الرئيسية » مقالات » تعليق على أستاذنا عبد الرزاق عيد

تعليق على أستاذنا عبد الرزاق عيد

في الحقيقة ترددت كثيرا قبل أن أكتب ردي هذا على مقابلتك الأخيرة لكن كان ضروريا لا أن أقوم بالرد بل أن أوضح رأيي فيما يجري لنا كبشر في ظل هذا النظام السوري الذي استنزف أرواحنا و عقولنا لدرجة لا تصدق بدرجة قهره و قمعه و إلغائه لنا كبشر..أنا أيضا أستاذ عبد الرزاق , كم راودني ذلك النقد الذي خصصت به الرعاع الريفيين كلما وقفت أمام عنصر أو سمه ما شئت من أجهزة الأمن الذي يستخدمون اللهجة الريفية أو غالبا لهجة جبال العلويين , و أعترف شخصيا بكم الغيظ و الكراهية التي تمكن هؤلاء من أن يخلقوها داخلي و بالنفور الشديد الذي أحس به و كل سوري بالتأكيد منهم..تحدثت أيضا عن شريك آخر في النظام : حثالة المدن و الأطراف , مقابل هؤلاء الذين لا يحملون أية قيم أو أخلاق , مما أسقطته على النظام الذي لا يعرف شيئا عن الحرية أو العدالة أو غيرها من القيم التي هي في الواقع قيم لا سلطوية بل قيم جماهيرية بامتياز قيم تخص الرعاع الذين في قعر المجتمع , هناك أبناء العوائل المدينية أو “أولاد الناس” الذين كانت منهم البرجوازية الوطنية السورية التي حكمت بعد الاستقلال و التي بسبب تسامحها الوطني فتحت أبواب الجيش لتلك الطوائف لتفتح لهم الباب نحو السيطرة على البلد من باب الانقلابات العسكرية و من ثم القمع الموجه ضدنا كبشر كمجتمع..من المؤكد أن الرعاع الذين تحدثت عنهم يحملون أيضا كما كبيرا من الكراهية تجاه الآخر أيضا السني المديني الذي يمثل لهم ماضي الاستغلال اللاإنساني عندما كانت أمهاتهم تباع في قصور المدن كخادمات و عندما كانوا جميعا مع حيواناتهم و أراضيهم جزءا من ملكية هذا الإقطاعي أو ذاك , الأكثر خبثا هنا هو هذا النظام الذي يحاول أن يدعي أنه بوضعه بسطاره العسكري على رقاب كل السوريين إنما يمثل هؤلاء سواء ماضيهم أو حاضرهم أو مستقبلهم..أ ليس من الملفت للنظر هنا أن النظام , خاصة الشخوص الأكثر غباء و همجية بينهم كالعم رفعت في السابق و كفواز الأسد مثلا , يتصرفون تماما كأسياد الأمس “المدينيين” “أبناء الناس” خاصة مع أبناء طائفتهم ؟ طبعا يبقى هذا العنف أكثر احتمالا و أقل إثارة من العنف الذي يستهدف الطائفة الأخرى – السنة الذي يصبح تحت المجهر أكثر من أي عنف آخر , هنا أيضا يصبح تاريخ العنف و التهميش و الاستغلال الذي مارسه أولاد العوائل المدينية البرجوازية السنية ضد فلاحين و رعاع و حثالة سنة أقل أهمية و ربما في حكم المنسي أو المعفو عنه كما في جرائم أمراء الحرب الأهلية اللبنانية ضد اللبنانيين أنفسهم التي قرروا هم إسقاطها و إعفاء أنفسهم منها في إطار استعدادهم لحروب جديدة و ضحايا جدد..أستاذ عبد الرزاق لقد انتصر علينا النظام , لقد أعادنا إلى حالة بدائية عندما تمكن من أن يسبغ على ما يفعله بنا صفة الحالة الطبيعية عن الاستبداد و عن القمع و القهر كحالة طبيعية يجب فقط تحديد ضحاياها المستحقين أو الجديرين لا أكثر , تحدثت عن النبل و التسامي الوطني للنخب البرجوازية الحاكمة بعد الاستقلال التي فتحت لهم باب الجيش , هكذا أصبح الجيش , كالوطن و كل شيء آخر في المحصلة الأخيرة , ملكا للحاكم و كم كان من كرم الأخلاق أن يقرر ذلك الحاكم فتح باب الجيش , ملكيته الخاصة , أمام آخرين من نفس الوطن لكن من خارج الطائفة أو الطبقة , تحدر