الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة الثانية و الستون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة الثانية و الستون

  يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
 ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

يمكن ان نلمح الاشارات السياسية عند سون من بداية رحلته في كردستان في العقد الاول من القرن العشرين، أي من تعرفه بعض اكراد عشيرة الملي في كردستان تركيا، فقد لاحظ سون ان العائلة الكردية تقلق من تضييف شخص غريب غير كردي، اذ يذكر سون ما ان اجاب بالكردية مبيناً انه لا يفهم التركية حتى بدت عليهم الطمأنينة والرضا كثيراً وعدوه (اخاً كردياً).
ولابد ان لهذا الشعور بالرضا بتضييف شخص كردي له مبرراته السياسية والقومية، ولاشك ان هذه العوائل الكردية كان يسوؤها تضييف الاتراك وربما كان معظم هؤلاء الاتراك من الجندرمة او الموظفين او المدنيين الاستعلائيين على الكرد، وباختصار فان ما ذكره سون من انطباع عن العائلة الكردية الملية التي حل ضيفاً عليها، يرسم صورة لمناخ سياسي في تلك الفترة. واذا كانت هذه العائلة الكردية قد اعتقدت ان سون كردي ولكنه من قبيلة اخرى، فان سون كان قد عرف بنفسه في استنبول لاحد الاكراد على حقيقته – أي اوروبي – ولكنه يجيد الكردية. ان هذه الهوية عقلت لسان الكردي من فرط الدهشة، على حد تعبير سون، فهذا الكردي لم ير او يسمع عن اوروبي يتكلم الكردية. وربما لم يكن سبب انفعال الدهشة ان الموقف جديد وحسب بل لان الكرد كانوا في تلك الفترة يحلمون بإيصال صوتهم وواقعهم الى ما وراء الترك والفرس، فالترك والفرس كانا دوماً يعملان عمل الكماشة عسكرياً وسياسياً، لذا عندما يلتقي احد الاكراد اوروبياً يتكلم الكردية لابد ان يكون الموقف مثيراً لشجون سياسية تعتمل في الذات الكردية.
لقد كان الكرد يخضعون فضلاً عن اضطهاد الدولة المباشر لهم، الى مختلف العمليات التي من شأنها ان تقوض الوجود الكردي وعلاقة هذا الوجود بالاقوام الاخرى من خلال توريط الكرد بعمليات قتالية ومذابح من خلال تأجيج المشاعر الدينية واثارة الفتن بين الكرد المسلمين والكرد المسيحيين من جهة وعمليات غسل ادمغة الكرد بازاء وجودهم القومي حتى اصبح الكردي جيلاً بعد جيل تسره النكتة التي تصف فيه حالة (البلاهة) وهذا ما اشار اليه في وصف الكرد. ان ما يجعلنا نذهب هذا المذهب هو ملاحظة سون، لا بل اكثر من ذلك فقد لاحظ سون ان الكردي يحفظ بعض اشكال السجع الذي يحط من قدر لغته لقد ذكر سون بعض الابيات الشعرية التي قال عنها، داب القوم في كردستان على انشادها وهي: العربية رنانة
والتركية منجزة والفارسية مسكرة والكردية كريهة
نحن نعتقد ان مثل هذه الابيات التي لم نكن في الواقع قد اطلعنا على اصلها الكردي بيد اننا نعتقد ان سون كان قد سمعها فعلاً ومن افواه الكرد انفسهم، ما هي الا جزء من عمليات غسل الدماغ الكردي، المباشرة وغير المباشرة، المقصودة وغير المقصودة عبر قرون طويلة من السياسات الحاكمة للكرد من اقوام غير كردية يهمها كثيراً تغييب العقل الكردي وانتزاع كل اشكال الثقة بالنفس والاعتداد بالذات واستلاب الثقافة عند الكردي فهذه اسس استبقاء الهيمنة، وهذه حكاية بالية عانت منها الشعوب والمجتمعات المضطهدة عبر التاريخ. يلاحظ سون في مذكراته ان الكرد في تلك الفترة التي زار فيها كردستان كانوا على اطلاع لا بأس به بالامور السياسية سواء الخارجية ام تلك التي تتعلق بهم وعلاقاتهم مع النظم الحاكمة (305).
