الرئيسية » مقالات » في ستوكهولم: ندوة عن (الثقافة والعنف في العراق)

في ستوكهولم: ندوة عن (الثقافة والعنف في العراق)

– ستوكهولم-

تحت هذا العنوان شهدت ستوكهولم يوم الجمعة 5 أيلول ‏2008م، ندوة حوارية أعدتها منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السويد واتحاد الجمعيات العراقية في السويد ونادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد، ورابطة المرأة العراقية في السويد. تضمنت الجلسة عدة سيمنارات حول موضوعة (الثقافة والعنف في العراق) وأستحضار الفقيد والشهيد كامل شياع الذي نالته رصاصات غدر القوى الهمجية التي لا تستطيع أن تواكب روح العصر ولا تعرف غير لغة القتل ولا تحترم أدنى المعايير الإنسانية.
شارك في الندوة كل من، الدكتور صالح ياسر رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة، وفرات المحسن الكاتب والصحفي والمهتم بالشأن الثقافي، وطالب عبد الأمير الكاتب والإعلامي. وأدار الجلسة الدكتور عقيل الناصري. كما حضر الندوة جمهور غفير من أبناء الجالية العراقية في السويد.

وقف الجميع دقيقة صمت على روح الفقيد كامل شياع الذي توسطت صوره القاعة وقدم لها الدكتور الناصري بتكثيف جميل داعياً إلى بذل الجهود من أجل إدانة العنف والإرهاب والتخلص منه والمطالبة بملاحقة المجرمين والقاص منهم . وقدم ضيوف الجلسة. الدكتور صالح ياسر تناول سيرة هذا الإنسان الرائع الذي تجسدت فيه الخصال الجميلة مبتدءا بالقول، ((كامل …. لن ننساك لان الورد يظلّ يعبق برائحة الحياة ولا يشيخ..
في ظهيرة يوم بغدادي ساخن، وبالتحديد في 23/آب/2008 امتطى صهوة الشهادة فارسٌ آخر من فرسان الثقافة الحرة والديمقراطية والكلمة الشجاعة، انه الرفيق والصديق العزيز كامل شياع عبد الله، المستشار في وزارة الثقافة وعضو هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) وعضو لجنة الإعلام المركزي في الحزب الشيوعي العراقي.

هكذا إذن داهمت الرصاصات الغادرة صدر كامل وهو الذي ظلّ يراوغها بعبوره الدائم للكمائن القتالة التي هندسها فرسان الحروب العبثية منذ تركه هدوءَ الغربةِ ورتابتها وأمانها المريب ليكون من أوائل العائدين الى الوطن بعد سقوط الدكتاتورية إلى جانب أهله ورفاقه وحزبه ووطنه حاملا دمه على راحة كفيه. لقد بقي كامل ثابتا في موقعه الوظيفي الخطير والمسؤول في أيام انزوى فيها كثيرون، أيام اختلط فيها حابل المتنافسين على الثروة والسلطة والنفوذ بنابل ” أبطال حروب المتاريس المتقابلة “، مدافعا عن وطن موحد يحتضن الجميع بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العقيدة أو الجنس والموقع الاقتصادي – الاجتماعي… الخ.. هكذا إذن رحل كامل وبرحيلهِ تنكسُ الثقافةُ العراقيةُ الحرةُ والديمقراطية قامتها، وبفقده نودع مثقفا كبيرا وأحد حملة مشروع التغيير والحداثة والديمقراطية.)) وليكمل القول، ((لماذا إذن أطلقوا نيران أسلحتهم على كامل؟. في معرض الإجابة المكثفة على هذا السؤال، يمكن القول ومن دون أدنى تردد ان تلك الرصاصات كانت تستهدف الرهان/المشروع الذي يمثله كامل. انه رهان المثقف الذي عاش منفيا معارضا للدكتاتورية، ثم اختار العودة إلى العراق بعد سقوط الدكتاتورية والعمل من داخله وليس الوقوف متأملا ينتظر ما يحدث.

انه رهان المثقف العضوي المرتبط بالرهانات الكبرى للمجتمع.

رهان الحياة، بإزاء أيديولوجيات الموت.

رهان الدولة المدنية الديمقراطية العصرية، بإزاء دولة المحاصصات وفوضاها ” المنظمة “.

