الرئيسية » شخصيات كوردية » بمناسبة رحيل المبدع يلماز كونبه الحياة القصيرة لفنان شامخ الرأس ..؟

بمناسبة رحيل المبدع يلماز كونبه الحياة القصيرة لفنان شامخ الرأس ..؟

إعداد وتقديم : ماهين شيخاني .

هناك حكمة رافقتني منذ الطفولة كنت اكتبها على دفاتري المدرسية حيث تقول : قيمة الإنسان فيما يخلفه – وقيمة شعبنا بما يخلفه قادتنا وروادنا وأدباءنا وفنانينا , انتهز هذه الفرصة بمناسبة رحيل الفنان المخرج المبدع يلماز كونيه فيما خلفه من إبداعات وأعمال سينمائية وكتابية ألزم الضمير العالمي بتفهم قضيته – قضية شعب يعاني من ظلم واستبداد وحرمان من ابسط الحقوق الإنسانية – وهذه الأعمال نالت جوائز عديدة ورفعت اسم كاتب الرؤوس المحنية إلى الشموخ . لقد عاش يلماز كونيه 47 عاماً. قضى 11 منها في غياهب السجون، ونصف سنة في المنفى، وتشرد ثلاثة أعوام في ديار الغربة. لقد منحه القدر وقتاً قصيراً للإبداع، ومع ذلك كتب السيناريو لـ (53) فيلماً، ومثل في (110) أفلام، وأخرج (17) فيلماً، ونشر (4) روايات ومئات القصص. فكم كان بإمكان هذا الكاتب الإنسان أن يبدع، لو عاش أكثر؟!.
عاش يلماز في فترة الاضطرابات والصراعات الداخلية في تركيا. وبديهي أن تترك الأحداث، التي جرت في تلك الفترة، بصماتها على إبداع هذا الكاتب والمخرج والممثل السينمائي الكبير.
بدأ نشاطه الفني ممثلاً في السينما. أبطال أفلامه شخصيات درامية متنوعة؛ فبعضهم من المجتمع المخملي، وآخرون جبليون يمثلون دور الظرفاء الشجعان، الذين لا يمكن قهرهم.
في أواسط الستينيات، أصبح يلماز كونيه أكثر الممثلين شهرة. ففي عام 1967، ولأول مرة، تخصص في الإخراج السينمائي، وعُرض على الشاشة فيلمه “اسمي كريم”. أما فيلمه “سيد خان”، الذي أخرجه في عام 1968، فقد حمل إليه المجد. ناضل يلماز كونيه، ككاتب وسينمائي، ضد القوى المتخلفة، وسبح على الدوام ضد التيار؛ مع أنه كان في وسعه أن يعيش حياة عادية، مخرجاً أفلاماً، وواضعاً مؤلفات أدبية لا قيمة فنية لها، وتلقى – مع ذلك- إقبالاً ورواجاً لدى تجار السينما والمنشآت الثقافية، لكنه لم يفعل؛ لأن هدفه كان خدمة شعبه المحروم من أبسط حقوقه. لهذا حاولوا تحطيم إرادته، وحرموه من الحرية، على مراحل؛ ومع ذلك لم يفلحوا في كسر شوكته.
في عام 1974 ألقي بيلماز كونيه في غياهب السجن، وللمرة الثالثة، بتهمة ملفقة. وفي عام 1981 هرب من السجن،وغادر بلاده مهاجراً، بعيداً عن الوطن.


طفولته :