وربما كانت المعرفة بالسياسة الخارجية اكثر التصاقاً برؤساء القبائل والشخصيات الاجتماعية منها بالفلاحين وعامة الناس ومع ذلك فان سون يقارن بين الفلاحين الكرد والترك ويرى – وهذا رأيه الشخصي – ان الفلاح الكردي اذكى واعرف بالشؤون السياسية من الفلاح التركي لا بل يصف المزارع التركي بالابله ولا يزيد ذكاؤه على ذكاء بقرة، بل هو انقص مرتبة في الإدراك من المزارع الكردي ثم يستطرد سون ويقول ان الكرد يحاورون ويناقشون بحق، وهم يمثلون حالة فاضلة جداً بقدر تعلق الامر بحكومة استبدادية قائمة في تركيا الاسيوية الشرقية، وكردستان.
وكان سون قد لاحظ اثناء التقائه بطاهر بك الجاف سعة اطلاعه على القصتين البلقانية والكريتية ويثني سون على معرفة وقدرات طاهر بك في السياسة الخارجية ويذكر ان الكرد ميالون الى النظم الملكية اكثر من ميلهم الى النظم الجمهورية وهم أي الكرد يرون في الجمهوريين نفراً من الجماعات الناشطة في سبيل الشر مجردين من اي موهبة تؤهلهم لحكم بني جلدتهم، ويعلق سون على هذا الرأي بانه – صحيح الى مدى بعيد – (304).
ويعلل سون مناهضة الكرد للبرلمان التركي لان السلطان عبد الحميد قام بافضل ما يستطيع في وصل الكرد باستنبول وهي شبه متمدنة وكذلك لم يفرض عليهم الضرائب باطلاً ولم يقبض على رؤسائهم كيداً كما انه زود الاكراد الشماليين بالسلاح والعتاد والبزة الرسمية وسماهم الخيالة الحميدية واطلق لهم العنان (ليعيشوا) في أي مكان يحلو لهم ان يعيشوا فيه سلباً وغزواً. لا نعتقد ان مثقفاً كردياً حقيقياً يوافق على أي شكل من اشكال اضطهاد قوات الخيالة الحميدية لاقليات دينية في المنطقة، ولكن يجب ان لا نحلل الامور وان لا يحكم عليها خارج ظروفها الزمانية والمكانية. فالشعب الكردي كانت تهدده اكثر من مؤامرة، فالارمن يسعون لاقامة دولتهم القومية ولكن على حساب الجغرافيا الكردية والاثوريون يتصلون سراً بروسيا لاستعداء روسيا على الكرد وان صورة الكرد كانت دوماً مرشحة للتشويه لدى الرأي العام الاوروبي من خلال القنوات المسيحية الدينية هذا كله من جهة ومن جهة اخرى يبقى الكرد بين فكي الكماشة العنصرية التركية والفارسية وكل من هذين الفكين يحاول ان يمحق الكينونة الكردية ويمحوها من على وجه الارض.
لذا، فان هذه الامور لابد من ان تؤخذ بنظر الاعتبار فضلاً عن الكثير من المواقف المشهودة لدى عدد من الرؤساء الكرد في حقن الدماء وتسوية الامور بينهم وبين الرؤساء المسيحيين ومحاولة حل المشكلات (بالتي هي احسن) التي جاء ذكرها في هذا الكتاب.
ومما تجدر الاشارة اليه ان الكرد المسيحيين عندما كانوا يجدون مجالاً للتواطؤ مع اي جهة ضد الكرد المسلمين كانوا يهرعون دون الالتفات الى حقوق المعايشة التاريخية. ان الميجر سون يذكر لنا بعض المواقف التي اساسها الخلافات بين المسيحيين انفسهم مما جعل بعضهم يقيمون علاقات مع اقوام غير مسيحية من اجل القضاء على غريمهم المذهبي ومما يذكره سون في هذا المجال حول البطريركية التي جرى نقلها من الموصل الى جولمرك فيقول ان البطريركية التي نقلت الى الموصل قبلاً، جرى الان نقلها الى جولمرك، وهي قرية في قلب كردستان لا تمتد اليها غير يد الاكراد، وهم الذين كانوا يعيشون مع بعضهم على وفاق وصداقة حتى جاءهم الاتراك والرهبان فازاحوا الامراء القدامى الطيبين الذين اتوا يحكمونهم فيها واغروهم على ان يقلبوا ظهر المجن للكلدان وكان ذلك في سنة 1830 (200).