رهان الديمقراطية، بإزاء الإرهاب والشمولية والدكتاتورية والعسف.

رهان الوطنية العراقية الأصيلة، بإزاء ملوك الطوائف.

رهان الكلمة الشجاعة، بإزاء الطلقة الخائبة.



وبالتالي فان المعركة الدائرة، بغض النظر عما تتخذه من أشكال وتجليات، هي في نهاية المطاف معركة بدائل وصراع إرادات حول تشكل الواقع وتحديد معالم المستقبل: أي مستقبل سيكون وأية دولة ستكون. كامل كان يعرف جيدا، إذن، الدور المنوط به في هذه المرحلة الانتقالية المتناقضة والمضطربة، دور الدفاع عن الثقافة الوطنية والديمقراطية بديل ثقافة العنف وحروب المتاريس والكمائن القتالة والذبح على الهوية.))

أما فرات المحسن، فقد تناول موضوعة (( ثقافة)) العنف في العراق، مبتدءا الحديث عن الشهيد، قائلا، ((كان كامل شياع أنموذجا وقيمة عليا للتفاني في حب ليس للثقافة وحدها وإنما لغرس الحب ذاته.. للحقيقة الواضحة..حقيقة الوطن الذي وله به ..لقد تفوق كامل بذلك الحب وكان متماسكا في جهده الثقافي مثلما في حبه للعراق. فاق أخلاصة لمهمته الثقافية التحررية حدود التصور وهو يتجول بين مكامن الوحشية ومليشيات الجريمة ليرسم لوحات المحبة بهدوئه ورصانته ووعيه المعرفي العالي.
ولكني أقول اليوم: بقدر ما احزن وأرثي الضحية أرثي معه المجرم وأهله ومجتمعه.. فقدنا الكثير من خيرة الشباب الطيب الوديع، حامل رايات المعرفة، المتطلع لمجتمع واع يعمل من أجل السلم الاجتماعي وحياة تسودها لغة الحوار الحضاري البعيد كل البعد عن الإقصاء والقهر والإكراه والقتل.سوف نخسر الكثير الكثير ولن يكون الشهيد كامل شياع أخر ضحايا الهمجية..فالصراع هو بين مفهومين للحياة..بين طبيعتين وسلوكين للحوار..بين من توقف الزمن في ذهنه عند دياجير الكهوف المظلمة، هذا الذي يرى في مخالفي الرأي وأصحاب المعرفة والعلوم والثقافة أعداء يتحتم إبعادهم واختفائهم وبين من يؤمن بأن العالم يسع الجميع وأن الحوار الحضاري والثقافة والمعرفة لقادرة على اجتراح المعجزات وجسر الخلافات والوصول إلى بناء الوطن وسلمه الاجتماعي.
للشهيد كامل شياع محبة ملء القلوب ولقتلته الذل والخسران ))، ثم تناول بعدها موضوعة العنف في العراق بشكل مفصل.

أما مداخلة طالب عبد الأمير فجاء فيها، ((ان تنوع الحياة السياسية والتنظيمية حيث تشكيل أحزاب وجمعيات اختصاصية ومنظمات مجتمع مدني جديدة، انتشرت بعد التاسع من ابريل، هي ظاهرة ايجابية في المجتمع، ولكن يجب أن تؤسس وفق مبادئ الاحترام المتبادل والمنافسة الحرة وعدم الإقصاء والتهميش. كما أن تعدد وسائل الاتصال الجماهيري، من صحف ومجلات ووسائل إعلام سمعية وبصرية، ظاهرة ايجابية، هي الأخرى، ولكن يجب أن تتوفر لها الأرضية السليمة لحماية حرية التعبير عن الرأي وحق الرد المكفولة بقانون ينظم هذه العملية الحضارية. لكي تكون ساحات للحوار البناء وترسيخ ثقافة اللاعنف.
بان يكون هناك مشروع وطني إنساني عام لترسيخ هذه الثقافة، تشترك فيه جميع الأقلام المنتجة لإبداعات الفكر الإنساني المنفتح على المنجز الإنساني العالمي، بمختلف خلفياتها العلمية والأدبية والفنية، حيث يلعب المثقف، بكل تصنيفاته، دور الناشر للرؤى الإنسانية المنفتحة على مصادر هذا الفكر، وترسيخ مفاهيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان وصون كرامته، وإشاعة روح التسامح، وإعادة الثقة بالنفس، ولهذا يمكن أن تتشكل لجان مختصة في مجالات العلوم والفنون والتراث لإبراز ما يتعلق بهذه المفاهيم وتطهير المناهج الدراسية والتربوية من كل ماله صلة بالعنف ونشر ثقافة التسامح والحوار البناء والاعتماد على القضاء والحكم النزيه في حال حدوث نزاعات معينة، بمعنى إعادة هيبة القانون واحترامه وفق مبدأ المساواة أمام القضاء والعدالة.