ولد يلماز حميد أوغلو بيوتون في الأول من نيسان1937 في قرية ينيجيه التابعة لأضنه من والدين فقيرين , التقيا في أضنة وتزوجا .
عمل والده – حميد بوتون- مديراً لمزرعة أحد الإقطاعيين , عمل يلماز مع والده في جنيه الفواكه وسقاية القطن وقطفه وعتالا وهو في سن الخامسة وهذه الفترة يعتبرها يلماز كونيه فترة سعيدة في حياته وصديق طفولته اسمه سلو ابن فلاح فقير كانا يلعبان مع أولاد الأغنياء لعبة العربة والخيول طبعاً كان يلماز وسلو الخيول وذات يوم ٍمرض سلو مرضا ًشديداً نقل على أثره إلى المركز الصحي البسيط فعاد سلو جثة هامدة على عربة يجرها حصان ومنذ ذلك الوقت رفض يلماز أن يكون حصاناً في لعبة أولاد الأغنياء…….
في سن السابعة تبدأ المأساة ومعاناة يلماز وشقيقته و والدتهما لأن الوالد قد تزوج من امرأة أخرى وتحول إلى رجل شديد فكم من ليلة قضاها يلماز مع والد ته وأخته تحت أشجار البستان وكم من مرة سافروا مشياً على الأقدام إلى أضنة التي تبعد 27 كم عن قريته وطول الطريق كانت الوالدة تبكي وتشدو كبلبل حزين فتكبر معاناة يلماز…….درس يلماز في ابتدائية القرية الصفوف الثلاثة الأولى ثم استقر في أضنة مع والد ته وثلاثة أخوة وأخت أخرى من أمه طبعاً أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية في أضنة وفيها.عمل بائعا ًمتجولاً وبائعا ًلدى أحد البقاليات وأجير قصاب ثم عمل في شركة سينمائية عارضاً للأفلام و مصوراً للرحلات السياحية في القرى و بهذا كان ظهوره الأول في السينما عمل يلماز كل هذه الأعمال لكي يؤمن مصروفه و مصروف عائلته وهو طالب في الأول الثانوي. مارس يلماز اكثر من مهنة ليكسب قوة عيشه ومصروفا لدراسته حيث اكمل الثانوية و سجل في جامعة استنبول في كلية الاقتصاد (*) و في استنبول تبلورت مفاهيم كونيه الثورية و الذي كان بطبيعته الطبقية الثورية حيث يدل على ذلك رفضه الطفولي في مرحلة بسيطة من حياته لأشكال التعسف الاجتماعي ضد طبقته , و شعبه, حيث يدل اسمه جليا على ذلك , ف (يلماز ) يعني ( القاسي ) و لقبه كان بوتون لكنه أختار كونيه و تعني ( المسكين ).

وفي التحام القوة بالبساطة انطلق يلماز كونيه موهبة إبداعية وإصبعا ثوريا يشير إلى عيني عدوه في عزما لا يهاب, كسبباً لكل آلام شعبه وفقره واضطهاده. لهذا أحبته الجماهير وجعلته في أعلى القمم .وكانت صوره واسمه هي الأكثر ظهوراً في شوارع تركيا وبيوتها الفقيرة وفي صالات عرض الأفلام السينمائية وما أن وصل كونيه إلى استنبول حتى تحررت دمائه من عروقه ودبت فيه حركة أكثر توهجا فكان ورشة كاملة من العطاء. منها إصداره عام ١٩٥٨ مجلتين هما بوران ودوروك ويساهم في تحرير جريدة الحائط الجامعية, لكن ذلك لم يستمر طويلا ً ولأسباب معروفة دوماً. كتب قصته الأولى الأعناق الملوية ١٩٦١ وكانت محطة ليزج في إحدى السجون بتهمة ( المثقف الأحمر ) .



الطريق
لم يكن السجن ليلماز جدران مغلقة بل عالم جديد من العمل واختراق الذات وانفعال الفكر والقهر والخيال والحب ليكتب من عالمه هذا أجمل سيمفونياته وأجمل ملاحمه فقد كتب رائعته (صالبا) عام ١٩٧٣ من سجن السليمة والتي طبعت داخل تركيا أكثر من سبع مرات وطبعت خارج تركيا بعدة لغات حيث طبعت في سوريا مرتين وكتب رواية (معادلات مع ثلاث غرباء ) وكتب مئات القصائد والمقالات كما كتب سيناريوهات أكثر من فيلم داخل السجن وكان أكثرها شهرة فيلم ( الرفيق. القطيع وآخرها فيلم يول, الطريق ).
انه ليحق لنا أن نسمي فن كونيه فن الحرية وليس بفن السجون لأنه كان يدرك حريته داخل السجن اكثر ما كان يحسها خارجه.

كان كونيه زائرا دائما للسجون ومنها كان يزداد عنادا أكثر في مواقفه ورؤيته للعالم وتصويرا لعلاقات مجتمعه. بدأ كونيه العمل السينمائي كعلاقة عمل يغطي مصاريفه الدراسية ولكنه رأى نفسه منغمسا في حب السينما لأنه كان أصلا مولعا بالشعر والقصة, وكان أول عمل له مع المخرج التركي التقدمي عاطف يلماز عام ١٩٥٨ ومنها بدأ يلماز يكتب ويمثل ويخرج حيث ظهر في أول عمل فني عام ١٩٥٨ في فيلم ( أبناء هذا الوطن ) .
لم يكن عمل يلماز السينمائي سهلا رغم قوله (وبالفعل تحقق ذلك بسهولة لم أكن أتوقعها ).

