الرئيسية » مقالات » فكاهة رمضان على التلفزيون المغربي من المساءلة إلى الاتهام

فكاهة رمضان على التلفزيون المغربي من المساءلة إلى الاتهام

لحظات عصيبة مرت خلال هذه الأمسية الرمضانية ، كان فيها الجدل عقيما وعلى أشده, كنا خمسة مدرسين ، وسادسنا حارس ليلي وكان موضوع السهرة هو” فكاهة رمضان “” ، لينزاح النقاش بعد ذلك ، من مسائلة التلفزيون المغربي إلى اتهامه .
محور التلفزيون المغربي ومستوى الإبداع ودرجة الموضوعية به، ثم إعلامنا الأرضي ذلك الغائب” والفضائي ذلك العائد بقوة”. فيما بعد شكل الإطار العام لندوة ساخنة على الهواء الطلق شارك فيها وبحماس رواد مقهى ايريس بالمدينة الجديدة.
لحظات كئيبة مرت ، كنت اعتقد أنني لن اقو على الكلام قط ،من فرط ما رصدت ورشفت من آيات التشفي والنكاية في ما تبثه القناة الأولى والثانية من تفاهات أوقات الذروة ، اختار لها مروجوها من الأسماء تجاوزا ” مبارك ومسعود” وبدا لي لحظتئد أن حجم الاستخفاف بقطاع عريض من مشجعي المنتوج الوطني فاق كل الحدود ، تحمست عميقا ، وقلت لزميلي :
الإبداع عملية معقدة يصعب تعريفها ومع ذلك يمكن أن ازعم أن الإبداع هو” ابتكار الشيء على غير مثال سابق. أو ربما إنتاج شيء ما على أن يكون هذا الشيء جديدا في صياغته وذا تأثير في مجاله وان كانت عناصره موجودة من قبل ” وقد تكون الأفكار الجديدة خارجة عن المألوف لكن يشفع لها كونها مفيدة وقد لا تجلب دمارا أو ضررا نفسيا ، فإذا حدث ذلك كما هو عليه الأمر الآن عقب كل إفطار ، فإن ذلك يسمى تخريبا ومسخا تشويها وتسطيحا وضحكا على ذقون المغاربة داخل المغرب وخارجه ، وهو بالذات ما خططت له جماعة مبروك ومسعود على شاشة الثانية.
والسؤال المحرج هوكالتالي ” ما الجديد في السلسلة غير السعيدة وغير المباركة مقارنة مع ما كورته وقدمته للأعور القناة نفسها والممثلان عينهما قبل سنة ؟؟؟ ما اللمسة الإبداعية التي ميزت أداء فهيد وطبعت سلوك الخياري؟
إن سوء الطالع ، والنحس الذي خلى المخرج مسؤوليته منه و الذي طبع المنتوج الرمضاني حوله بالقوة لا بالفعل إلى خواء . لتبقى معه فكاهة رمضان “ماهي مطلقة ماهي عروس” نعم خواء ورهان مفلس .هاهي أسباب النزول ؟

انكسارات فهيد ، وتخراج الأوداج مثل الديكة ، وتطريز الكلام بعبارات توليدية من بنات اللحظة والهوى للخياري :” زعماتيني راك فهمتيني ” وصفة مميزة لارتفاع الضغط ورفع منسوب السكر في الدم ، فهل السيناريست محترف الكتابة ” الذي دبج هذا الكلام من المع كتاب السيناريو في البلد ، ومن النخبة الواعية بشروط الكتابة الدرامية ؟ شخصيا لا أكاد اصدق..
ما قدم على التلفزيون من تفاهة تزامنا مع رمضان الفضيل عبارة عن تهريج وخزعبلات وهذيان مرضي لا يرقى بالممثل الى مصاف النجوم ولا بذهن المشاهد إلى المأمول من الارتقاء بالذوق ، وترقية الجمال و زرع الوطنية والتشبث بالهوية ، كما تنص على ذلك ثوابت الإعلام في كل البلدان. وبعبارة أخرى فان الشاشة الصغيرة عندنا مافتئت وفية التزامها المطلق في التعبير عن أن المغرب بلد الفولكلور والشعودة وحاجات تافهة..
فسواء تعلق الأمر بالثقافة أو بالفن . ثمة ما يسمى تجاوزا ، بمنتوج أو بدراما تقدم للكبار، وهي في مستوى عقول الصغار ، وأخرى تقدم للصغار، فلا تفي بالغرض سوى التغزل في ذاكرة الكبار. والنتيجة ، بؤس مفصلي ، وقبح مزمن ، وخواء فاضح .
ذلك، أنه ، للحقيقة والتاريخ، الصدق أقول, إن التلفزيون المغربي ليس وطنيا بما يكفي، ولا يستحقنا ، ليس لان مفهوم الثقافة والإبداع الفني والأدبي لم يسبق ترويجه على شاشته فحسب ، ولكن لانعدام الصدق والتهاب المشاعر في الإدراج ، حتى يكاد المرء يجزم انه لا توجد سياسة إعلامية رسمية جادة بهذا الخصوص ، كل ما هنا لك ، شطحات مفلوجة ، ليست من اختصاص احد سوى الفقاعات ، ولا يمكن أن تسند إلا كما تمنح الصفقات العمومية بالجماعات إرادة الشأن فيها إلى احد في المستقبل المنظور إلا لأصحابها… لهذه الأسباب فالمنتوج الدرامي على مستوى ترمومتر الثقافة الحقيقية و الهوية ، ليس وطنيا بما يكفي.
أما بخصوص ماجرى خلال الأسبوع الذي نودعه من عذاب نفسي وجسدي من طرف ” مبارك ومسعود” ، فقد كنت قلقا , غير راض, متمردا , مستاء غير مقتنع , ولا مستسلم، غير منصاع،ولا منقاد . وعلى نحومن الوضوح , كنت وقحا غاضبا، متقززا، فاتر الهمة، إزاء وضعية إعلامية استثنائية في ظرف سياسي دقيق ..تجمع كافة الأطياف على نعته بالعهد الجديد ..وهو كذلك.. ما تزال جيوب المقاومة ترغمه على التشبث بتلابيب الاستثناء . الأمر إذن , صاعقة…… لاجدال.
سددت إلى زميلي نظرة غاضبة،
وقلت بصياح :
أعطيني اسم مسلسل مغربي او أي عمل درامي نجح الإعلام المغربي في تسويقه خارج الحدود؟؟؟؟؟ وتابعت بحماس:
لنقم بجرد عام ، ولتكن السنوات العشر الأخيرة مجال بحثنا والتنقيب، لن نترك جنسا ،ولا دراما ، لن نعبث بها ،من السيتيكوم ، إلى المسلسلات إلى السلسلة ، والكاميرا الخفية …..
فكر مليا علامة على ارتباكه ، وفي لحظة همس :
لحظة من فضلك …..الأمر يحتاج إلى …تمحيص

