الرئيسية » مقالات » ملاحظات على مذكرات عدنان عباس

ملاحظات على مذكرات عدنان عباس

عدنان عباس أسم لا ينسى في منطقة الفرات الأوسط فقد عمل فيها سنوات عدة شيوعيا متدربا وكادرا مجربا،عرفناه من خلال رفاقه والعاملين معه في اندفاعه وتمرسه في النضال وموقفه في أعادة بناء الحزب بعد الضربة الماحقة في شباط الأسود إلى جانب آخرين من كوادر المنطقة وأعضائها وفي المقدمة منهم شهيد حزبنا الشيوعي العراقي كاظم الجاسم (أبو قيود) وحدثني الرفيق أبو مثنى وهو من العاملين معه أو القريبين منه بعد ثورة تموز، أنه بعد الردة القاسمية ومحاولات قاسم لتهميش الشيوعيين ومغازلة القوى الرجعية والقومية ،نشرت الصحف صورة والده الشيخ بملابسه العربية وهو يعلن البراءة من عدنان لانتمائه إلى الحزب الشيوعي ولكن هذا الوالد البطل ذي المواقف الوطنية الرصينة أعلن التزامه بالنهج الذي عليه ولده ونشرت صورته إلى جانب تصريح يقول فيه (لي الشرف أن أكون والدا لعدنان الذي ينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي صاحب الإرث الوطني ونصير الفقراء)وأسرته الكبيرة والمعروفة على نطاق واسع في أرياف الديوانية قدمت إلى الحزب الكثير ،وسار في دربه المليء بالعبوات الناسفة التي كانت أضرارها كبيرة على هذه الأسرة الكريمة،وقد بادر مشكورا الأخ باقر إبراهيم وأرسل لي نسخة من مذكرات أبو تانيا أو أبو ناديا ، التي تفضل المؤلف الفاضل وأرسل لي نسخة منها ،فأصبحت أغترف من هنا وهناك،وأجول في هذه الصحائف باحثا منقبا عن صورة حاضرة أو لمحة غابرة،فوجدت الكثير مما يستحق أن يقال … ولكن وما العن هذه أللكن،فقد أليت على نفسي أن لا أكون طرفا بين متخاصمين في الوقت الحاضر،وأن لا أدخل في سجال ومساجلات، فقد ملئت الكدمات وجهي من الأقربين بله الأبعدين،ولا زالت أثار الدفع والرفع توجع خاصرتي،فأنا التفت فثمة حسيب ورقيب،وقولة الحق تثير جميع الأطراف، فأكون بين الدفع والجذب ضائعا كريشة تتقاذفها الأمواج،ولعلمي أن لا أحد يمتلك الحقيقة، أو يأخذ مكان المطلق، أو في منجى من الشبهات،رغم ما وجد لنفسه من بروج،ورأيت بين الواقفين من أمسك بسوط،أو أشهر خنجرا،وبينهم الفتى (ألغلامي) رافعا يده طالبا فض الاشتباك،خشية على من يحب أن يناله ما يناله من تقولات المتقولين،فرأيت الأولى أن أمر مرورا رقيقا حانيا،فالحق يكثر الأعداء والمجاملات تزيد الأصدقاء فإلى متى تبقى يا (أبن الغبرة) رافعا عقيرتك تلعن هذا وترجم ذاك،فرأيت أن أنزع ثوب العدالة وأرتدي ملابس الضلالة،(فما عادت تفرق هذه الأيام)فمن ضمنوا الواجهة لا يحملون في داخلهم أكثر مما تحمل،ولكنهم عرفوا من أين تؤكل الكتف وأجادوا هز البطن والردف،فتساموا في عليائهم ونظروا إلى غيرهم بكبرياء وصلف ،ناسين أو متناسين أن الجميع(ولد كريه،واحد يعرف أخيه) وأن (ما في قلب الضيف يقرأه المعزب)لذلك تستطيع قراءة هذا أو ذاك،ولكن هل تستطيع الكتابة بتجرد وموضوعية،كلا وألف كلا فما فينا الفيصل العادل ولا المنصف الكامل وأهوائنا وعواطفنا تركض أمامنا توسع لنا في الطريق،وعلى كواهلنا من الصراحة أحمال وأثقال جعلتنا في مؤخرة الركب بعد أن كنا نحدو في مقدمته،لا لشيء ألا لأننا قلنا وعملنا وهم لم يقولوا ولم يعملوا،فكانوا هم الفائزون ،ونحن في مؤخرتهم سائرون ،وإنا لله وأنا إليه راجعون.