إلا انه كان محاصراً من فاشية العسكر والرقيب لفكره وعمله وقد عمل يلماز في أولى حياته أفلام تجاريه فاقت المائة أصبح من خلالها البطل الأول في بال الجماهير والبطل الأكثر طلبا من منتجي الأفلام السينمائية فمن يتعاقد مع يلماز كونيه على فيلم فهذا يعني ربحا أكيدا ومن أفلام تلك المرحلة. النهر الأحمر , النعجة السوداء , القاتل الضحية , ملك الملوك… وغيرها ومن خلال ذلك تحققت ليلماز كونيه الأرضية القوية من الشهرة وشباك التذاكر والرأسمال الممكن ليستطيع أن يحقق ما يريد ويفرض نفسه على المنتجين.

وكان عام ١٩٦٦ تحولا كبيراً في حياة كونيه حيث ظهرت له أفلام من نوع جديد أرسى من خلالها مدرسة جديدة للسينما التركية والتي أخذت بعداً عالمياً وداخلياً وسرعان ما تأثر بها المنتجين المتخمين نتيجة طلبها من الجمهور فأخرج , سيد خان , الذئاب الجائعة , رجل قبيح , وكانت باكورة أعماله في تلك المرحلة فيلم (الأمل )الذي أوصل كونيه على جناحيه إلى أكبر المهرجانات العالمية حيث نال – ١٧ – جائزة على فيلمه وجذب إليه العيون والسمعة القوية بين فناني العالم.

كانت مقولة يلماز في تلك الفترة ( أنا لا أصنع سينما بل أكتفي ببيان الحياة الواقعية… لابد من إظهار الاستغلال الذي تتعرض له طبقتي ولصالح من …) وبدأت الجماهير من خلال شهرته تنظر إليه مخلصا ودليلا يخرجها من عالم البؤس والفاقة, كان كونيه يتألم لعفوية الوعي الجماهيري فهو أراد في أفلامه أن يقول…(هذا الواقع وهذه طبقاته وشرائحه وهؤلاء هم المسببين فشقوا الطريق, ومزقوا صدور ظالميكم بفؤوسكم ومطارقكم واصنعوا حياتكم وتاريخكم الجديد) .
وبما انه يسترشد بالماركسية كمبدأ ومنهج جمالي وفكري التزم به وسار على هديه , بدأ يخرج أفلام أكثر قوة وذلك بعد عام ١٩٧٢ حيث اخرج أفلام … ( الآلام المرثية … غدا هو اليوم الآخر .. الأب .. ) ليدخل السجن من جديد ولكنه لم يتوقف عن العمل أبداً حيث ضربت إحدى أفلامه أرقاماً قياسية في إنجازها…أربعة عشر يوما … كان كونيه فكرا لا يتوقف وأحاسيس لا تنضب وجسدا لا يتعب فهو يريد الوصول إلى بغيته بأسرع وقت فاخرج ( القطيع ) ليقول القليل عن الكثير من قضايا شعبه الفقير في عالم محروم حتى من ذكر اسمه .. أتراك الجبال ..حيث رسم كونيه مأساة هذا الشعب المستمرة وفجرها على يد بيرفان عندما يخنق سمسار الخراف ليقول أن هذا الشعب عندما سينفجر سيجرف معه من يقف في وجهه ولن يفلت أحد من عدله ومن أصابعه. وفي فيلم …(يول ).ماذا أراد أن يقول كونيه أين الطريق .. أين السجن الحقيقي . هل هو السجن المحاط بالهراوات والأسلحة والأسلاك الشائكة أم هو هذا البلد الكبير المحاط بنقاط الحدود وبالبحار المسمى تركيا.


كان يلماز كونيه يعمل نهاراً، ويكتب ليلاً. أولى رواياته كانت بعنوان “الأعناق الملتوية”، ثم غير عنوانها إلى “ماتوا ورؤوسهم محنية”، وترجمت إلى اللغة الفرنسية، ومنها إلى اللغة العربية، تحت نفس هذا العنوان،كذلك ترجمت إلى اللغة الروسية تحت عنوان “الأرواح المُزهَقة”. في روايته هذه، يبني حواراته بمهارة خارقة، وفيها مسحة من الروح الفكاهة.


