الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 -الحلقة الخامسة عشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 -الحلقة الخامسة عشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري

لم تمنع الاجواء المتوترة الحكومة من المضي في تطبيق اجراءتها بصدد توطين الاثوريين في الاماكن التي حددتها لاسكانهم فيها . فعلى سبيل المثال ارسلت فرقة(3)من المهندسين الى منطقة دشت تازي , في العمادية , للكشف على الاراضي الاميرية ( الحكومية ) هناك , بغرض المباشرة في فتح جدول من نهر الزاب لاستسقاء الاراضي التي خصصت لاسكان ما يقارب سبعمائة الى الف عائلة من الاثوريين فيها . وقد رصدت الحكومة المبالغ اللازمة اتنفيذ المشروع(4).
اثارت اجراءات الحكومة غضب عدد من النواب العراقيين الذين تقدموا الى مجلس الوزراء بمذكرة طالبوا فيها الحكومة بتوضيح الاسباب التي تدعوها للمضي قدما في مشروعها الخاص بتوطين الاثوريين في الوقت الذي يقوم فيه هؤلاء بتهديد سكان القرى غير الاثورية , ((والاخلال بالامن والنظام )) حسبما ورد في مذكرة النواب(5).
حاولت الحكومة في ردها على مذكرة نواب المجلس التقليل من اهمية الحوادث التي وقعت, بالتأكيد على ان ما جرى لم يتجاوز حوادث قامت بها قلة من الاثوريين , وانه لم يقع اعتداء على اي من القرى , واعادت التأكيد على عزمها (( الضرب على أيدي من يعبث بالامن ))(6). وبخصوص استمرارها في مشروع توطين الاثوريين , اكدت الحكومة على ان هذا المشروع هو جزء من تعهد العراق بتنفيذ قرار عصبة الامم حول هذا الموضوع (1).
وفي الموصل دعت الحكومة زعماء الاثوريين الى اجتماع خلال يومي العاشر والحادي عشر من تموز عام 1933 . ضم الاجتماع الزعماء الموالين للمارشمعون , الذي كان ما يزال محجوزا في بغداد , الى جانب زعماء موالين للحكومة . كما حضر الاجتماع كل من وكيل متصرف الموصل خليل عزمي , والمفتش الاداري الكولونيل ستافورد , وخبير الاسكان الميجر طومسون(2).
اثار زعماء الاثوريين , خلال الاجتماع نقطتين مهمتين هما قضية المارشمعون ومطالبته بان تكون له السلطة الزمنية كحق موروث له , وقضية الاراضي التي توزع على الاثوريين . كان رد المفتش الاداري ان الحكومة العراقية تعترف بزعامة المارشمعون الدينية على الاثوريين , لكن لا يمكنها اعطاءه حق الزعامة الدنيوية , وفقا لسياستها العامة في هذا المجال. اما بخصوص الاراضي , فقد اعرب عن استعداد الحكومة توزيع الاراضي الحكومية على الاثوريين , وفقا لاستحقاق كل فرد منهم , لكنها لا يمكنها قطعا انتزاع الاراضي من عراقيين اخرين في المنطقة بغية توزيعها على الاثوريين (3) .
واكد ستافورد خلال ذلك الاجتماع , (( ان على الاثوريين الذين يريدون مغادرة العراق ان يدركوا بان من الصعوبة حصولهم على التسهيلات , التي تقدمها الحكومة العراقية , من قبل اي حكومة اخرى ))(4) . اما اذا قرروا مغادرة العراق فان قطعات عراقية سترافقهم الى اعالي المناطق التي يسكنوها بقصد تجريدهم من السلاح (5).
في اعقاب ذلك بدأ عدد من اتباع المارشمعون الاستعداد لمغادرة العراق . ففي الرابع عشر من تموز توجهت مجموعة منهم تجاه قرية فيشخابور على الحدود العراقية – السورية , وذلك للعبور الى الاراضي السورية بعدما اعلنت سلطات الانتداب الفرنسي هناك عن استعدادها لاستقبال اللاجئين الاثوريين , شريطة تسليم اسلحتهم الى السلطات العراقية قبل عبورهم الحدود. وبدورها اعربت الاخيرة عن استعدادها استقبال من يرغب بالعودة الى العراق , اذا اراد ذلك فيما بعد , بعد ان يتم تجريده من السلاح (1) .
