الرئيسية » مقالات » أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو

أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو

بعد مساهمتنا التوثيقية “تاريخ عراقي في ذاكرة براغ” في تموز الماضي، ومساهمة د. كاظم حبيب المنشورة قبل أيام عن نادي الرافدين الثقافي في برلين، كم يتمنى المرء أن يتواصل الجهد، ويقرأ مواضيع تالية، على طريق جمع وتوثيق بعض التاريخ العراقي الحافل في الخارج، على مدى نصف القرن الماضي بشكل خاص، الثقافي والسياسي منه، فضلاً عن الاجتماعي والاعلامي، وغيرهما كثير، وذلك في حواضر وعواصم عديدة حفلت ذاكرتها بوقائع وأحداث ومناسبات من غير المقبول أو الطبيعي أن تبقى بعيدة عن الأجيال الجديدة، والقادمة، لما فيها من خبرات ومواقف ومؤشرات غنية، وخاصة من، وعن شخصيات ثقافية وسياسية بارزة… وعلى أساس كل ذلك، وغيره، تأتي هذه الكتابة التوثيقية الموجزة.

لمــــــاذا مـــــوســــكـــو؟

… واختيار موسكو هذه المرة يجيء لاعتبارات عديدة “تبرر” هذا التفضيل، لعل من أهمها المكانة التي تفردت بها هذه العاصمة العظمى على مدى أكثر من سبعين عاماً، وربما تكفي تلك الحقيقة للتوثيق والاهتمام المعنيين… ففي ضوئها يمكن ادراج المزيد من التميز العراقي بل وتفرده في مجالات أثيرة شهدت جميعها أحداثاً وتفاصيل مهمة في انعكاساتها وتداعياتها على الشأن الوطني، لعقود وعقود…

ولاشك في إن هذه المحطات، أو الوقفات، لا يمكن لها على أية حال إلا أن تؤشر وحسب. إيجاز هنا، وإشارات هناك، تمهد لدراسات لاحقة، تاريخية وسياسية، تحتاج لجهد واهتمام ذوي الشأن، وخاصة من “أهل موسكو” الذين هم “أدرى بشعابها”، عاصمة، ومركزاً أول للقرار والتأثير على اصعدة شتى، كانت الجوانب السياسية الأبرز فيها، وقد تفرعت منها، وعنها محاور عديدة أخرى… فما أحرى بالمخضرمين من ذوي العلاقة، والشيوعيين منهم على وجه الخصوص ان يكتبوا للأجيال، وللتاريخ، جوانب من شؤون – وربما شجون – العلاقات الأممية ذات الصلة بالعراق… ففي موسكو كان يجري التساؤل والنقاش والحوار والاختلاف، ثم القرار، الأول، ولن نقول الأخير، لكي نتجنب حساسية البعض، وربما الكثير من الأصدقاء قبل غيرهم… وهنا لن يصبح الأمر مفيداً – وقل مغرياً – للمتابع والقاريء، والمعني قبلهما، دون الحديث عن ادوار القادة الشيوعيين والوطنيين وغيرهم في مثل ذلك السرد التاريخي، والتوثيق “المرتجى” و”المؤمل”… ففي تلك العاصمة العصماء كما نعرف، عاش وأقام ودرس العشرات من السياسيين العراقيين البارزين وفي مقدمتهم الشهيدان الوطنيان فهد، وسلام عادل، زعيما الحزب الشيوعي العراقي، الأشهران حتى عام 1963… وقد سبقهما، وزامنهما، وتلاهما، العشرات من أقرانهم ورفاقهم التي كانت لهم موسكو مستقراً ومغترباً وموقع نشاط متميز، ولمديات زمنية مختلفة…



