الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة جدا- (كان عادلآ وسليمأ) . .

قصة قصيرة جدا- (كان عادلآ وسليمأ) . .

مع والدي البيشمركة في قرية( دَركَلة ) , ۱۹٦٧ 

الى والدي الذي رحل في ۱۲ ۹ ۱۹٧۸ …….. نحو الشمس !

كان سبتمبر ۱۹٧۸ عندما اتوا به محمولاً على الاكتاف غارقاً في نوم عميق ….عميق ….عميق وهو في طريقه من كركوك الى اربيل ….
اقتربت منه وقبلته كالعادة , نظرت الى وجهه وعينيه نصف المغمضتين …
اه ..
اه ..
اه .., كم احبه …
قبلته مرة اخرى …. ووقفت امامه اتطلع فيه …
وعندما همسوا في اذني وقالوا لي انظر !
انظر اليه جيدا
انه الوداع الاخير ……
اقتربت لا أراديا منه وقبلته مرة , اثنين , ثلاثة …. عشرة , عشرين مرة …….
وفجاة !
فتح عينيه الجميلتين مبتسما كالعادة …….
همست في اذنه قبل ان نتبادل كلمات الوداع ,
قلت له …
انهض ياب , الضيوف ينتظرونك ….
هيا استيقظ …
رغم كل ما سمعت من احاديث وهمسات عن السموم والموت والمؤامرة …. الا اني كنت اسمع دقات قلبه الكبير …..
خرجت من الغرفة مسرعا لاغسل وجهي وامشط شعري لابدوا انيقا في وداعه كما كان يطلب مني دائما …
عندما خرجت رأيت وجوها غريبة وجديدة لم ارَها من قبل ..
بعضهم كان يتكلم باللغة التي لم افهمها اطلاقا …
وبعض اخر كان يتكلم بلغة العيون خوفا من ان يسمعهم الاشرار الذين كانت افواههم كافواه السكاكين واسنانهم كالحراب وهم في حالة ترقب و استعداد امام اولئك الجنود الذين ينتظرون التحطيم و الصلب . . على اطلال الوطن المهدد بالفناء ……….
…….
……
بعد لحظات دخلت الغرفة ثانية عانقته مرة اخرى وقبلته …
وعند اشارة ما ، فهمت
حان وقت الرحيل …
اقتربت منه وسألت …
لماذا قررت ان تسافر بهذه العجالة ياوالدي … ؟
لماذا قطعت تذكرة الذهاب فقط ؟
..لماذا ياب … ؟!
صرخت جدتي لوالدتي وهي تحتضنني باكية …..
ـ تعالى الله يا صغيري هو الذي اختار والدك الى جواره لانه كان عادلا وسليما !! …
وفجاة احسست بحرارة دموع تسيل !
اخذت احدق في دموعها التي غطت وجهي ولم افهم هذه الفلسفة التي آمنت بها جدتي …
لم افهم قصدها ….
قلت لنفسي لماذا اختار الله والدي ولم يختر شخصا اخرا ؟ …
لماذا ؟ ……
نظرت اليها وصرخت في وجهها وقلت اذن من اليوم فصاعدا انا متخاصم مع الله ….مادامه ابعد الوالد عنا …
لا ..لا اريد ان اتكلم معه اطلاقا ….
لا اريد ان يتكلم والدي معه ……
لا اريد ان يرحل والدي ويتركنا لوحدنا في هذه الغابة الموحشة ….
……….
………
فجاة تعالى صوت الدعاء وامتزج بدعاء الامام …..
الله اكبر ….
الله اكبر …
كل نفس ذائقة الموت …
رفعوا (السرير الخشبي) الذي صنع لوالدي خصيصا على اكتافهم …
واخذت ابكي وابكي وابكي معهم …
ولم استطع التحلّق معهم …
صرخت وقلت : لا تاخذوه انه حي …
صدقوني انه حي …
توقفوا … لا تاخذوه ….الان كنت اتكلم معه …
قفوا ..
لا تاخذوه انه حي …
ولكن بكاء و صرخات النساء وعويلهم حجبت صوتي ولم يسمعني احد ………
بدأ المشيّعون بالحركة وهم يحملون الوالد على اكتافهم …
وقلت لنفسي : لو كنت طويلاً مثلهم لحملت الوالد على كتفي الى ان يستيقظ من نومه الجميل …ولكن ……
………
جلست امام غرفته وصرخت ملء الحنجرة …
نم جيدا ياب …
الى اللقاء …
ثلاثون سنة مضت ولا يزال صوت دقات قلبه الكبير يخترق نافذتي ليكسر زجاج الصمت والسكون …
يكذب الذين قالوا : مات والدك و لن يرجع ابدا ……!!


انتهى
2008-09-10