ولهذا الغرض تهيأت قوة عسكرية عراقية , لمراقبة الحدود مع سوريا والاشراف على نزع سلاح العابرين (2). وفي غضون ذلك عبر نحو الف وثلثمائة(3)وخمسون اثوري الى سوريا بعد ان تركوا قراهم وعوائلهم دون حماية(4).
مع بداية شهر اب عام 1933 بدأت الاحداث تتصاعد بسرعة , ففي بداية هذا الشهر عبر حوالي مائتان من الاثوريين نهر دجلة عند نقطة فيشخابور عائدين الى قراهم في العراق مع اسلحتهم , بعد ان اعادتها اليهم السلطات الفرنسية في سوريا. خلافا للاتفاق الذي كانت قد عقدته مع السلطات العراقية حول هذا الموضوع(5).
وقد حدث خلال عبور العائدين الى العراق تبادل اطلاق النار بين المسلحين الاثوريين وقوات الجيش العراقي . وخلال احدى المواجهات خسر ثلاث ضباط وثلاثون جنديا حياتهم , في حين جرح اربعون اخرون . وقد اشعلت هذه الحادثة نار المواجهة بين الجيش والمسلحين الاثوريين , فقررت الحكومة الرد بقوة(6) .
ويشير احد الباحثين العراقيين الى ان بكر صدقي , الذي قاد فيما بعد العمليات العسكرية ضد الاثوريين كان مترددا في مواجهتهم عسكريا بسبب كفاءة تدريبهم , واسلحتهم الحديثة , ولكن احد ضباط ركنه وهو اسماعيل صفوة , كان على عكس ذلك متحمسا لهذه المواجهة(7) .
كما ان الامير غازي(1)الذي كان خلال تلك الاحداث قد حل محل والده الملك فيصل في ادارة شؤون العراق , كان يضغط باتجاه المواجهة العسكرية ضد المسلحين الاثوريين , حتى انه قام بنفسه بتفقد القوات العسكرية التي اعدت لتلك المجابهة(2).
بينما يذكر معروف جياووك , ان البريطانيين في العراق والذين كانوا يهدفون الى اسقاط حكومة رشيد عالي(3)الكيلاني ( 20 اذار 1933 – 9 ايلول 1933 ) قد نصحوا الحكومة بعدم اللجوء الى الحل العسكري ضد الاثوريين . وقد شكك ستافورد بقدرة الجيش العراقي على التصدي للمسلحين الاثوريين , غير ان الحكومة لم تصغ الى تحذيرات المسؤولين البريطانيين في العراق(4) .
– انفجار الوضع وبدأ المواجهة العسكرية بين الحكومة والاثوريين
بدأ الجيش عملياته ليلة الرابع على الخامس من اب عام 1933 . واستمرت هذه العمليات لغاية الحادي عشر من الشهر نفسه(1). ويذكر ان مجموعات مسلحة من العشائر الموالية للحكومة قد شاركت في القتال الى جانب قوات الجيش .
أعقب تلك العمليات استباحة القرى الاثورية في عمليات نهب وسلب لها, بما فيها تلك التي كانت تخص اثوريين لم يكونوا طرفا في تلك المواجهات اصلا(2) . وقد جرت اعنف المواجهات في قرية (( سميل ))(3) التي تحصن بها اعداد من المسلحين الاثوريين بعد ان طاردتهم قوات من الشرطة والجيش , وخلال محاصرة القوات العراقية لتلك القرية قتلت وجرحت اعداد كبيرة (4)من الاثوريين , بضمنهم عدد من النساء والاطفال . كما شارك افراد من عشائر عربية وكردية في عمليات نهب لممتلكات الاثوريين(5) .
