الرئيسية » مقالات » ايّهما انتصر، اسلاميو 11 سبتمبر ام الامريكيون

ايّهما انتصر، اسلاميو 11 سبتمبر ام الامريكيون

قبل الخوض في مثل هذا الموضوع الذي مثّل انعطافة كبيرة، بل انتكاسة في مسيرة السلام الاممية وكبوة عائقة باتجاه ترسيخ مفهوم حوار الحضارات لا يستطع العالم تجاوزها بسهولة، لابد لنا ان نبيّن بان المقصود باسلاميي 11 سبتمبر، ليس بالضرورة المسلمون المتطرّفون الذين رقصوا على انقاض برجي التجارة العالمية المُدمّرين بفعل طائرات القاعدة الانتحارية، بل برأيي هم (كروب) كبير، شمل حتى العلمانيين من ليبراليين ويساريين ومن مختلف الجنسيات والقوميات والدول .. وما اشترك فيه هؤلاء واجتمعوا عليه على اختلاف الوانهم وايديولوجياتهم، كان اعلى من خط الكره والحقد على الولايات المتحدة الامريكية، ليدخل في نطاق مساحة لا اجد لها تسمية محدّدة، كونهم لم يعبأوا بقتل اكثر من 5000 مدنياً بريئاً نكاية ً بسياسة دولة وحكومة يختلفون معها.

للاسف الشديد وكما قلت في البداية، كان هناك عدداً كبيراً من المثقفين العلمانيين، عرباً واجانب، قد هلّلوا فرحاً (بالنصر) العظيم الذي حققته حفافيش القاعدة في استهدافها لبرجي نيويورك وقتل هذا العدد الكبير من المدنيين الامريكيين .. ولأن روح الانهزامية والخذلان ما انفكت تلازم شخصياتهم المهزوزة والقلقة من ثقافة الآخر، وجدوا ان تأييد مثل هكذا عمليات هي وحدها تستطيع ايلام القلب الامريكي وكذا سياسيي البيت الابيض .. رغم ما حصل لا يعدو كونه جريمة بحق الابرياء وابادة جماعيةGenocide” ” خائبة قام بها هؤلاء المتأسلمون في كهوف الشر تورابورا.

اسلاميو 11 سبتمبر يظنون بانهم قد حققوا نصراً كبيراً على العدو الامريكي التقليدي مع شيء من التوازن في عملية الثأر ضده، في حين دعنا نرى هل ان ما حصل في ذلك اليوم هو نصر فعلي للجبهة الشرقية الحاسدة والحاقدة على تكنولوجيا (الكفر) الغربي؟ ام انها هزيمة اخرى تُضاف الى سلسلة الهزائم والنكبات التي برع في تسطيرها الاعراب والاسلامويون ومعهم شرذمة من العلمانيين الخاسرين؟

اولا ً، كانت البداية في افغانستان، حيث مرتع زمر الشر وازلام القاعدة التي هُزمت وسُحقت على يد المنتفض الامريكي، واُسقط النظام الطالباني، لتتحرّر الدولة من سلطة القهر والارهاب السلفي، فالامريكيون قد ردّوا الصاع بصاعين، ودحروا نظام طالبان، ليكونوا مجرد عصابات وقطاع طرق، يسكنون الجبال والكهوف، كأي حيوان كاسر لفظته نقاء الغابات الخضراء وسريرتها الدافئة، وصاروا بعد ان كانت عندهم دولة، مجرد اشخاص منبوذين، يلتحفون الكهوف بانتظار كنسهم وللابد من تاريخ وحاضر ومستقبل افغانستان.

اما على الجبهة الصديقة للقاعدة واقصد بها جبهة العراق المحكومة آنذاك بنظام البعث الذي لا يقل ارهاباً ووحشية ً عن ازلام القاعدة، فقد حقق الامريكيون نصرهم الثاني باسقاط النظام ودحر فلول البعثيين الشامتين باحداث سبتمبر .. لتتربع الولايات المتحدة الامريكية على دولتين اضافيتين وهما افغانستان والعراق، وموطئ قدم ستراتيجي في الشرق الاوسط، ناهيك عن فلسطين التي يحتلها الحليف الاسرائيلي .. فبلغة الارقام ان ما حصلت عليه امريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر اكثر بكثير ممّا خسرته، ولولا وقوفي ضد نظرية المؤامرة دوماً وابداً، لكنت قد قطعت بان القاعدة، ما هي الاّ صنيعة امريكية عميلة، تخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية اكثر من اي شيء آخر.