أفلام يلماز كونيه

المرحلة التجارية

١. أبناء هذا الوطن.
٢. زمن التبغ.
٣. ملك المحتالين.
٤. عشرة رجال لا يخافون.
٥. الوعل.
٦. قصة حب قرة جه اوغلان.
٧. البلاء العذب.
٨. الدفتر البني.
٩. أعيش كما مت.
١٠. الملك البشع.
١١. كان هناك دم في الشارع .
١٢. البطل يكون جريحا.
١٣ .النسر الجريح.
١٤. عارف من بالاط.
١٥. النهر الأحمر.
١٦. النعجه السوداء.
١٧. قوزان أوغلوا.
١٨. القاتل الضحيه.
١٩. قاسم باشا.
٢٠. صديق. الكونياك.
٢١. ملك الملوك.
٢٢. فرس امرأة وقطعة سلاح.
٢٣. أنا لا أتأثر بالرصاص.
٢٤. أنا اسميه كريم.
٢٥. نوري البرغوث.

المرحلة الجادة
١. سيد خان
٢. الذئاب الجائعة
٣. رجل قبيح
٤. الأمل
٥. الهاربون
٦. الفقراء
٧. المضاربون
٨. غدا هو اليوم الأخير
٩. اليائسون
١٠. العلقم
١١. المرثية
١٢. الأب
١٣. الرفيق
١٤. القلق
١٥. الكابوس
١٦. إجازة
١٧. لا بد من ذلك ذات يوم
١٨. العدو
١٩. القطيع
٢٠. الطريق
٢١. الهاربون
٢٢. الجدار

الأعمال الأدبية :

بدأ يلماز كونيه مع الأدب قبل أن يبدأ مع السينما ، حيث اتجه إلى كتابة القصص التي تعكس الواقع المزري المعاش في تركيا ، والتي انتقد من خلالها ذلك الواقع بشدة وبجرأة لامثيل لها . إلا أن يلماز نفسه لم يسلم من ظلم السلطات التركية آنذاك ، حيث أن قصصه عانت كثيراً من سيف الرقابة المسلّط على كافة النشاطات في مختلف مجالات الحياة. فتعرضت إحدى قصصه للملاحقة من قِبل السلطات وكان ذلك في عام 1975 وحُكِم على يلماز كونيه بالسجن سبع سنوات ونصف غيابياً ، وعندما ألقوا القبض عليه وأودعوه السجن خُفِف الحكم إلى السجن سنة ونصف والنفي ستة أشهر.
إن شخصية يلمازكونيه متعددة الجوانب، وكل جانب من جوانبها يتميز بخصائص عديدة. هناك الأديب القاص والروائي المبدع ، وهناك الممثل البارع والسيناريست والمخرج السينمائي الذي لم تستطع السلطات التركية بكل ترسانتها العسكرية وبقمعها وبحدودها الجغرافية الواسعة من أن تقيّد حريته وإبداعه. والأهم من هذا وذاك في شخصيته هو الجانب الإنساني ، حيث هناك يلماز كونيه الإنسان الذي تمرّد على الظلم والفقر ، وأدرك في فترة مبكّرة من عمره المعاني الحقيقية للوجود. إن أي شخص عندما يريد أن يتناول الجانب الفني او الادبي من شخصية يلماز كونيه سيدرك تماما حقيقة وعظمة شأن هذا الإنسان وأهمية ماقدّمه للبشرية.



أهم مؤلفاته، كتبه ورواياته:
ـ الموت يناديني
ـ ثلاث حقائق للظلم الاجتماعي
ـ ماتوا ورؤوسهم محنية حازت هذه الرواية على جائزة أورهان كمال عام 1970 وهي أرفع جائزة أدبية في تركيا، وهي روايته الأولى، والتي تشابكت خيوطها الأولى في رأسه في منفاه الأول إلى قونية , وتجدر الإشارة بأن هذه الرواية مترجمة إلى اللغة العربية.
ـ المتهم
ـ غرفة سجني أو (حجرتي)
ـ صالبا وهي من أهم روايات كونيه والروايات العالمية الخالدة (مترجمة أيضاً إلى العربية) نشرها في عام 1975 وقيل أنه رشح بسببها إلى جائزة نوبل
وله الكثير من الكتابات الأخرى منها الأدبية ومنها السياسية، وكتب عشرات السيناريوهات..
ساهم في تأسيس المعهد الكردي في باريس والموجود إلى الوقت الحالي، وكان من أعضاء الهيئة الاستشارية لمجلة “دراسات كردستانية” التي كانت تصدر من نفس المعهد بأربع لغات وتضم في هيئتها الاستشارية مجموعة من كبار المثقفين في العالم.