وفي الثاني عشر من اب عام 1933 اصدرت القيادة العسكرية بيانا للشعب اعلنت فيه انتهاء العمليات العسكرية ضد الاثوريين المتمردين , وعبرت عن ((شكر وامتنان الحكومة للشعب العراقي في مؤازرته لجيشه ))(6).
وفي الخامس عشر من اب صدر مرسوم خول مجلس الوزراء اسقاط الجنسية العراقية عن المارشمعون(1), وافراد اسرته ونفيهم الى قبرص . اذ قامت طائرة بريطانية بنقلهم الى هناك وذلك في الثامن عشر من اب عام 1933(2).
لقد اثارت تلك الاحداث الدموية الرأي العام العالمي , وعصبة الامم التي اتهمت العراق بعدم احترام تعهداته بشأن حماية الاقليات واحترام حقوقهم(3) .
وعندما نوقش الموضوع في عصبة الامم سافر الى جنيف وفد عراقي في بداية ايلول عام 1933 برئاسة ياسين الهاشمي(4). وعضوية كل من وزير الخارجية نوري السعيد ومستشار وزارة الداخلية السير ادموندز , والمقدم محمود سليمان مستشار عسكري للوفد (5).
غير ان وفاة الملك فيصل الاول في الثامن من ايلول عام 1933 دفع الحكومة العراقية الى تأجيل مناقشة القضية , ووافق مجلس العصبة على الطلب العراقي(6).
وفي الثاني والعشرين من ايلول عام 1933 جرت مناقشة القضية الاثورية في عصبة الامم مجددا . وطرح الوفد العراقي مشروع نقل الاثوريين الذين لا يرغبون العيش في العراق , والاندماج مع المجتمع العراقي بمختلف طوائفه , الى خارج العراق او الى اي بلد يختارونه , وتعهد بقيام الحكومة العراقية بتقديم المساعدة المالية للراغبين بمغادرة العراق(1) .
وفي جلسة الثالث عشر من تشرين الاول عام 1933 اتخذت العصبة قرارا بتشكيل لجنة من ممثلي كل من فرنسا , وبريطانيا وايطاليا والدانمارك والمكسيك لتأمين توطين الاثوريين الذين سيغادرون العراق , وتقرر في بادئ الامر اسكانهم في البرازيل , لكن الحكومة البرازيلية اعتذرت عن استقبالهم(2).
ويذكر ان اللجنة كانت ترى (( ان امكانية منح حكم ذاتي للاثوريين في العراق يبدوا امرا صعبا ان لم يكن مستحيلاً )) وافضل ما يمكن ان يقدم للاثوريين في هذا المجال هو تسهيل توطين من يرغب منهم , في خارج العراق(3). فايدت فرنسا استعداها لقبول توطين خمسمائة وخمسون اثورياً كانوا قد لبثوا في الاراضي السورية , منذ مغادرتهم العراق , وذلك باسكانهم في منطقة قريبة من الحدود العراقية على ضفاف الخابور واستدعاء عوائلهم للاستقرار معهم .
كذلك طرحت فكرة توطين الاثوريين في احدى مستعمراتها في افريقيا , وحظي المقترح بموافقة عصبة الامم . غير ان ارتفاع تكاليف نقلهم حال دون تنفيذ اي من هذه المقترحات او المشاريع(4) .
ومع مرور الوقت , بدأت الاوضاع تتجه نحو الاستقرار . فصرف النظر عن مغادرة الاثوريين للعراق اذ بدأوا يستقرون في قرى متفرقة في شمال البلاد , لكن مع السماح لرؤسائهم بممارسة سلطاتهم الروحية فقط(5).
وتجب الاشارة الى ان العديدين ممن عالجوا مشكلة الاثوريين , حاولوا ربط ما وقع للاثوريين من احداث دامية في العام 1933 , بالكرد , استناداً الى الاصل الكردي لقائد العمليات العسكرية خلال تلك الاحداث , بكر صدقي وهو الموضوع الذي سنعالجه خلال المبحث التالي.
التآخي