هذا على المستوى العسكري.
اما على المستوى السياسي، فقد استطاعت امريكا وبذكاء بارع ان تُحوّل الصراع العربي الاسلامي – الامريكي، الى صراع عربي اسلامي – غربي بشكل عام، وبفضل غباء القاعدة وهمجية قياداتها .. وليس هذا فحسب، بل حتى كان ذلك باعثاً لان تنشق الامة بين مؤيد ومعارض لهذا الخطاب الاسلامي الهجين الذي برز في السنين الاخيرة، والداعي لتصفية الآخر المُخالف. فقد نجحت سياسة امريكا في تجييش عدد كبير من الدول واحتوائها في صفها ضد جبهة الارهاب العالمي، فضلا ً عن تحييد دول اخرى كان لها موقف تجاه سياسات الولايات المتحدة الامريكية .. لتقبل اخيراً بدور امريكي اكبر في المنطقة والعالم ولو في الفترة الراهنة، بعد ان رأت لا مقارنة بينها وبين ارهاب زمر القاعدة واذنابها .. فعلى سبيل المثال، وقف الدب الروسي مُتربّصاً لما تقوم به امريكا في المنطقة بعد احداث سبتمبر الدامية، وفضّل ان ينام بعين واحدة، ليراقب بالاخرى ما يؤول اليه مصير الشرق والعالم على يد الثور الامريكي الهائج والحامل لشعاره الجديد (اما معي او ضدي)، ليس ضعفاً او استكانة ً منه رغم كثرة جراحه، بل لان ما في جعبة امريكا من وقائع وحجج ووسائل اقناع، ما تستطيع به اذابة جليد العلاقات المتوترة بينها وبين جميع مَن يختلف معها، وكل ذلك بفضل غباء وجهل وحماقة اسلاميي 11 سبتمبر.

اذكر يوماً صديقاً عزيزاً اخبرني ونحن نتسامر في السياسة، عن اعتقاده بان بوش الاب كان اذكى من بوش الابن، لان الاول استطاع ان يجمع اكثر من 33 دولة في حربه ضد صدام، بينما الثاني لم يستطع حتى اقناع حلفائه المقرّبين في الحرب على العراق!!

ما كان مني الاّ ان اجيب بان الامر ليس هكذا، بل ان غباء صدام في غزوه للكويت والمبرّرات الكثيرة التي اعطاها لاعدائه، هو ما مكّن بوش الاب من جمع هذا العدد الكبير من الدول، وتجييشه جيوش العالم ضده، بكل سهولة ويسر.
اما في الحرب الثانية التي قادها بوش الابن، فلم تكن الامور كذلك، بل كانت محاولة تغييرية لنظام فاشستي بغض النظر عن اي مبرّرات اخرى، رغم محاولة الابن سوق حجج مثل اسلحة الدمار الشامل وعلاقة العراق بالقاعدة، ممّا كان من الصعب تشكيل تحالف كبير ضد صدام في تلك الفترة. فلا علاقة لغباء او ذكاء (البوشين) بالامر.

اعتقد ان الانتصار السياسي الذي حققته الولايات المتحدة الامريكية في هذه الفترة، وتحديداً بعد هجوم خراف اسامة بن لادن على برجي التجارة، لم تحققه اطلاقاً طوال تاريخها ولم تصل اليه في حروبها الحارة والباردة كذلك.