ويعلن سون على هذا ان الروم الكاثوليك أي اتباع الكنيسة الرومانية ومركزها روما عقدوا علاقات حقيقية مع الاتراك واضطهدوا الكلدان ويصف سون مثل هذا الامر انه عمل مخز. ان ما نريد ان نصل اليه عبر انطباعات سون ان كثيراً من مناطق كردستان كانت مسرحاً وليس مسرحاً واحداً لصراعات دامية منها صراعات قومية ومنها دينية ومنها مذهبية وان الموضوع اعقد من المفهوم السطحي التقليدي الذي يجعل من القضية قضية مذابح بين الكرد والمسيحيين.
ان سون نفسه يؤكد على شكل من اشكال التعايش المثالي بين الكرد وبين الارثذوكس في الجبال اذ يقول، كان الحزب الارثذوكسي في الجبال يزداد تأييداً وثقة، لقد عد اتباعه بين ظهراني الاكراد الغلاظ الشداد من محبي الاحتراب ايضاً وكانوا قد اتخذوا اللبوس الكردي واصطنعوا عادات الاكراد اذ استحال تفريقهم عن اهل الجبال المتوارثين وكان ان عاشوا معهم أي مع الاكراد على افضل ما يكون من الوفاق (200). والحقيقة لنا رأينا بصدد ما يذكره سون عن اتخاذ هذه الفئة اللبوس الكردي واصطناعهم العادات الكردية، كما جاء في نص الميجر سون. نحن نقول انهم يلبسون اللبوس الكردي ولم يصطنعوا عادات شبيهة بعادات الكرد بل ان هذا هو زيهم وهذه هي عاداتهم الاصلية لا لشيء الا لانهم اكراد اقحاح، فمن كان يعيش في كردستان قبل الفتح الإسلامي؟ اكراد يدين بعضهم بالزرادشتية ويدين الاخرون بالمسيحية وهؤلاء الاخرون كانوا بدورهم يدينون بالزرادشتية قبل ظهور الديانة المسيحية. وجاء الاسلام فدخل الشعب الكردي في الاسلام واما من لم يدخل الاسلام فلم يصبه ضر وبقي محافظاً على طقوسه وشعائره الدينية. اذن فان المسيحيين هم ليسوا بمسيحيين وحسب بل هم اكراد مسيحيون هم كردستانيون وطناً ومسيحيون ديناً مثلما هناك مسيحيون عرب ومسلمون عرب في الوطن العربي.
لقد استطاع الشيخ سعيد، الذي قتل عام 1909 في الموصل من إقامة علاقات جيدة مع السلطان عبد الحميد، ولكن على الرغم من هذه العلاقات الودية فان السلطان لم يستطع الا ان يذعن للضغوط التي وقعت عليه بعد اعلان الدستور العثماني 1908 اذ رفعت مذكرة (مضبطة) الى الباب العالي في استانبول والى مركز الولاية في الموصل ضد المرحوم الشيخ سعيد، فما كان من الشيخ سعيد الا الانصياع الى اوامر السلطان وترك مدينة السليمانية وقصد الموصل التي اقام فيها اقامة جبرية ثم قتل فيها مع ابنه الشيخ احمد اما الشيخ محمود فقد تم تهريبه الى السليمانية.
لقد قتل الغوغاء الشيخ سعيد في حادثة لم يكن له يد فيها ومع ذلك ما زالت القضية غير واضحة فيما اذا كانت للدولة يد تآمرية في القضاء على الشيخ سعيد ولكن على ما يبدو كان في رحيل الشيخ راحة للحكومة انذاك فما من حكومة ترغب في متنفذ. نعود الى سون الذي يصف الاحداث بمنظاره فهو بدوره غير جازم بالجهة التي تقف وراء هذا الحدث ولكنه يوحي بوجود قوى محركة للحدث اذ يقول: واخيراً اغرت الحكومة الشيخ سعيد وهي عارفة باستحالة استخدام القوة، وعلى الشخوص الى الموصل مع بعض افراد الاسرة، وكان ان احتجز فيها ثم حدثت الثورة بعد ذلك بقليل التي قتل فيها ولم تكشف هوية القاتل وسره ابداً (244).