فترة السجن :
تعرّض يلماز للاعتقال كثيراً ، وحُكِم عليه بالسجن في كل مرة بفترات مختلفة وتعرّض للنفي أكثر من مرة. ولكن يلماز كونيه استطاع ومن خلال ذكائه الحاد وثقته بنفسه وإصراره على الإبداع والخلق من أن يحوّل السجن الذي كان يقبع فيه إلى مكاناً لممارسة الإبداع ، حيث يقول يلماز في إحدى كتاباته: ( سنوات السجن والنفي أصبحت بالنسبة لي مدرسة كاملة.
ففي الثامن والعشرون من كانون الثاني عام 1958 حكمت عليه المحكمة الجنائية بالسجن مدة سبعة أعوام ونيف بتهمة الدعاية للشيوعية، حيث ادعت المحكمة أن الدعاية للشيوعية تحتويها قصته “ثلاث حقائق للظلم الاجتماعي”، ثم أخلي سبيله.
أما في كانون الأول من عام 1960 أصدرت محكمة الاستئناف بحقه حكماً مدته ثمانية عشر شهراً يقضيها في السجن وستة أشهر في المنفى حيث مدينة قونية وذلك تحت المراقبة الأمنية، كتب فيها روايته الكبيرة “ماتوا ورؤوسهم محنية” كما سبق وذكرنا.
في السابع عشر من آذار عام 1971 زج بكونيه مرة أخرى في السجن وحكمت عليه المحكمة بالسجن عشرة أعوام وذلك بتهمة مساعدة الطلاب الفوضويين.
أما في عام 1974 رموا بكونيه إلى السجن للمرة الثالثة وفي هذه المرة لفقوا ضده تهمة قتل قاض في أضنة، وكان ذلك القاضي من المجموعات الفاشية والمتطرفة، حيث أهان كونيه. وكان تسع وثلاثون من أصل أربعين شاهداً أدلوا بشهادتهم بعدم ارتكاب كونيه جريمة قتل القاضي، واحد فقط شهد ضده.
في لقاء بينه وبين عرفان رشيد يسأله الأخير :
ـ سؤال أخير هل قتلتَ أحداً في حياتك؟
يرد كونيه “أبداً”.
كانت مجموع الأحكام الغيابية الصادرة بحق كونيه قد تجاوزت مئة سنة.
هكذا أنتقل كونيه من سجن إلى آخر، سجن أوبتاشي، سجن سليمية، سجن إمرالي، سجن إسبارطة…
لكن كل هذه السجون وكل هذا العذاب لم تستطع أن تثني من إرادته وعزيمته، بل بالعكس تماماً فقد خلقت منه رجلاً عنيداً، صلباً، صبوراً، واثقاً من نفسه لم ينكسر ولم يهزم أبداً وظل يتابع نشاطاته الكتابية والسينمائية خلف القضبان، وأكبر مثال على ذلك أنه كتب سيناريو أشهر أفلامه (الطريق) الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان “كان” السينمائي في فرنسا وهو قابع خلف القضبان وذلك بإرسال قصاصات صغيرة إلى صديقه شريف كورين مع الإرشادات والنصائح اللازمة بكيفية إخراج وصنع الفيلم وكان كورين صادقاً في التعبير عن إرادة كونيه.
والجدير بالملاحظة أيضاً أن كونيه هو الفنان الوحيد الذي أخرج وكتب وأنتج هذا الكم الهائل من الأعمال العميقة بنظرة فنان مبدع تجاوزت رؤيته العصور وهو قابع خلف القضبان .
كونيه في رسالة إلى زوجته من السجن:
” حبيبتي، لم تكتب لنا الحياة بأن نعيش عيشاً كريماً في أمن واستقرار، وذلك لسبب بسيط هو أننا نشعر بأحزان الآخرين ونعتبرها آلامنا وأحزاننا، وإننا نتألم لمآسي أناس لم نراهم قط ، إن دموعهم تمزق أكبادنا لقد ذرفنا الدموع حتى على القطط وحمينا الطبيعة وأعشاش العصافير، فكم هو جميلٌ يا حبيبتي أن نشارك آلام ومآسي الآخرين وكم هو عظيمٌ أن تساعد أناساً للتخلص من المشقات، لقد تألمت كثيراً في حياتي وذقت العذاب بما فيه الكفاية، ولكن كم هي حلوة وجميلة هذه الحياة. حبي الآخرين وساعديهم واجعليهم يحبونك أيضاً، لا تيأسي من الحياة بل لا تجعلي الفرح يفارقك. جابهي آلامك ومآسيك في هذه الحياة بالفرح والسرور”.
أهم الجوائز التي حصل عليها:
في عام 1967 : جائزة أفضل ممثل لدور الرجال في فيلم (قانون الحدود) في مهرجان أنطاكية.
في عام 1969 : الجائزة الثالثة عن فيلم (سيد خان) في مهرجان أضنة وجائزة أفضل ممثل لدور الرجال في فيلم (سيد خان).
في عام 1970 : جائزة أحسن فيلم عن فيلمه (الأمل) وجائزة أفضل ممثل لدور الرجال في نفس الفيلم وجائزة أفضل كاتب سيناريو للسنة. كذلك جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل لدور الرجال عن فيلمه (القبيح) في مهرجان أنطاكية.
في عام 1971 : الجائزة الأولى لمهرجان أضنة عن فيلمه (المرثية). الجائزة الثانية عن فيلمه (الأمل). الجائزة الثالثة عن فيلم (اليأس) جائزة أفضل كاتب سيناريو للسنة، وجائزة أفضل مخرج للسنة أيضاً وجائزة أفضل ممثل عن دور الرجال.
في عام 1972 : الجائزة الأولى عن فيلم (الأب) في مهرجان أضنة، وكذلك جائزة النقاد في نفس السنة عن نفس الفيلم، كذلك جائزة أفضل ممثل لدور الرجال عن نفس الفيلم أيضاً.
جائزة الحكام الخاصة عن فيلم (الأمل) في مهرجان غرينول العالمي.
جائزة النقد العالمي عن فيلم (المرثية) في مهرجان فينيسيا الدولي.
جائزة أورهان كمال عن روايته (ماتوا ورؤوسهم محنية) وهي أرفع جائزة أدبية في تركيا كما سبق وقلنا.
أعتبر كونيه في نفس السنة أفضل شخصية فنية في تركيا لإبداعه الفني نتيجة الاستفتاء الذي أجرته مجلة (ملييت) من بين 25 شخصية أدبية وفنية وعلمية.
في عام 1975 الجائزة الأولى عن فيلم (القلق) في مهرجان أنطاكية والجائزة الثانية عن فيلمه (الصديق) والجائزة الثالثة للمهرجان عن فيلمه (المشردون) وجائزة أفضل كاتب سيناريو للسنة.
في عام 1977 : الجائزة التقديرية عن مجمل أعماله في مهرجان برلين العالمي.
في عام 1979 : جائزة الفيلم الكاثوليكي العالمي،
جائزة مهرجان الفيلم العالمي. جائزة الحكام الكبرى. جائزة الفهد الذهبي. جائزة التفاحة الذهبية
جائزة الوثائق السينمائية البلجيكية عن فيلمه (القطيع).
في عام 1980 : جائزة أكبر الأفلام طرافة وتخيلاً عن فيلم (القطيع) في لندن.
جائزة فيمينا عن فيلم (القطيع) في بلجيكا.
الجائزة الكبرى عن فيلم (القطيع) في مهرجان فالنسيا.
في مهرجان برلين العالمي نوه الحكام بقيمة كونيه الفنية خصوصاً عن فيلمه (العدو).
في عام 1981 : جائزة أفضل كاتب سيناريو عن فيلم (العدو) في مهرجان أضنة.
جائزة (كران بير) عن فيلم (القطيع) في مهرجان لوكارنو الدولي الثالث والثلاثون.
عام 1982 : توَّج كونيه مسيرته الفنية بجائزة (السعفة الذهبية) في مهرجان (كان) الدولي الخامس والثلاثون عن فيلمه العظيم (الطريق) مناصفة مع المخرج اليوناني الكبير كوستا غافراس، والأخير عن فيلمه (المفقود).
هكذا حصل يلماز كونيه على أرفع الجوائز على الرغم من حياته القصيرة (47 عاماً) والمليئة بالعذاب والألم والمطاردة والسجن والاعتقال والنفي فأوصله عناده وإرادته الفولاذية وثقته بنفسه إلى شخصية عالمية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
قصيدة (الطريق) للشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس عن كونيه :
من ديوان (مرايا صغيرة) المترجم إلى اللغة العربية.
الطريق
ذات يوم
ولدت الأرض بركاناً
ومن البركان ولدت كردستان
وكردستان خلفت إبنها “آرارات”
ومن “آرارات” ولد الكرد
ومن الكرد ولد توأمان:
القهر والتحدي
ومنهما
ولد طريق يلماز كونيه.


