الرئيسية » الآداب » الشِّعر الكوردي بين التناقضات والأضداد

الشِّعر الكوردي بين التناقضات والأضداد

مسكينٌ هذا الشاعر الوزير: تأوّهات الأرامل وحسرات اليتامى تُطَوِّقُهُ، ولا أحدَ يَصْدُقُهُ، ابتسامات الأصدقاء تلاحقهُ، وتملُّقُهُم يُفَرِّقُهُ، كلُّ شيءٍ عدوُّهُ, وكرُّ الجديدين يسرقهُ، هبوب الريح يسبقهُ, ولمعان البرق يقلقهُ, رسوم الوطن البالية: تحرقُه, والفساد يُؤَرِّقُهُ, التذكير يسقمه, إذا دنا الليل منه هرب النوم عنه، ودقَّاتُ قلبه الذي ينوءُ بأحماله تطرقهُ، وكلُّ هذه العذابات تُنْطِقُهُ.
الشاعر الوزير ليس ابن زيدون، فَمَنْ هو إذن؟ هو الذي في وطنه يتمنى المنفى، وفي المنفى يشتاق لوطنه، وليس أمامه إلا أنْ يخرجَ من جلده كي يشعر أنَّه في وطنه، ولكن لماذا في وطنه يتمنى المنفى؟ بسبب الظلم والفساد والرشا، وأموالُ الشعب الفقير، يحتكرها قليلٌ من الفاسدين، وأزمة الكهرباء والماء والوقود، وأزمة الصدق، ودماء الأبرياء التي سُفِكَتْ بغير سبب.
إنَّ معظم الأبيات الشِّعرية والتي ذهبت أمثالاً، والتصقت بالذاكرة الشِّعرية، هي التي جَمَعَت بين التناقضات والأضداد في مناسبة لطيفة وفكرةٍ أصيلة. يقول جوناثان كلر(كثيراً ما تفسر القراءات التفكيكية على أنَّها هجوم على الكتاب الذين تتناولهم لأنَّها تكشف عما عندهم من تناقضات مع أنفسهم أو عن وجود عوامل تفكيك ذاتية في كتاباتهم لأننا اعتدنا على اعتبار أنَّ التناقض مع الذات يفسد القيمة الفكرية لجهودهم، ولكن إذا كان التناقض مع الذات أمراً لا محيد عنه فيما يقول دريدا- أو لا محيد عنه في أي نص يطمح إلى بحث مشكلات كبرى على الأقل) جون ستروك-البنيوية وما بعدها-1996-ت.د.محمد عصفور-عالم المعرفة-الكويت-ص228.
والتناقضات والأضداد تمنح المعنى الشِّعري حركته، وبالتالي ديمومة حياتِهِ، كالمصادر التي تبعث الاضطراب، وعنها يقول ابن جني(وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة؛ نحو النقزان، والغلبان، والغثيان. فقابلوا بتوالي حركات الامثال توالي حركات الأفعال…تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير، نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة). أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي- الخصائص- ص156.
يقول الجرجاني(الشكُّ: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك: ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما على الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين… الظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض) الجرجاني- التعريفات- باب الشكل- ص41. وباب العته- ص46. على التوالي.
فالمذكر نقيض المؤنث، ولا يوجد شيء لا هو مذكر ولا مؤنَّث(سالب ولا موجب)، كما قال تعالى(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الذاريات: 49. والحيُّ نقيض الميت، والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر، بينما قد يحدث اجتماع الضدَّين مع اختلاف الزمان والمكان أو أحدهما، كالجاهل والعالم، قد يكون عالماً في الطب جاهلاً في الفقه، في عين الوقت. والعالم قبل علمه جاهلٌ بالضرورة.