ويعقب سون بعد هذا ان الغوغاء اندفعت وبصف واحد، والظاهر ان ذلك جرى على وفق توجيهات تسلموها اندفعوا الى بيت الشيخ سعيد واقتحموه ودخله نفر منهم وكان ان لقي الشيخ حتفه (244) والحقيقة فان مصادر تاريخية اخرى تصور الدقائق الاخيرة من حياة الشيخ سعيد بشكل مغاير لما يذكره سون، فعلى سبيل المثال نجد ان عبد المنعم الغلامي يذكر ان وفداً من الوالي قصد بيت الشيخ سعيد وابلغوه بضرورة ترك بيته لئلا يصاب بمكروه والحضور الى سراي الحكومة ليكون تحت الرعاية وطمأنوه على حياته، فخرج منصاعاً ومتردداً وسار مع اولئك الذوات يحمل المصحف الشريف بيده والجبة الخضراء على كتفه وما ان وصل قريباً من مدخل سراي الحكومة حتى رفع احدهم حجراً كبيراً من الارض وضرب به الشيخ سعيد من الخلف على رأسه فخر رحمه الله مغشياً عليه ثم فارق الحياة وهجم اخرون على خادمه ايضاً فقتلوه وهكذا قتل الشيخ سعيد ثالث ايام عيد الاضحى. ولم تكتف الغوغاء بذلك بل توجهت الى دار الشيخ وقتلت ابنه الشيخ احمد. اما اخوه الشيخ محمود فكان قد اخفى نفسه في دار المدعو خضر الهماوندي المجاورة لدارهم *.
لقد كان لمقتل الشيخ سعيد في الموصل دوي في ارجاء كردستان الجنوبية وكذلك عمت الفوضى في منطقة السليمانية اما في استانبول فقد القى الشيخ قادر سلسلة من الخطابات اللاهبة طالباً فيها باسم الشريعة الاسلامية الثأر السريع من القتلة والحقيقة يمكن الخروج بصورة تقريبية للواقع السياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه مدينة السليمانية قبل وبعد مقتل الشيخ سعيد ،أي قبل نفيه الى الموصل.
لقد كانت السليمانية مركزاً تجارياً لحاصلات كردستان الجنوبية كلها ،فهي مركز استيراد وتصدير فعال ففي الوقت الذي كانت السليمانية تصدر الحاصلات الكردستانية الى بغداد والموصل كالبسط والمواد الزراعية فانها كانت تستورد الاقمشة الحلبية والمنسوجات الاوربية لتصدرها الى بلاد فارس وكذلك انتعشت مختلف الصناعات وكانت القوافل التجارية تغادر السليمانية الى بغداد كل اسبوعين وكذلك تصل السليمانية كل اسبوعين ومثلها الى الموصل فضلا عن انها كانت محطا للقوافل القادمة من بانه ومريفان وسنة وساوجبلاخ (241).
والحقيقة اننا لا نود الدخول في بعض التفاصيل التي تخرجنا عن صلب موضوع هذا الكتاب والتزامنا بحدود الجوانب الانطباعية للرحالة والمستشرقين ولكن باختصار فان الميجر سون يعتقد ان الشيخ سعيد رحمه الله اثر كثيراً في تلك الحقبة من خلال سلطته الروحية وذلك بعد ان اقام علاقات جيدة مع السلطان عبد الحميد من خلال الشيخ قادر في استانبول حتى غدا مستشار السلطان عبد الحميد الديني فضلاً عن دخوله في حلف مع السلطان وعزت باشا في حلقة استغلال لمدينة السليمانية مما حدا بسون ان يخلص الى ما يشبه القرار في عباراتــه اذ يقول: اما الشيخ سعيد فعلى الرغم من انعدام تبعيته الرسمية، بالنسبة الى الوضع في السليمانية ،فلقد كان حرا في الاهلين واعتصار المنطقة الى الحد الذي لايبقى الا هو واسرته. لقد اغتنى كثيرا من وراء المدينة والبلاد وقد استهلكتا وخربتا (240).
