الرئيسية » مقالات » حول فكرة {الأب القائد}!!

حول فكرة {الأب القائد}!!

دار حديث بين اثنين من المثقفين حول مشكلة “المجتمعات الأبوية” و التي تعتبر أن الشعب كله هم أبناء للدكتاتور و تساءل أحدهما عن ماهية الحل الذي يمكن أن يجد طريقه إلى هذه المجتمعات؟ فقال الآخر:

ــ الحل الأمثل لهذه المجتمعات أن يتزوج الدكتاتور كل نساء الشعب ليكون الشعب فعلا أبناء للدكتاتور..”!!

هذا الجواب طبعا هو للنكتة ليس إلا لكنه تعبير عن جسامة و فداحة مصيبة هذه المجتمعات و التي تعاني الآن – و أغلبها في عالمنا الإسلامي – من إنهيار شبه شامل و في كل المجالات النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و لا تتوفر في هذه المجتمعات حتى أبسط مقومات القانون و العدالة الاجتماعية و يتسلط فيها أراذل القوم بينما الحكماء و العقلاء في السجون، لا بد لهذه المجتمعات من تغيير، سواء كان هذا التغيير من داخل أو عبر قوة خارجية، و لحالة مزمنة كالعالم الإسلامي المصاب بعقدة الوثنية حسب النمط الشرقي – حيث أن الوثنية الغربية كانت تختلف جذريا عن الوثنية الشرقية كون الوثنية الغربية كانت تقدس الإنسان و الطبيعة – هذه الوثنية تتمثل في عبادة كل زعيم و قائد، و هذه الظاهرة غالبا ما تبرز في مجتمع العشيرة الذي يقدّس الذكورة، فإن التغيير على الأغلب يكون من خارج كما حصل في تجربة نظام الإجرام البعثي و الذي تم عبر التعاون بين أبناء الشعب العراقي و قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، و الحقيقة أنه و لو لا انتفاضات و ثورات الشعب العراقي ضد صدام و بعثه الدكتاتوري لما قامت قوات التحالف و لا حتى بمجرد التفكير في الإطاحة بالبعث.

تقوم عقلية المجتمعات العرقية القومية و الدكتاتورية التوتاليتارية على أساس نظرة ضيقة متخلفة مبدأها أن الدكتاتور و الزعيم القومي هو “الأب القائد” و “الأب الزعيم”، “الأب المناضل”، “الأب الخالد الذي لا يموت” برغم أنه مات و شبع موتا، و هذه العقلية هي نوع من العبودية المقنعة و الملثمة بالشعارات و البروباكاندا التي ترسم في الغالب صورة “لماعة” كاذبة هي نقيض الواقع البائس و المتخلف، و كثيرا ما يلجأ هؤلاء القوميون و الدكتاتوريون إلى خلق نوع من التدين الطقوسي “المزيف” لإبقاء العقل مخدرا ضمن تفكير أسطوري يرسم صورة جميلة للآخرة في واقع مر و بائس.

في هذه المجتمعات التي تنظر إلى الدكتاتور و الطاغية على أنه “الأب القائد” و أنه كل شيء، في هذ المجتمعات يحصل نوع من التحالف “الشرير” بين الدكتاتور و زبانيته و رجال الدين و سلطة الكهنوت من جهى أخرى، الدكتاتور يتبنى عقيدة هؤلاء الوعاظ و المرتزقين باسم الدين و هم بدورهم يقدمون لهذا المستبد و الدكتاتور الشرعية الدينية و مزيدا من التخدير لعقل الشارع و الشعب و منعه من التفكير في فساد السلطة و زمرة و حاشية هذا المستبد، و طبيعي أن بيئة كهذه تكون سببا في خلق تخلف و بيئة عسكرتارية يكون قوامها أن يتحول المجتمع إلى مجموعة من الطبقات يتجسس بعضها على بعض و يندفع أغلب هذا المجتمع المنكوب في خضم معارك “التحرير القومي”!! التي تنتهي على الأغلب بكارثة تمدر كل مقومات المجتمع، إلا أن تجربة تركيا مع القومية تكاد تكون الوحيدة التي لم تجر البلد إلى الكوارث و ذلك بفضل تبنّي النظام العلماني الصارم و الذي منع رجال الدين من استغلال السياسي و السياسي من استغلال الدين، و أعتقد أن مصطفى كمال تبنى القومية كبديل مؤقت لاستغلال السلطة و المجتمع للدين كتبرير للفساد و الانحلال و التخلف، و هذه القومية آخذة في طريق الإصلاح و التغيير ليصل الأتراك في النهاية إلى النمط الأوروبي الإنساني.