مبـــدعــــون ومـثـقـفـــون

ودون زعــم باكتشاف كبير، نقول ان موسكو وحدها – دعوا عنكم المدن الروسية والسوفياتية الأخرى – قد احتضنت عشرات المثقفين والأدباء والفنانين والاعلاميين العراقيين وغيرهم، الذين درسوا وأقاموا وأنتجوا وأبدعوا فيها لســــنوات متباينـــة العدد… ولعلنا نكتفي في الاستدلال هنا بالروائي الوطني الأول غائب طعمة فرمان، والمفكر والفنان الرائد محمود صبري، على سبيل المثال لا الحصــــر… وهكذا تأتي الذاكرة – لا الارشيف – بأسماء وشخصيات ثقــافيـــة واعلامية عديدة أخرى دعونا نشير إلى بعضها سريعاً: حسب الشيخ جعفر وفائق بطي وبرهان الخطيب وفؤاد الطائي وجلال الماشطة ومحمد كامل عارف وفلاح الجواهري وسلوى زكو وعفيفة لعيبي وهادي الصكر واحمد النعمان وسعود الناصري وخالد السلطاني وسعدي المالح وكوكب حمزة وفائز الزبيدي وسلام مسافر وماهود احمد وعماد الطائي وحافظ القباني… كما تخرج في موسكو العاصمة، وأخواتها من المدن الروسية والسوفياتية عشــــرات المتخصصين البارزين وأصـــحاب الشهادات العليا الذين اثبتوا جدارتهم، عراقياً وعربياً – على الأقل – ومنهم: نمير العاني وميثم الجنابي ونمير حنا وعبد العزيز وطبان وجميل منير وعقيل الناصري ولطيف منصور وجواد البندر وعطا الخطيب وصبحي منصور وحمزة الجواهري ومحمد معارج وعبد الزهرة العيفاري واسامة نعمان الأعظمي…

سـياســيون ومنــاضــــلون

وعلى صعيد العطاء والنضال الوطني، ولحدّ الشهادة خلال حقبتي النظامين البعثيين الأول والثاني حتى عام 2003، وفي تجربة الكفاح المسلح وغيرها من ميادين النضال، شارك العشرات من خريجي الجامعات والمؤسسات التعليمية في العاصمة موسكو وأخواتها… ومن المجحف أن لا يكتب ويؤرخ لذلك بمزيد من الاستفاضة، بل وحتى التباهي، عن تلك العطاءات والتضحيات الاستثنائية… كما تعاقب في موسكو أيضاً، لا غيرها، العشرات – وقل المئات – من السياسيين العراقيين، والشيوعيين خاصة – ليدرسوا ويتعلموا في السياسة والاقتصاد والتاريخ والفلسفة والعمل الجماهيري… وليعودوا إلى بلادهم نشطاء ومشاركين في نضالات شعبهم وحركته الوطنية… ولا نظنّ ان “السرية” باتت اليوم سبباً يحول دون تعداد و”كشف” الكثير الكثير من الأسماء والتواريخ والأحداث، ففيها من العبر ما يزيد جدوى، وفائدة، عن متطلبات الصيانة وغيرها، مما قد يتعذر بها البعض فيمتنع – وربما يمنع – عن البوح بما عنده من تفاصيل، أو ببعضها على الأقل…

… ولأن موسكو المركز الأممي، الأول على مدى سبعة عقود، فقد أمّه العشرات من الشخصيات العراقية للمشاركة في مؤتمرات ومهرجانات وندوات سياسية وثقافية واقتصادية وجماهيرية وغيرها، كانت أصداؤها تهز الدنيا بعض الأحايين… فما عسى ان يسجل ذوو العلاقة عن مساهمات عراقية متميزة في مثل تلك المحافل والمنابر والفعاليات، مع التركيز تحديداً على النخبة التي كانت، أو أصبحت مهمة، كالجواهري الكبير وعزيز شريف وزكي خيري ويوسف العاني وحسين مردان وزينب وناهدة الرماح وأقرانهم البارزين بشكل رئيس.

