الرئيسية » مقالات » ضرورة النقاش العام لمشروع الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية

ضرورة النقاش العام لمشروع الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية

العناوين المعلنة لمواقف القوى السياسية المتنفذة وصاحبة القرار في الحكومة ومجلس النواب، حول مضامين الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية، نجد لها تأكيدات متكررة من قبل المسؤولين الحكوميين وبعض أعضاء مجلس النواب، تطمئن المواطن العراقي على حاضر ومستقبل سيادة وطنه الكاملة، منها ما صرح به رئيس الوزراء نوري المالكي في الخامس والعشرين من آب الماضي من ” إن العراق لن يبرم أي اتفاقية أو معاهدة إلا وفق اعتماد مبدأ السيادة الكاملة وجدولة انسحاب القوات الأجنبية، و أن الاتفاق جرى على أن يكون نهاية (2011) هو أخر وقت لتواجد القوات الأجنبية في العراق، وعدم تنفيذ عمليات عسكرية إلا بموافقة الحكومة العراقية.” وتصريح نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي في الرابع من أيلول من ” إننا لسنا بحاجة إلى اتفاقية إذا لم تتضمن شروط السيادة وتضمن خروج العراق من الفصل السابع”… ألا أن قدرا كبيرا من الشك يحوم حول تحقق هذه الطمأنة و إمكانية استجابة الولايات المتحدة لهذه الشروط. و مبعث هذا الشك هو ضعف مقومات الأداء العراقي في مراحل المفاوضات لعوامل عدة منها، البون الشاسع مابين الخبرة وهامش المناورة المتوفرة لدى الطرفين، وفي الظهير الجاهز والخبرات والمكاتب الاستشارية المساندة للمفاوض الأمريكي مقارنة بما لدى المفاوض العراقي الحديث العهد بمثل هذا الصراع السياسي والدبلوماسي الصعب و غير المتكافئ ، يضاف إلى ذلك عامل هام يعزز قوة المفاوض الأمريكي في فرض شروطه، متمثل بسيطرته لعسكرية الفعلية على الأرض. أما التصريحات المتتالية للمسؤولين العسكريين الميدانيين الأمريكان بإمكانية انفلات الوضع الأمني بدون استمرار وجود قوتهم العسكرية الضاربة، فهو ما يقلق المسؤولين العراقيين والمواطنين على حد سواء.

لقد كان بإمكان الحكومة العراقية ــ ولا تزال الفرصة سانحة ــ تلافيا لعدم التكافؤ العراقي الأمريكي؛ اللجوء، بل استثمار الطموح الوطني العام والزخم الجماهيري كعامل ضغط مؤثر في فرض الإرادة الوطنية وصياغة اتفاقية أمنية متكافئة تؤمن السيادة العراقية الكاملة، هذا العامل المشفوع بمطالب شعبية وحزبية وضغوطات اقتصادية، وتصادف مع ظرفية الصراع الجمهوري الديمقراطي على المنصب الرئاسي القادم داخل الولايات المتحدة. إن الإشارة إلى ذلك لا تعني التشكيك في حرص الحكومة العراقية، وكأي حكومة وطنية، على التفريط بأي قدر من معالم السيادة الوطنية، لكن حسابات حقل الأماني والآمال ليست هي حسابات البيدر الموجود على الأرض، فالولايات المتحدة شأنها شأن أي دولة محتلة، لا بد لها من استثمار تبعات الاحتلال، والمسؤولون الأمريكيون صقورا كانوا أم حمائم من الجمهوريين أو الديمقراطيين، يتبجحون بحرصهم على تحقيق مصالح بلدهم الآنية وعلى المدى البعيد في العراق والمنطقة الحيوية بموقعها، وبغنى المعادن فيها وتنوعها خصوصا النفط، هذا الشريان البالغ الأهمية للاقتصاد العالمي، والذي لن تتوفر مصادر رخيصة بديلة له على مدى العقود المنظورة القادمة وفق أكثر التقديرات الاقتصادية تفاؤلا.

ولدواعي توفر دعامة رافعة للمطالب الوطنية العراقية، ينتظر من الحكومة العراقية طرح مشروع الاتفاقية الأمنية للمناقشة العامة قبل طرحها على مجلس النواب، لإشراك المختصين وبقية السياسيين في إبداء وجهات نظرهم بتفاصيلها، وتجنب أسلوب تسريب النصوص غير الرسمية لها لجس النبض الشعبي العراقي والوسط الرسمي الإقليمي والدولي.

أن طريق مساهمة أوسع للفعاليات السياسية داخل وخارج الحكومة و مجلس النواب، وقطاعات مختلفة من الاختصاصيين، يوفر للجانب العراقي سندا مخلصا وفاعلا تجاه التفوق الأمريكي، ويخفف في ذات الوقت على الوفد المفاوض من ضغوطات هذا الطرف السياسي العراقي أو ذاك، ممن يجتهد في تقدير مصير البلد ورسم نوع العلاقة وتفاصيلها مع الولايات المتحدة من دوافع تتجاهل تغليب المصلحة الوطنية العراقية العليا.