هل من الممكن وجود معنيين مختلفين للفظةٍ واحدة في المعاجم اللغوية؟ وأينَ نضع هذه اللفظة ذات المعنيين المتناقضين أ في المشترك اللفظي أم في التناقض؟ كلفظ الصريم يدلُّ على الليل والنهار، ولفظ القُرْءْ على الطُهْرِ والحَيضْ، والنأنأة على القوة والضعف، والجَوْن للأسود وللأبيض، وقد يتناقض المعنى في العبارة، كرَغبتُ عن الشيء إذا لمْ تُرِدْهُ، ورغبتُ في الشيء إذا أردتهُ. يقول السيوطي(وأما اختلافُ اللّفظين والمعنى واحد فقولك: ظَنَنت وحسبْتُ؛ وقعَدت وجلست؛ وذِرَاع وسَاعِد؛ وأنف ومَرْسن. وأما اتِّفَاقُ اللفظين واختلافُ المعنيين فقولك: وَجدت شيئاً إذا أردت وِجْدان الضَّالة، ووجَدْت على الرجل من المَوْجدَة، ووجدْتُ زيداً كريماً أي علمت. وكذلك ضربتُ زيداً، وضربتُ مَثلاً، وضربتُ في الأرض إذا أبعدت، وكذلك العين؛ عينُ المال، والعين التي يُبصر بها، وعينُ الماء، والعينُ من السحاب الذي يأتي من قِبَل القِبلة، وعين الشيء إذا أردتَ حقيقته، وعين الميزان). جلال الدين السيوطي- المزهر- النوع السادس والعشرون: معرفة الأضداد- ص120.
وألَّف أبو هلال العسكري كتاباً عنونه بالفروق اللغوية، وأوردَ فيه 2362 فرقاً بين لفظين يعتقد فيهما عين المعنى، ومنها قال أبو هلال العسكري(النقيضان: ما كان التقابل بينهما تقابل النفي والإثبات أو العدم، والملكة، ولذا لا يمكن اجتماعهما في مادة، ولا ارتفاعهما كالحركة والسكون. وأما المتضادان: فيجوز ارتفاعهما ويمتنع اجتماعهما كالسواد والبياض. وأما المتخالفان فيجوز اجتماعهما وارتفاعهما جميعا السواد والقيام. فيصح هذا قائم أسود، وقائم ليس بأسود، وأسودٌ ليس بقائم، وليس بقائم ولا أسود.). أبو هلال العسكري- الفروق اللغوية: الفرق 1304- تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي- 1412هـ- قم- ص326.
قال الشاعر فلك الدين أمين(في المنفى أتمنَّاك يا وطني، وبالعكس/ هنالك فرق للموسيقى/ وأخرى للإعدام/ على طول الشارع تسيرُ الجثث/ خوفاً من الاغتيال/ بين الشاعر والقصيدة/ بين المنفى والوطن/ بين شيرين وفرهاد/ واو عطفٍ واحدة/ دون الأصفار يصبح المليون واحد/ بردٌ يصيبُ القصر/ فتعطسُ الشوارع جثثاً). مجلة الصحفي عدد 35/ص52.
لا يعيش المرءُ إلاّ في وطنٍ أو منفى، والشاعر منفيٌّ في وطنه، ولا يشعرُ أنَّه في وطنه حتى لو خَرَجَ من جلده، وفي العبارة الرابعة يجبرنا الشاعر على التفكير والتأمل للبحث عن دلالة العكس التي يريد. وبين الوطن والمنفى يتأرجح المعنى بين كثيرٍ من الدلالات فهل الدلالة، والعكسُ يحتمل دلالتين:
-1في وطني أتمناك يا منفى.
-2 في المنفى لا أتمناك يا وطني.
الاحتمال الأول أقرب إلى حالة الاغتراب والقلق اللذين يعتلجان في النص. في المنفى فرقٌ للموسيقى، وفي الوطن فرقٌ للإعدام، والجثثُ التي تسير في الشارع، يقصد بها المواطن الحيُّ الميت، والشاعر يتناقض ويتصارع مع القصيدة، كما المنفى والوطن وشيرين وفرهاد، رغمَ هوان الفرق وهو ليس إلا واو العطف، كما في الموت والحياة، بينهما في الحقيقة بونٌ شاسع وفي اللغة ليس ثَمَّة إلا واو العطف، ودون الأصفار أي دون الشعب يصبح الملك فرداً، لكن بسبب الظلم واستكانة الشعب ورضاه بهذا الظلم تحولوا إلى أصفار(أحياءٌ أموات)، أيَّةُ مصيبةٍ مهما كانت هَيّنَة تصيب الملك، تنعكس أعراضها بعشرة أضعاف على الشعب. وقد قسَّمَ العبارات إلى شرط وجواب الشرط، أو استفهام مخفي وجوابه، كالضربة القاضية أو ضربة سريعة، أو المشهد السينمائي الخاطف، كمشاهد جاك بريفيرا:
-1في المنفى أتمنَّاك يا وطني × جوابه “وبالعكس”
2-هنالك فرق للموسيقى × جوابه “وأخرى للإعدام”
3-على طول الشارع تسيرُ الجثث × خوفاً من الاغتيال
-4بين الشاعر والقصيدة + بين المنفى والوطن + بين شيرين وفرهاد × واو عطفٍ
-5 دون الأصفار × يصبح المليون واحد
6- بردٌ يصيبُ القصر× فتعطسُ الشوارع جثثاً ويقول القلقشندي(الجواب لا يخلو من أن يكون يوافق الابتداء أو يناقضه، فإن وافقه فالأمر سهل، وإن ناقضه فإن كل نقيض قائمٌ في الوهم على مقابلة نقيضه، إلا أنه أتعب على كل حال من الموافق، ولا شك أن الجواب بتجزئته قد خف تحمله، إذ ليس من يجمع خاطره على الفصل الواحد حتى يخرج عن جوابه كمن يجمع خاطره على الكتاب كله.(

التآخي