب العراقي من عرب واكراد )) على مساعدتها في عملياتها العسكرية .
وفي رأي الدكتور كمال مظهر احمد فان القيادة العراقية ارادت من وراء اصدار هذا البيان باسم جميع طوائف الشعب العراقي , وبالصيغة الانفة الذكر , اضفاء نوع من المشاركة الجماهيرية على اجراءاتها القاسية ضد الاثوريين , التي راحت ضحيتها اعداد غير قليلة من الابرياء, كان بينهم عدد كبير من النساء والاطفال (5).
ونورد هنا شهادة الباحث الاثوري الذي كتب دراسة علمية موثقة ومعمقة عن محنة الاثوريين في عام 1933 , والذي القى فيه اللوم على المسؤولين البريطانيين الذين كما يقول خدعوا الاثوريين في نهاية المطاف , وكذلك على سلوك الحكومة العراقية الذي اتصف بالتسرع ورد الفعل غير المتوازن تجاه تلك الاحداث , في الوقت الذي يشير فيه الى دور الكرد وموقفهم خلال تلك الاحداث العاصفة فيقول :
” ويجب القول بان كثير من شيوخ الاكراد رفضواالمشاركة في مذابح الاثوريين بل اكثر من ذلـك
كانوا يقدمون الملاجئ للاثوريين فــي قراهم ومع ذلك لفقت الحكومـة العراقيـة تصريحا بان منظمـي ومنفذي جميع المذابح للاثوريين كانوا من الاكراد فقط . وان اكثر الخسائر الاثوريــةمتعلقة فقط بهجوم الاكراد الذين لم تحرضهـم الحكومة العراقية على ذلك ولكــن, كما تشير الدلائل, وقــف الاكراد وبشكل عام على الحياد تجاه نداء الحكومة العراقية حول ابادة الاثوريين
وحسب شهادة المشاركين , كما لهذه الحادثة اثر كبير على اضعاف حدة الارهاب المعادي للاثوريين”(1).
ويتفق العديد من الاثوريين المعاصرين مع هذا الرأي , اذ يؤكد سكرتير رئيس الحركة الكلدو – اشورية في العراق على حقيقة ان الكرد لم تكن لهم صلة بتلك الاحداث , بل ان الاثوريين تعايشوا في كردستان بانسجام تام مع اخوتهم الكرد , ومنذ ان انتهت تلك الاحداث المؤلمة في العام 1933 لم يصدر عن الكرد اي اعمال تستفز الاثوريين او تسيء اليهم , طوال السنوات اللاحقة وهذا يدحض الشائعات التي سرت لوقت طويل حول دور الكرد السلبي خلال محنة الاثوريين في تلك الاحداث الاليمة(2).
اما يوسف ملك خوشابا وهو اول ضابط اثوري تخرج من الكلية العسكرية العراقية عام 1935 , فقد اعطى وصفا دقيقا للاحداث التي وقعت للاثوريين . وموقف الاطراف المختلفة فيها في دراسة تأريخية(1)موثقة بالشواهد الشخصية والوثائق العراقية الرسمية بعيدا عن المبالغة او التهويل . فقد وضع مسؤولية احداث عام 1933 على الاثوريين انفسهم اولا , وبريطانيا ثانيا . ولم يشر باصابع الاتهام الى الكرد , مثلما لم يعدهم طرفا مسؤولا في تلك الاحداث .ويتأكد هذا الراي اكثر اذا ما درسنا ظروف وملابسات انقلاب عام 1936 , التي قادها قائد العمليات العسكرية ضد الاثوريين , بكر صدقي , وموقف الاخير من الحركات الكردية , والذي لم يكن اقل حدة في مواجهتها وقمعها , دون ان يمنعه عن ذلك انتمائه القومي للكرد .
المبحث الثاني : انقلاب بكر صدقي عام
1936
– مقدمات الانقلاب – تشكيل حكومة الانقلاب , وهيمنة بكر
صدقي على مقدراتها السياسية – موقف بكر صدقي من القضية الكردية
– مقدمات الانقلاب
يحتل إنقلاب التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936 صفحة بارزة من تأريخ العراق المعاصر ، وقد مثل أول إنقلاب عسكري في الوطن العربي.
وقد تناولت أقلام الكتاب، والمؤرخين ، ورجال السياسة في الداخل والخارج احداث الانقلاب وما رافقته من تداعيات ونتائج ، كانت رغم أهميتها وتعبيرها المحدود عن طموحات فئات إجتماعية جديدة لا تخرج في حقيقتها عن إطار الصراع التقليدي بين الفئات السياسية في البلاد من أجل السلطة والذي وصل ذروته في الثلاثينيات ، وإنعكس بشكل خاص في سلسلة الإنتفاضات والحركات التي كانت تستهدف الاطاحة بهذه الوزارة أو تلك .