هذا طموح مشروع للتخلص من حالة العبث والقلق الذي يعيشه العراق، ولكن حتى يتم هذا من يحمي المثقفين؟
برأيي المثقفون يجب أن يتآزروا لحماية أنفسهم، والمجتمع ومؤسساته المدنية يجب أن تؤازرهم. وأنا أجد في دعوة عدد كبير من المثقفين العراقيين إلى تشكيل مرصد للدفاع عن مثقفي العراق بادرة جيدة، يدب أن تدعم وتتواصل))


وبعد أستراحة قصيرة فسح المجال للمداخلات، وكانت عديدة ومتنوعة من قبل الحضور. والذين في الختام أتفقوا على إصدار نداء من أجل حماية الثقافة ومنتجيها وصدر بأسم جميع الحضور.
وفيما يلي نص النداء.
نداء من أجل حماية الثقافة ومنتجيها
مُنيت الثقافة الوطنية والديمقراطية العراقية بخسارة كبيرة تمثلت باغتيال الأستاذ كامل شياع مستشار وزارة الثقافة وعضو هيئة تحرير الثقافة الجديدة وأحد أبرز المثقفين العراقيين، وواحد من أهم المدافعين عن عراق مدني، حر، ديمقراطي، عادل.
لم يكن كامل أول الضحايا، ولن يكون آخرهم. كما أن اغتياله لم يكن لتحقيق أهداف شخصية لمرتكبي هذه الفعلة الدنيئة، بل ان الرصاصات الغادرة التي أطلقت عليه كانت تستهدف الرهان الذي راهن عليه والمشروع الذي ارتبط به، مشروع الدولة المدنية الديمقراطية المعاصرة، العابرة للطوائف والاثنيات والمحاصصات.
وإذ ننطلق من الإشارة إلى أهمية استشهاد كامل شياع فذلك لأننا نعرف جيدا ان الثقافة شكلت عنصرا أساسيا من العناصر المكونة للحياة، وقد عدت دائما الوجه الأجمل والأنصع في النشاط الإنساني. وبالمقابل تميزت في بلادنا تلاوين مختلفة من مشاريع ثقافية على اختلاف فترات التأريخ العريق للشعب العراقي، وبالخصوص في فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وحققت الثقافة حضورا مميزا وإنجازات لا تغفلها العين، وغذت أوساط الجماهير العراقية بالمعرفة والعلوم والفنون الرصينة، وطورت ملكات الناس المعرفية وصعدت في وعيهم القيم الإنسانية النبيلة. وكان لمنتجي الثقافة وقفات مشرفة في المنعطفات الحادة من تأريخ بلادنا. وحرصت الغالبية منهم على تضمين منجزها الإبداعي بما يصعد الحرص على البناء الوطني للدولة الديمقراطية الحديثة، دولة القانون والمؤسسات الضامنة لحقوق الناس، وحملت نتاجاتهم شعارات التحرر والتقدم والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. وفي عهد الدكتاتورية البغيض كانت للكثير من منتجي الثقافة وقفات جادة عرّت سياسات الاستبداد والقهر والجريمة. السياسات الرعناء التي عرّضت الشعب العراقي للعزلة وأشاعت بين أوساطه الاضطراب والبلبلة الفكرية، وسببت في انهيار منظومة القيم المجتمعية وتراجع دور الثقافة والوعي الاجتماعي عموما، وانحسار الإحساس بالانتماء الوطني وفهم مشوه للهوية الوطنية العراقية الجامعة.