أهل النظام من أوساط رعاعية معدمة يعني أنهم لا يملكون أية منظومات قيمية عن الشرف و العرض هكذا تقول و هنا ليست القضية في الحديث عن أية منظومات قيمية يملكها بشار أو ماهر أو آصف أو حتى ابن الخال مخلوف , من المؤكد أن الطاغية , حتى الصغير , لا يعرف إلا القمع و العنف حتى في أكثر أشكاله وحشية و لا يعرف إلا التهميش إلغاء الملايين أمام وجوده الأولي الوحيد الواحد , لكن من الضروري التأكيد أن النظام القائم ليس نظام الرعاع أو الحثالة الذين تحدثت عنهم , إنه نظام يعيد إنتاج استغلال و تهميش هؤلاء الرعاع و الحثالة و يعيد إنتاج الظروف التي خلقتهم وستواصل خلق وجود رعاع و حثالة بشكل مستمر إلى ما لا نهاية , النظام لا يمثل الرعاع و لا الحثالة , إنه يشبه نظام المماليك الذين سيطروا بالسيف على المجتمع يومها بعد أن انقضوا على أسيادهم الذين استخدموهم لحمايتهم فأقاموا نظامهم على السوط الذي كان يلهب ظهور الرعاع و على نهب هؤلاء الرعاع دون رحمة , لكن في القرن 19 و 20 كان أحفادهم يمثلون الأرستقراطية الجديدة التي كانت تنظر بعين الاحتقار للرعاع و الحثالة..وصفت أكرم الحوراني بأنه محررهم من العبودية و القنانة , هكذا يصبح خضوع أجزاء واسعة , إن لم تكن الأكبر في قعر المجتمع للعبودية و القنانة لأولاد الناس حالة طبيعية و أن يكون تحريرهم على يد الحوراني منة ما بعدها منة , فهم مثلهم مثل العبيد , يجب أن يدفع شخص ما ثمن عتقهم أو يقرر سيدهم عتقهم من عبوديتهم , هذا هو الشكل الوحيد للتحرر من نير العبودية , لأنه يجب احترام الملكية الخاصة كشيء مقدس أقرب إلى مركز للعالم , لا يحق للعبد أن يخلص نفسه بنفسه , ملعون هو ذلك العبد , هذا هو منطق التحرير القادم , احذروا الناس و الرعاع , فقط أنتجوا سلطة النخب المهذبة الواعية المتنورة..أخيرا عن اللغة التي استخدمتها كوصف السيدة فداء الحوراني كسيدة الحرائر , من المؤكد أن صمود الدكتورة فداء يستحق أن يكون مضربا للمثل لكن أن تكون سيدة للحرائر فهذا يشبه بيت شعر لدريد بن الصمة أو فتوى لابن تيمية , هكذا أصبحت لغة ابن تيمية و ابن حنبل و شعراء القبائل الأمويين الذين يمارسون هجاء الآخر و قيمهم جميعا هي اللغة التي نقيم الناس وفقا لها , مع الديوث و قيم الشرف و العرض , أستاذنا , لقد نجح النظام بقمعه الهمجي و بعلاقاته اليومية التي تسحق كل إنسان تحت وطأتها في أن يدمرنا من الداخل و أن يحيي منطق الحجاج و بني أمية كحقيقة مطلقة و أن يعلن القهر قاعدة للحياة و أن يجعل من قضية التغيير قضية إحياء أشكال الاستغلال القديمة الأكثر تهذيبا ما دمنا لم نكن ضحاياها شخصيا..أخيرا لماذا يجب أن يشعر النظام بالخجل أمام العالم و المجتمع الدولي , أمام مجموعة الأشخاص الذين يرتدون البزات السوداء و يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن العالم بأسره , و ليس أمام ضحاياه أولا على الأقل الذين يصبحون مجرد “شيء” لا علاقة له بالحرية و كان هذه الحرية تخص مخلوقات أخرى تعيش هنا تحتاج فقط لصناديق الانتخاب لانتخاب أولاد الناس , النتيجة المؤكدة و المضمونة للديمقراطية هذه , إنها حرية أولاد الناس لا الرعاع و لا الحثالة..حسنا هكذا ينتصر النظام في شكل قهر جديد ضد ضحايا جدد ضد رعاع و حثالة محكومين بالجحيم إلى الأبد و هكذا يعيد الزمان كرته من جديد……لن ينتهي الشقاء كما قال غوخ !!