ولا شك ان استياء الجماهير الفلاحية وبعض الفئات الإجتماعية الأخرى من الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية التي تسود البلاد ، عاملاً مهماً في نشوب تلك الإنتفاضات والحركات. وقد كان إنقلاب تشرين الأول الذي أطاح بحكومة الاخائيين(1) بمثابة تطور نوعي جديد في لعبة الصراع من أجل السلطة ، لكونه دشن بداية تدخل الجيش في الحياة السياسية في البلاد(2). ففي التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936 قاد بكر صدقي) 3( الانقلاب ضد وزارة ياسين الهاشمي . استغل بكر صدقي الذي كان قائداً للفرقة الثانية ، ووكيلاً لرئيس أركان الجيش قيام الجيش بالمناورات التي إعتاد أن يقوم بها سنويا في لواء ( محافظة ) ديالى للزحف على بغداد وإجبار وزارة ياسين الهاشمي على الإستقالة . وقد لعبت الخلافات(1(، والطموحات الشخصية لعدد من السياسين وكذلك ضباط الجيش دوراً كبيراً في هذا الإنقلاب(2) الذي أُعد له مسبقاً بالتعاون بين بكر صدقي والكتلة العسكرية من الضباط وقادة الفرق امثال عبد اللطيف نوري والمقدم شاكر وادي ، ومحمد علي جواد قائد القوة الجوية العراقية ، فضلاً عن بهاء الدين نوري مدير الحركات العسكرية(3). فضلاً عن الدعم العسكري الذي أمنه بكر صدقي فإنه كان بحاجة الى دعم سياسي ، وهو ما وجده عند حكمت سليمان الذي انشق عن حزب الإخاء الوطني(4) . وانظم الى جماعة الاهالي(5)التي يقودها جعفر أبو التمن ، أحد أبرز أقطاب السياسة في العراق.
وابرز معارضي حزب الاخاء الوطني(1) .
وقد وجد كلاً من حكمت سليمان وجعفر أبو التمن في بكر صدقي وكتلته العسكرية خير عون لتحقيق طموحاتهم السياسية ،خصوصا وان بكر صدقي كانت تنقصه الخبرة السياسية . فعرف الاثنان وخصوصاً حكمت سليمان كيف يستثمران هذه النقطة لصالحهما(2) .
في صباح التاسع والعشرين من تشرين الاول عام 1936 زحف بكر صدقي بقواته على بغداد ، في الوقت الذي قاد فيه محمد جواد قائد القوة الجوية ثلاث طائرات من سلاح الجو العراقي ، ألقت مناشير على بغداد ، تهاجم وزارة ياسين الهاشمي وتطلب من الملك إقالتها ، وتعيين حكمت سليمان رئيساً للحكومة الجديدة(3) ، وحملت هذه المناشير توقيع بكر صدقي(4). وقد ورد فيها تهديد بقصف بغداد في حال عدم إستقالة وزارة الهاشمي ، التي امهلت مدة ثلاث ساعات لتقديم استقالتها . ولم تفلح اتصالات الهاشمي مع قائد الانقلاب في منع زحف قواته على بغداد ، إذ أبلغ بكر صدقي الهاشمي , بأن قواته ماضية في زحفها بإتجاه العاصمة(5) . فور سماع الملك بالانقلاب قام باستدعاء أعضاء الوزارة ، وبحضور السفير البريطاني في بغداد للبحث في معالجة الموقف(6). وقد حاول وزير الدفاع جعفر العسكري أثناء ذلك التدخل لمنع قادة الانقلاب من تنفيذ خططهم(1) . وناشد الملك التدخل لوقف زحف الجيش على بغداد ، ولكن دون أن تفلح مساعيه في تحقيق هدفها(2) .
لم ينتظر بكر صدقي طويلاً ، فبينما كان مجلس الوزراء مجتمعاً قامت ثلاث طائرات من القوة الجوية العراقية بإلقاء أربع قنابل ، سقطت الأولى أمام مدخل مجلس الوزراء ووزارة الداخلية ، والثانية وقعت أمام دائرة البريد بالقرب من دار ياسين الهاشمي ، والثالثة في نهر دجلة ، بينما سقطت الرابعة أمام مقر مجلس الامة(3). فلم يكن أمام الحكومة مفر من تقديم استقالتها الى الملك الذي قبلها على الفور وذلك في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936(4).
ومن الجدير بالذكر ان وزير الدفاع جعفر العسكري كان قد قتل على ايدي ضباط موالين لبكر صدقي خلال زحف الجيش على بغداد ، وقد أثار مقتله ردود فعل عنيفة داخلياً(3) وخارجياً(5) . لكن هذه الواقعة لم تمنع الأحداث من أن تأخذ مجراها كما خطط لها قادة الانقلاب.

التآخي