لذلك ستكون لي ملاحظاتي العامة رقيقة لا تثير أو تغيظ،وأول ما لاحظت في مذكرات الأخ أبي نادية وأبي تانيا ، كما كنا نتداول أخباره وأسماره أيام زمان،وقبل أن تجرفه مدينة الضباب ليتأثر بأجوائها فيتناسى تانيا الروسية لتكون نادية الإنكليزية،:

*قصور العنوان،فالعنوان الأمثل هذا ما حدث لي بدلا من (هذا ما حدث)،فهو قد أغضى عن الكثير مما يجب أن يقال ،وركز على شيء وفاتته أشياء،فلم أجد له رأيا في الخطوط التصفوية التي امتدت وطالت كل شيء،ولم أجد ذكرا للانشقاقات التي أضرت ولا زالت أضرارها ندفع ثمنها كل يوم،ونخرت في الكيان الشيوعي إلى آخر الزمان،ولم أجد قولا في التحالفات الجبهوية وهو ممثلها عندما كان يقود منطقة الفرات الأوسط،وتجاوز أحداث جسام فيما ركز على أخرى،مما يعني أنه أختار من كثير وأفرز عن قصد،فكان ما حدث له هو مدار ذكرياته دون أشارة لأحداث كبرى،مما يعني أنها مسيرته دون غيره وسيرته دون سواه،وليست تسجيلا لأحداث عاصفة يجب أن يكون لها مكانها في التقرير والتحرير،لقد أحدث عدنان أحداثا،ونالته حوادث تناولها في استطراد حينا وتقصد حينا آخر وتجاوز عن الكثير مما يقال وأفاض في الكثير مما لا يقال،والهدف من أي مذكرات أن تكون صورة عن ماض غابر،وبناء لحاضر زاهر،فليس من المجدي أن يكون هدفها هدما لبناء،دون عدة لبناء جديد،ومن أراد بناء عمارة جديدة عليه رسم خارطتها وحساب كلفتها وتدبير تكاليفها،فهل هناك من بناء جديد يقدر له الارتفاع دون حساب ودراسة لأرضيته،فالأرض الهشة اللينة لا يمكن البناء عليها إلا لمن أراد إشادة كوخ صغير،فهل تتوفر الأرضية لبناء جديد في أرض طفح مائها حتى ملأ الأرض،في الوقت الذي نمتلك دارا نستطيع بإعادة ترميمها وإصلاح التالف منها بناء طبقات تعلوا وتعلوا حتى تناطح السحاب،لأننا نعرف أرضيتها وقدرتها على تحمل ما يزيد من أثقال.

*لقد قرأت وقرأت مئات الكتب من سير الأشخاص وذكرياتهم،ولعلها من أكثر الكتب قربا إلى نفسي وذائقتي،ولكن للأسف الشديد لم أجد في أي منهم (جان جاك روسو) في صراحته ‘أو اللورد (بايرون) في وقاحته،فالجميع يتحدث عن مآثره وبطولاته وسلبيات الآخرين وجبنهم وخياناتهم،والجميع يمتلك من الأدلة العقلية والنقلية ما يجعل من مجايليه ممن يختلف معهم في رأي أو عمل ،عملاء وخونة،ويحاول ما وسعه الجهد أنزالهم من عليائهم إلى الحضيض واثبات نقائضهم ومثالبهم وكشف سوأتهم أمام الآخرين،ناسيا أو متناسيا أن هؤلاء كانوا في يوم من الأيام رفاق درب ورواد مسيرة سار معهم دروبهم وجالسهم وعايشهم وقضى معهم سنينا طالت أم قصرت كانوا فيها أخوة على سرر متقابلين،وعاشوا أعواما في سجن أو وكر أو زنزانة،وتقاسموا حلو الحياة ومرها،وكان يضفي عليهم من الألقاب والنعوت ما يجعلهم في مصاف الآلهة،أو يرتبطون بعلائق عائلية لن تبلوها الأيام ،وصداقات لن يقطعها رشد أو ضلال،ولكنه بعد أن أختلف معهم وجد لهم عيوبا أنكرها وأخلاق أستهجنها ،وأعمال أستنكرها،فأين كنت عنهم أو كانوا عنك ،ولماذا لم تسدد خطاهم أو ترشدهم لما فيه النفع والخير، لقد قرأت في مذكرات بهاء الدين نوري أشياء وأشياء جعلتني العن جميع كتاب المذكرات،فقد تطرق لأمور عن رفاق عاش معهم عشرات السنين مما لا يصح التطرق لها حتى مع أعدى الأعداء،تشمئز منها النفوس وتنبوا عنها الألسن وتنكرها حتى ذوات الرايات،وجعل من الآخرين مجموعة من الأخطاء والنقائض وكأنهم أعداء الداء وليسوا رفاقا عاش معهم عشرات السنين وقاسى معهم المحن والويلات،ولا أعتقد أن دافعه لذاك خلاف فكري أو اختلاف عقائدي،ولكنها خلافات لا مبدئية لها توجهاتها الأنانية وأسبابها الشخصية أفرغها في أطار عقائدي جذاب،وجعلته يسود مئات الصفحات في ذم هذا وهجاء ذاك،فيما جعل نفسه بمنآي عن أي خطأ أو زلل ،وحمل الآخرين أخطاء المرحلة كلها رغم أنه مشارك فعال في الكثير من أحداثها ومواقفها،وهو المتهم منذ الخمسينيات بتطرفه اليساري وتوجهه الصبياني وتكتله بعد ثورة تموز مع عصابة الأربعة جلب النكبات للحزب والشعب ولا زلنا ندفع ثمنه كل يوم..