دارســــون وخـــبــــراء

… لقد خرّجت الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية في موسكو، وكما في المدن الروسية والسوفياتية الأخرى، ألوف العراقيين، الذين أنهوا دراساتهم فغادروا إلى بلادهم ليشغل الكثير منهم مراكز وظيفية مهمة، وليطوف كثيرون آخرون في أرجاء الدنيا بعيدين اضطراراً عن وطنهم سنوات مديدة… فأين ذهبوا، ولماذا، وكيف خسر العراق المئات من تلك الكوادر العلمية والفكرية التي احتضنتها ولفترات طويلة بلدان عربية عديدة كالجزائر وليبيا واليمن وسواها، قبل أن يستوطنوا بلدان المهجر في السويد والدانمارك وبريطانيا وهولندا وغيرها … وبالارتباط مع ما تقدم، سيطول الحديث – على ما نزعم – حول نشاطات أولئك الطلبة التضامنية والثقافية والاجتماعية خلال فترة دراستهم واقامتهم في موسكو خاصة، والمدن الروسية والسوفيتية عامة، ومن خلال منظمتهم الجماهيرية الرئيسية: رابطة الطلبة العراقيين التي نشطت لأكثر من أربعة عقود – بحسب معلوماتنا – بكل تميز واقتدار… ويسوقنا الحديث هنا أيضاً إلى ما زامن هذه المنظمة الطلابية من نشاطات لقرينات عراقية أخرى خاصة بالمثقفين والنساء والشبيبة، ثم ما تلاها بعد عام 1991 من أطر مدنية للمقيمين العراقيين، وإلى اليوم.

للتاريخ الكردي العراقي حصته

وفي هذا السياق لابدّ وأن يشمل التوثيق الذي نعنى به، محطات كردية عراقية بارزة في موسكو، وشقيقاتها الروسيات والسوفيتيات… ومن المؤكد ان تكون أولى تلك المحطات والشهادات عن احتضان الزعيم الكوردي الأبرز، مصطفى بارزاني، وصحبه في الأربعينات، وما رافق ذلك من أحداث ووقائع استمرت لحين عودته إلى العراق عام 1958… كما ينبغي التحدث أيضاً عن عشرات الكورد الذين تخرجوا في معاهد وجامعات موسكو وغيرها من المؤسسات التعليمية، وكذلك الذين عملوا في عدد من مؤسسات النشر والترجمة وغيرها… ومما يحضر في الذاكرة منهم على الأقل: عز الدين مصطفى رسول وكمال خزندار وحسين قاسم العزيز وكاميران قرداغي وبرهان شاوي وعبد الله بشيو… كما نوثق أيضاً عن تأسيس جمعيات خاصة بالطلبة الأكراد والكردستانيين والتي استمرت نشاطاتها لعدة عقود، وربما بعضها مستمر إلى اليوم.

علاقات رسمية … وسياسية

… ولكي تكون التأرخة التي نحن بصددها أكثر شمولية، نعتقد ان من المهم ان يصار بهذا الاتجاه إلى سرد وان كان موجزاً، ووقفات إضافية عن العلاقات الرسمية بين بغداد وموسكو، ما قبل ثورة تموز 1958، وما بعدها، وبشكل خاص عند مراحل في تلك العلاقات التي نزعم بامكانية حصرها بسنوات محددة نراها على هذا النحو: (1958- 1963) و(1963- 1967) و(1968- 1979) و(1980-1990) و(1991-2003). ثم ما بعد سقوط نظام صدام حسين… ولكل من الفترات الزمنية أعلاه سماتها، وميزاتها، وهمومها السياسية الحزبية، والوطنية العامة… ومن بعض محطاتها المهمة على ما نجتهد: دعم واسناد النظام الجمهوري العراقي الأول، إدانة ومواجهة الانقلاب البعثي في شباط 1963، مرحلة “التطور اللارأسمالي” وما ترتب عليها من “التزامات” و”توجهات”، ثم حقبة معاهدة الصداقة والتضامن في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وفترة ســــقوط الجبهة الوطنيـــة في العراق وتجربة الكفاح المسلح لأنهاء (أو اسقاط) الدكتاتورية البعثية في الثمانينات، ثم ســـقوط النظــــام السوفيتي ذاته مطلع التسعينات، وأخيراً فتــــرة الحصـــــار الدولي التي كانت خاتمتها إســــقاط نظام صـــدام حســــين بمســــاعدة القوات الأميركية والمتحالفة معها في 9/4/2003… ويقيناً فإن لكل المحطات اعلاه الكثير من “الأسرار” و”الخبايا” إضافة للمعلن والمعروف، مثل الاتفاقات السياسية والحزبية “العامة” و”الخاصة” بين نظامي موسكو وبغداد وأسبابها، والخلافات المتباينة في تقييم العهد البعثي الأخير، بين الحزب الشيوعي السوفياتي (والروسي في ما بعد) من جهة، وشقيقه الحزب الشيوعي العراقي ومعه عموم الحركة الوطنية في البلاد من جهة أخرى، وما ترتب على ذلك من قضايا وشؤون وشجون… وبشكل رئيس في الثمانينات المنصرمة.