واليوم ندرك جيدا أن هناك صراعا مكشوفا ومتعدد النوايا والأغراض يدور في بلادنا حول الراهن والمستقبل. ومن بين أهم أوجه هذا الصراع هو ما يدور حول الجبهة الثقافية الساخنة دوما، بين اتجاهين رئيسيين. يمثل الاتجاه الأول دعاة ثقافة التسطيح والتجهيل الذي يعتمدون في تحقيق أهدافهم على وسائل تجمع بين التهديد والقتل وتعميم ثقافة الخوف لإبعاد خصومهم من حملة المعرفة والعلوم والثقافة والفنون بكل أنواعها. أما الاتجاه الثاني فيمثله الماسكون بجمرة الحياة، الحاملون لرايات التحرر والديمقراطية واحترام الآخر، أولئك الذين يراهنون على سلاح الحوار الحضاري كبديل لسلاح الترهيب والإكراه والعنف بمختلف أشكاله. ينطلق أنصار هذا الاتجاه، بمختلف تلاوينهم، من رؤية واضحة، أن هذا الطريق هو السبيل الوحيد لحل الخلافات وإيصال العراق إلى بر الأمان وتحقيق السلم الاجتماعي، وهذا وحده يساهم في خلق الظروف والشروط لتحقيق هدف العراقيين النبيل المتمثل في إنهاء الاحتلال البغيض واستعادة السيادة والاستقلال وبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد.
إننا نطالب اليوم وبعد أن وجهت الكثير من جرائم الغدر البشعة، وآخرها جريمة اغتيال الفقيد كامل شياع، ضد الثقافة والمعرفة والعلوم والفنون ومبدعيها، نطالب الدولة التي عمل فيها كامل منذ رحيل النظام الدكتاتوري إلى تحمل مسؤوليتها في الكشف عن الجناة الذين سفحوا روح أحد أبرز أبناء العراق، وعن حماية كل فرد عراقي. ولن يتحقق ذلك إلا بعمل حقيقي مبرمج ودقيق يضع صيغ عملية وقانونية تتطابق ومصالح الناس وتحقق طموحهم في الحرية والتقدم والعدل والسلم الاجتماعي والديمقراطية، ونعتقد أن مثل هذا الفعل المطلوب لن يولد دون حماية الدور المميز لصانعي الثقافة ومنتجي المعرفة. ولن تكون هناك خطط فاعلة لوقف هذه الوحشية المنفلتة إن لم يقف جميع من يهمهم بناء العراق ومستقبله، بوجه قوى الإرهاب والعنف والجريمة التي اعتادت ان توجه أسلحتها نحو عقول أبناء وبنات العراق، بناة غده الواعد.
إننا نطالب بإعادة الاعتبار إلى الحياة الثقافية ودورها الريادي في حياة الشعب وتأمين استمرارها وانتعاشها على وفق أسس الديمقراطية وسلطة القانون. ونؤكد هنا بأن أي عمل سياسي أو اجتماعي لا يستند إلى وعي ثقافي ويُشرك فيه صناع المعرفة، سوف يحمل بذرة فشله المحتم وهو في نهاية المطاف، إهدار للطاقات من غير طائل.
إن مستقبل الثقافة في العراق لن تكون له الآفاق المرجوة، إذا لم تنهض كافة قوى الشعب ولاسيما تلك ذات المصلحة الحقيقية بالتغيير الديمقراطي، للإطلاع بمهامها في الدفاع عن الثقافة وحماية منتجي وصناع ومروجي الثقافة والعلوم والمعرفة والفنون.
لنوحد جهودنا من اجل حماية المثقفين لقناعتنا التامة بأن المثقف سيظل، كما كان على الدوام، واحدا من صنّاع حلم العراق الديمقراطي الحر والمستقل والموحد. إننا نراهن على هذا الخيار وسنواصل السير عليه، رغم كل الصعوبات والمخاطر ومحاولات التهميش والإقصاء، والمحاولات المحمومة إلى دفع المثقف لإعلان استقالته وإخراجه من معادلة الصراع الدائرة اليوم. ونعلن من هنا، من العاصمة السويدية ستوكهولم، ضم جهودنا لما يقام من فعاليات في مواقع أخرى لدعم أية مبادرة توحد الجهود وتساهم في شل أيادي قوى الإرهاب والجريمة من أن تطال مبدعي الثقافة وصانعي الأمل والفرح الدائب.
ستوكهولم:
التاريخ : 05 / 09 / 2008