*وأطلعت على مذكرات لرفيق غادرنا إلى الرفيق الأعلى ،ولا زالت مخطوطة أحتفظ بنسخة منها،أمور وأمور في أذاعتها الكثير من الزراية والانتقاص لأشخاص نحمل لهم في داخلنا الإعجاب والتقدير،ولو قدر لهذه المذكرات أن تنشر لكانت روائحها تزكم الأنوف،وحدثني رفيق أثق بصدقه بأمور جعلتني أكره حتى نفسي عندما أطلعت على الكثير من الصور التي كانت زاهية وقد تحولت إلى سواد وقتام،وهنالك الكثير مما سمعت وقرأت ورأيت فإذا كانت هذه المسيرة الطويلة حافلة بمثل هذه النقائض والنواقص والإرباكات،فأين نجد الكمال،وأين هي تلك الصور الرائعة التي سنظهرها للأجيال،هل يسر الجيل الجديد أن يرى أعمدة الحكمة وقادة العصر على هذا المستوى من التهافت فلا تجد بينهم من يستحق أن تقول له أحسنت وأجدت،وأين هي الحسنات التي ذكرها الآخرون عن رفاقهم إلا التي جاءت عن طريق المجاملة والطبطبة على الأكتاف فيما يكون لآخرين لنا خلاف معهم صور تسر العدو وتحزن الصديق،أن المذكرات السليمة التي تستحق أن يقال عنها أنها مذكرات موضوعية تلك التي نجد فيها أخطاء صاحبها واضحة بارزة دون رتوش،أما أن نجعل من الآخرين ضحايا أكباش فداء ونخرج نحن ظافرين فهذا افتئات على التاريخ وضحك على الذقون وذبح للحقائق التي ستضيع بين هذا وذاك ويكون منهجنا كمنهج صدام في كتابة التاريخ،لا تجد فيه إلا صورة واحدة هي صورة القائد الذي لا يأتيه الباطل من أمامه أو خلفه وتلك لعمري مهزلة التاريخ،ولا يتصور القارئ الكريم أني أقصد بذلك مذكرات الأخ عدنان ،فأن الرجل رغم كل شيء كان له رأي أفصح عنه بوضوح ولكنها لمحة عابرة عن طبيعة المذكرات وكتابها في العراق،أردت من خلالها أن أنفذ إلى داخل مذكراته لأقول ما أقول فيها من رأي رأيته أو قصدا قصدته، فقد امتدت هذه المذكرات لفترة طويلة حافلة بالكثير من الأحداث ،وتحتاج إلى المزيد من الدقة في تناولها لذلك سنرجئ الحديث عن المذكرات إلى الحلقة التالية التي سنحاول فيها مناقشة الأمور بتجرد وعذرا لكل من يرى في قولي إساءة ،فلست ممن يسيئون ولكنه رأي لعل فيه صواب مقبول أو خطأ يحتمل التأويل والتعليل وعسى أن لا أكون متحاملا على أحد فكلنا نسموا لهدف واحد وأن تعددت الدروب واختلفت المسالك.

يتبع