– لــقــــاء فــي الســـجـن –


فـي العـام ١٩٨٧ صدر عن دار العلم ( ناوكا) في موسكو كتاب بعنوان ( يلماز كونيه ) من تأليف الصحافي والكاتب السينمائي الأذربيجاني ( حسينوف ). والكتاب في مجمله هو لقـاء طويل، تم على مراحل، مع السينمائي الكردي، التركي، الراحل، (يلمـاز كونيه )، حينما كان في السـجن. وكنت قد عزمت وقتها ( بعد صدور الكتاب ) على ترجمته الى العربية، وفعلا بدأت بترجمته، لكنني توقفت لأسباب وظروف مختلفة، رغم ان الكتاب ليس كبيرالحجم أبدا. المهم، حينها نشرت ما ترجمته في مجلة ( الاغتراب الأدبي) التي كانت، ولسنوات، تصدر من لندن. ولم يتسنَ لي مواصلة الترجمة، بل انني ونتيجة التنقل فقدت الكتاب نفسه. والآن، وبعد هذه السنوات، أعيد نشر ما ترجمته من هذا اللقاء في ( تيريز)، وفي باب (السينما الكوردية)، لسببين، أولهما هو أرشفة كل وثيقة أو خبر أو بحث أو نص له علاقة بالسينما الكوردية، بحيث يكون هذا الباب أقرب إلى( بنك المعلومات) فيما يخص السينما الكوردية، وثانيهما لأرشفة كل ما له علاقة بيلماز كونيه، وأن نتعرف على سيرة حياته كما يرويها هو نفسه..دونما تأويل أو تفسير أو تضارب في المعلومات، لا سيما وأن الجزء الذي ترجمته له علاقة بهذا الأمر. ولا أدري إن كان هناك من الإخوة والأساتذة من الكرد الذين درسوا في روسيا، ممن لديهم علاقة بالسينما أو الأدب او الصحافة قد أقدم على ترجمة هذا الكتاب الى الكوردية، فيكون بذلك قد قدم خدمة كبيرة للثقافة والفن الكوردي.

* اسـمك الكـامل ؟
– يـلماز حميـد، وأمـي اغلو بيتون.

* أيـن ومتـى ولـُـدت..؟
– في الأول من نيسان العام ١٩٣٧ في قرية ( اينجـة) على مبعدة ٢٧ كلم من مدينة ( أضنـة).

* لماذا يكتب البعض تاريخ ولادتك في العام ١٩٣١؟
– إنهـم يخطئون.