… وأخيـــــــــــــــــــراً

ان من المناسب في هذا السياق وقبل ان يقول المعنيون، وغيرهم، قولتهم، الاعتراف من جديد بأن أمراً مثل هذه التأرخة التي نعني بها، يحتاج لأكثر من جهد، ومساحات زمن طويلة، وربما لمزيد من التنقيب والبحث، فضلاً عما يتبع ذلك من مهام أخرى تحليلية واستنتاجية وغيرها… ولكن لبنة تتلو أخرى، ومساهمة تضيف لغيرها، واستذكاراً هنا وتوثيقاً هناك، سيحقق سجلاً بالغ الأهمية عن بعض التاريخ العراقي الفريد في موسكو، وتلك مهمة جليلة لابد وان يحمل ثقلها المؤهلون… لاسيما وثمة العديد من الدراسات والكتب والمذكرات والذكريات العراقية تعدُّ مصادر ثرة، وغنية للباحثين أو المتوجهين للمشاركة في مثل هذه المهمة الجليلة… وهنا نبادر فنشير إلى شخصيات ومعنيين قادرين على أن يطلقوا رصاصة البدء – الرياضية طبعاً – لمارثون طويل، بهذا الشأن، ولعل أبرز من نعنيهم هنا، ووفقاً لاجتهاد آمل ان يكون في موقعه: ثمينة عادل، كمال شاكر، مصطفى الدوغجي، عبد الله حبه، علي عبد الرزاق، رشيد رشدي، عدنان الأعسم، وليد شلتاغ، حكمة حكيم، صلاح زنكنة، ناظم الجواهري، حمزة محسن، جلال خضير… وكثيرين آخرين معروف جهدهم، وبينة قدراتهم، ومعنيين بهذا القدر أو ذاك، عن ذلك التأريخ العراقي في موسكو، الذي ندعو للمشاركة في توثيقه.

توضــــيحــات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– إضافة للمصادر ذات الصلة، جاء العديد من المعلومات والخلاصات في السطور السابقة عن ذكريات خاصة وعامة للكاتب، والذي عُني، وكلف لأكثر من عشر سنوات (1979-1989) بمتابعة النشاطات الجماهيرية العراقية في الاتحاد السوفياتي، والطلابية منها بشكل خاص.

– تحسبا لما قد يرد من “تنطع” أو “تقوّل” هنا وهناك، حول بعض ما ورد في محاولة التأرخة أعلاه، يهمني التأكيد مجدداً أن غالبية ما جرى التطرق إليه يحتاج لمزيد ومزيد من الاضافات والتفاصيل والملاحظات الهادفة… معتذراً في نفس الوقت عن اغفال أسماء تارة، أو تاريخ وأحداث تارة أخرى، والعتب كله على الذاكرة وحسب.

مع تحيات

وكالة بابيلون للاعلام

www.babylon90.com