هززت راسي علامة على عدم الموافقة ومضى يقول:
الذين شاهدوا التلفزيون على امتداد التسعينيات وبداية الألفية، لابد أنهم سيصعقون، ، سيضعون أيديهم على قلوبهم خوفا على مستقبل الهوية الثقافية والتاريخية بحق. لكن هل تسمح بطرح سؤال :

الإبداع الرفيع ، يا زميلي ،لا يظهر مطلقا في مناخ تنعدم فيه الحرية. هل نحن احرار بما يكفي للتعبير عن ما ينغل به شعور المغاربة ؟؟؟؟
وتابع جادا مستلهما ما دونه احد الزملاء في مقاله اليومي :
حتى تلك الأسماء الفنية التي نحكي انتفاخا صولة الأسد، وتصنف نفسها نجمة ، وتقول إنها جاءت في المقدمة ، فيجب أن تخجل..
– تخجل وهي في وقت الذروة أمام جمهور بالملايين “قال
وما علاقة الخجل بالإعلام ؟
أنها تعكسه ، أو يعكسها سيان .
إلى هنا الأمر ممكن
لكن…
تأمل الحكمة الآتية ، ” الأحجار التي نلقي بها في بئر سحيق دفعة واحدة ، هل تصل خط النهاية دفعة واحدة، وفي زمن واحد؟
خمن، فكر لحظة ثم أجاب :
– في بئر سحيق ،
– نعم
– لا بد أنها تسقط وتصل حجرا بعد الآخر.
– جيد

والآن هل يحق لحجرة أن تفتخر بأنها وصلت الأولى ، وهي في بئر سحيق وبالتالي ،هل ذلك مدعاة فخر…
– أبدا..أبدا مادام الكل في الهاوية..
– افهم من كلامك انك وضعت الكل في سلة واحدة، بما في ذلك الرواد والمخضرمون وشباب الجيل الجديد
– والتلفزيون أيضا …
– معك حق لقد أصبت كبد الحقيقية يارجل..
– أعوذ بالله…
“الفرد منا يقول كلمته في حق إعلامنا العمومي الغائب , ويمضي على درب المستقل ، يجتهد، يرسم علامات،يزرع بذورا،وقد تمر فتوات طويلة قبل اختمارها ،لذلك علينا وعليكم الانتظار. حتى لا نجني فاكهتنا حامضة..
-الحلاوة في الحموضة الآن..
– الحامض ..مادة مطلوبة، وغالية في السوق.
هذا كلام….
إعلامنا العمومي مريض بالكساح ، ويحتاج إلى طبيب نفسي وعناية سريرية مركزة. ، والمتعهدين مارقين ومتخاذلين ، ومؤسساته مغشوشة و تفتقد المصداقية ،ومستقبله حاضر ملتبس ، وانتخاباته مخدومة وعلى قد المقاس ، وحكومته فجة ومهجنة، ومناخه جفاف قاحل ،واقتصاده رهان فاسد ،وقانونه المالي لسنة2008هزيل ،ومناضلوه الذين قضوا ، من اجل الوطن ،تتقاذفهم تجار وكتبة أقلام مسمومة ،

ظل الترقب يضنيني، إلى حد الانتهاء من حديثه ، حتى أنني قفزت، واقفا ومتسائلا “لماذا أنت جاحد ، وغير متزن ، وقليل الصبر إلى هذا الحد ؟
قال بعنفوان:
ألى ترى كيف أن صحافتنا المكتوبة تشكل ترمومترا أمينا لهذه الحالة الكئيبة والمزرية ؟
أليست عيون النقاد والصحافيين ترصد كل شاذة وفادة، وتنشرها في الحين و اللحظة .؟
لا.لا. ليس ذاك ما اقصد
أنا اقصد .. إذا كان الفن يوالي حصد الهزائم بحلول رمضان من كل سنة ،فمن المنطقي أن يسال الأوصياء عليه أنفسهم عن سبب فشل أساليبهم وبالتالي يقررون إعادة النظر في سياستهم حيال جمهور واع ومتعطش وناقد ، وهو ما لا نعتقد أن أحدا من هؤلاء ينوي القيام به.

عزيز باكوش