ان الاوضاع السيئة التي باتت تعيشها مدينة السليمانية من فوضى ادارية سببها انهماك مسؤولي الدولة بالسرقات والرشاوى والابتزازات والضرائب القاسية لاسيما ما يسميه الميجر سون بطغيان الشيوخ كل هذا ادى الى ثورة الشعب في السليمانية وقد قاومت المدينة لمدة اربعة ايام وضرب الهماوند حصارا على المدينة وطرد متصرف السليمانية وشيوخ المدينة وكادت تسقط السليمانية تماما لولا ان وصل فوج من كركوك انقذ الموقف وسلم المدينة الى الشيوخ وعادت سطوتهم من جديد. يبدو ان الميجر سون متحامل جدا على الشيخ سعيد فيصف اعماله بعد عودته الى السليمانية أي بعد السيطرة على المدينة – والعهدة عليه – بانه قام بحملة سرقة مكشوفة وابتز من التجار اموالا كثيرة من دون مبرر وكان قتل الممتنعين عن الدفع فـورا سببا في اضعاف معنويـات الاخرين تماما (241-2). وفي موضع اخر يذكر سون ان الشيوخ اخذوا يشترون البساتين المحيطة بالمدينة جميعاً وفي الوقت نفسه فرضوا ضرائب على محاصيل الفواكه والخضار بالاتفاق مع سلطات المدينة فبدأ الشيوخ بنظام محصلة دفع (300) بالمئة على احمال الفاكهة التي تدخل المدينة تحت شعار (رسم دخول خاص) ان هذا التعامل مع اصحاب البساتين والمزارع المحيطة بمدينة السليمانية جعلت اصحابها يعمدون في غضون سنتين الى اشعال النار في اشجار الفاكهة التي يملكونها وفي تخريب قنوات الارواء العائدة لهم والهروب من المنطقة إلى ايران لممارسة زراعة التبوغ هناك لقد كانت عشيرة الهماوند من العشائر المهددة لسلطة الشيوخ لا بل كادوا يسيطرون على المدينة وارتأى الشيخ سعيد ان تتبع سياسة اسلوب الزيجات السياسية فضلاً عن اقامة العلاقات الودية مع الروحانيين في قره داغ لكي يأمن باس الهماوند. ومع كل هذا فان الامور بدأت تتغير وتضعف من موقع الشيخ سعيد لاسيما بعد اعلان انقلاب تموز 1908 في الاستانة اذ اعلنت تركيا دولة ذات دستور (243) فاختلفت موازين الامور لاختلاف سلطة السلطان العثماني الذي كان على علاقة جيدة مع الشيخ سعيد وما عاد الشيخ قادراً على الاستئساد والتحكم في ظل النظام الجديد وما عـاد السلطان نفسه –على ما يبدو- قادراً على ضمان الحماية والحصانة نفسها التي كان الشيخ يتمتع بها فارتأوا ان يترك الشيخ السليمانية الى الموصل وهذا ما حصل فعلاً ومن ثم اغتيل الشيخ سعيد في الموصل محاطاً بقصة تحتمل شكاً كبيراً في مصداقيتها كما ذكرنا وبعد مقتل الشيخ سعيد رحمه الله في الموصل عاد ابناء اسرته الى السليمانية وهم يتميزون غيظاً لمقتل عميد الاسرة وقد بيتوا النية للانتقام من تجار الموصل الذين كانوا من وجهة نظر اقرباء الشيخ وراء المؤامرة التي اودت بحياة الشيخ سعيد على الرغم من الاوضاع التي يتحدث عنها سون في تلك الحقبة لكننا نعتقد ان اسرة الشيخ سعيد تحظى بمكانة روحانية مقدسة ولاشك ان المدينة (السليمانية) قد هزها خبر مقتل الشيخ في الموصل، لكن سون يذكر ان السليمانية اجبرت على اعلان الحداد العميق واخذت الحاكيات والالات الموسيقية جميعاً من اصحابها عنوة ودمرت كما تم الاجهاز على حفلات الزواج جميعها فوراً وابدلت الى احزان وتم قتل بعض تجار مدينة السليمانية واستشرت حالة الابتزاز من جديد تحت حجة الانتقام وحدثت السرقات والسطو على البيوت وفقد الامان وكان المتصرف (المحافظ) ومدير الشرطة يتسلمان عمولتيهما اثر كل هياج تشهده المدينة (245) أي ان هذه الاعمال اللاقانونية كانت تجري نصب اعين السلطة لا بل كانت تمثل مصدر ربح مالي لولاة الامر في المدينة.
ويبدو ان بوادر الاصلاحات الدستورية بدأت تصل المنطقة إذ اوعزت إلى والي الموصل بالتوجه إلى السليمانية للتحقيق في المشاكل الرهيبة التي عاشتها المدينة بعد مقتل الشيخ سعيد ومعاقبة المبتزين لكن سون يذكر ان الوالي سقط في الخدعة قبل ان يصل السليمانية فما ان وصل جمجمال، حتى اسرع الشيوخ الى استقبال الوالي واحاطوا به مما جعل تجار المدينة غير قادرين على مقابلة الوالي وتقديم صورة حقيقية له، اما الناس فكانوا مستضعفين ولا يجرؤ احدهم على الشكوى، واما القلة القليلة من موظفي الحكومة فقد ابتيعت!! أي ما عاد لهم لسان بسبب الرشاوى وبيع الذمم ويبدو ان الوالي نفسه قد عاد (رابحاً) من هذه السفرة التحقيقية.

التآخي