بقي ضلع آخر مهم يُكمّل ضلعي السياسة والعسكر في مثلث الاحداث التي تطرّقنا لها في هذه المقالة وهو ضلع الثقافة.
ففي الشق الثقافي، كانت الولايات المتحدة الامريكية هي المنتصرة كذلك، لانها استطاعت ان تُسوّق للعالم رؤيتها بان خطاب (الاسلام) خطاباً عنفياً همجياً، متى ما وجد له الفرصة المناسبة، فسيجهز على حضارة ومكتسبات الغرب .. وان ما تعرّضت له امريكا، ممكن ان تتعرّض لها دول اخرى غربية تحتضن عدداً غير قليلا ً من المسلمين .. وجاءت القاعدة لتثبت هذه النظرة لدى الدول الغربية المُشكّكة بجدوى الحرب على الارهاب، حينما استهدفت مدن اوربية، كلندن ومدريد، ممّا زاد من تماسك الغرب في معسكره ضد الارهاب (الاسلاموي) وتأييده لامريكا في حربها الاعلامية والثقافية ضد الارهاب بكل اصنافه.

لا يفوتنا ان نذكر بان الحقبة الحالية وكما ارادها القاعديون بغبائهم، تشهد ذروة التصعيد في الهجمة الثقافية على الاسلام والمسلمين، وانتعاش الخطاب العنصري الغربي المُضاد لتمدّد الاسلام او اي فكر سياسي ذي جذور اسلامية روحية .. فقد برزت المباشرية في طرح وجهات النظر العنيفة ضد الدين الاسلامي وكتاب الله القرآن، دون تورية او ايحاءات كما كانت من قبل، واتسعت رقعة مثقفي الدعوة لمُقاطعة الاسلام ديناً وثقافة، بعد ان فقدوا التركيز بين المتطرف والمعتدل من المسملين، وليت الامر وقف عند هذا الحد .. بل شجّعت نزوة القاعدة في ضرب الاهداف (الصليبية)، عدداً من الاعلاميين الاوربيين لتبنّي خطاب التصادم، واعلنوا صراحةً موت الحوار من خلال عديد ما انتجوا او كتبوا .. فهذا كاريكاتيرياً يُصوّر لنا النبي محمد (ص) بانه ارهابي حاقد .. وآخر ينتج فلماً فيه تخويف للغرب من عنف (الاسلام) وخطابه (الاستئصالي) .. وغير هذا الكثير.

اضف الى الانتصار الامريكي الثقافي شيئاً آخراً لا يقل اهمية ً عمّا ذكر، وهو استغلال ضربة القاعدة المشؤومة لمدينة نيويورك، في تحسين الولايات المتحدة الامريكية وجهها امام العالم، واظهار بانها امة مسكينة مستهدفة من قبل ارهابيي بن لادن، لتكسب تعاطفاً قوياً حتى من قبل اقلام مسلمة كانت وما تزال ترى بضرورة مواجهة ومقاومة الايديولوجية الامريكية الداعية لعولمة شعوب العالم الثالث ديمقراطياً وجعلهم في فلك السياسات الامريكية، بعد مرض وتفكّك الغريم الاشتراكي السوفيتي، وانقلاب (الاسلام) على نفسه في بلدان الاصولية الدينية.
فعملياً، لم يَعُد يملك العرب والمسلمين خطاباً موازياً لخطاب الديمقراطية التي تدفع به امريكا شعوب المنطقة لتقبّله والعمل بنتائجه، بل اتفق الجميع على انه لا بديل للديمقراطية ابداً خصوصاً، في ظل وجود خطاب اسلامي مُتشنّج، يُعلن الحرب باربع اتجاهات، وهذا ما يؤكد انتصار ثقافة مَن كان تحت نيران طائرات بن لادن، ونجاحه في قيادة دفة المعركة الحضارية ..

ونرجع لنُذكّر، كل ذلك بسبب غباء القاعديين وجهلهم المُفرط في استخدام ذخيرتهم الحية، ممّا مكّن الآخر من ان ينال مراده منهم ومن المنطقة برمتها، سياسياً وعسكرياً وثقافياً ايضاً.
اما بعد، هل بقي شك عند احد من ان المنتصر هي امريكا، وليس (كروب) اسلاميي 11 ايلول؟

لكن هل نستطيع ان نقول بان المعركة انتهت مع التحجّر القاعدي؟ وكذا مع كل خطاب شمولي جامد؟ بالطبع لا .. فما زالت الحرب مستمرة، وما زال السلاح مرفوعاً بين المعسكرين، طالما ما زالت هناك كهوفاً، تأوي بشراً لا حيوانات.