* حدثنا، رجاء، بالتفصيل عن طفولتك وإبداعاتك؟
– أبي وأمـي أكـراد. أمي من عائلـة غنية،هربت العائلة بعد زحف القوات القيصرية في الحرب العالمية الأولى. أبي على العكس..، إنه من عائلة فقيرة جدا،في شبابه كان أبي مضطرا لهجر أهله خوفا من الانتقام العشائري،وحدث أن التقيا في(أضنة) وتزوجا. لم يكن عندهما مال او أرض لذا عاشا المرارة لفترة، لكن حالف الحظ أبي لاحقا، فعمل ملاحظا في شركة تابعة لإقطاعي كبير مما انعكس على حياة العائلة ماديا.
كانت طفولتي سعيدة حتى السابعة من عمري، حتى تلك اللحظة التي جاء أبي فيها بامرأة ثانية. منذ ذلك اليوم لم تهدأ حياتنا العائلية، بل تحولت الى جحيم. أبي كان يضرب أمي دائما، وكان يطردنا أحيانا من البيت. في تلك الفترة، كانت لي أخت اسمها (ليلى) تصغرني بسنتين،وكانت عند بابنا قد نمت شجرة توت واثنتان من اشجارالتين، وحينما كان أبي يطردنا كنا نرقد تحت ظلال هذه الأشجار.
ذات مرة اتجهنا ثلاثتنا الى مدينة (أضنة) حيث كان يعيش ابن عم لأمي، وطوال الطريق كانت أمي تبكي وتغني أغاني كوردية حزينة.. ورغم انني وأختي كنا نعرف لغتنا الأم بشكل سيء، فلقد كنا نرفع أبصارنا نحو أمنا ونذرف الدموع. عندها كنت أفكر بان تعاستنا لن تنتهي، ووددتُ لو أموت كي لا أرى أمي تتألم. ثم بدأت العمل. ومنذ الصغر.. وفي مواسم قطف الفواكه في المزارع، وقطاف القطن ( يخرج يلماز فيما بعد أفلاما عن الانتقام العشائري، وعن عمال التراحيل الموسميين عند قطاف القطن..- م )،..ثم حمّالا. في القرية كنت قد أنهيت الصف الثالث الابتدائي، وبعد وصولنا الى (أضنة) أنهيت دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية، أدرس وأعمل. في البداية كنت أبيع الكرزات في الشوارع، ثم بائع صحف، ثم عملت بقالا..، كما عملت ميكانيكيا لآلات التشغيل السينمائي في الشركات. في البداية في شركة (اندفيلم)، وهي أستوديو سينمائي ودار عرض، بعد ذلك في (كمال فيلم). كنتُ أتنقلُ بين القرى لعرض الأفلام، كما كنت أمثل ككومبارس أيضا، ويمكن القول ( هنا يبتسم يلماز) هكذا دخلتُ عالم السينما.

* فيما بعد أين درسـت؟
– في العام ١٩٥٦ دخلت كلية الحقوق في جامعة أنقرة، لكنني درست لمدة شهرين فقط. حينها لم أجد عملا، وكما ترى كان يجب ان أعيش وأساعد عائلتي التي نمت خلال هذه السنوات حتى أصبحنا أربعة إخوة وأختين. لذلك كنت مضطرا للعودة الى (أضنة). وبدأت العمل مباشرة في شركة لتأجير الأفلام. نهاية العام ١٩٥٧ وصلت الى أستنبول مستمرا بالعمل لدى المركز الرئيس لمكتب الشركة(دار فيلم). وفي العام ١٩٥٨ سجلت في كلية الاقتصاد بجامعة استنبول، لكنني لم أستطع إنهاء الدراسة لأنني اُعتقلتُ العام 1961 وكان ذلك لأول مرة. بعد ذلك واصلت الدراسة ذاتيا، قرأتُ كثيرا ودرست في جامعة الحياة.

* كيف جئت إلى الفـن..؟
– قبل كل شيء، أنا مدين بذلك لأبي وأمي..,أقولها صراحة. رغم ان أبي كان يؤذي أمي دائما، لكنه كان يحب أبناءه كثيرا، خاصة أنا، أول العنقود. إذ كان يدفع آخر قرش لديه من أجل ان أواصل تعليمي.
أبي، وكذلك أمي كانا يغنيان بالكوردية أجمل الأغاني وأكثرها حزنا. وكان أبي يعزف على الساز( السنطور)..وكانت الأسر تدعوه في الأعياد وعند ميلاد الأبناء وفي الأعراس أو عند أفراح الختان، فكان يأخذني معه في كل هذه اللقاءات. كنت أستمتع جدا بغنائه وعزفه. أما أمي فكانت خلال ليالي الشتاء الطويلة تقص علينا أقاصيص من التاريخ الكوردي، ومن الأساطير والخرافات الكوردية، فكان بيتنا يزدحم بالجيران الذين كانوا مستعدين للسماع حتى الصباح. كنت أود أن أكتب كل تلك الأقاصيص لكنني حينها لم أكن أحسن ذلك. وكان في قريتنا رجل عجوز اسمه ( يعقوب ) يغني جيدا ويعزف على الساز وينظم الشعر والأغاني. وتصادقنا، أنا وهو، ..كان يحبني، فلقد علمني كيف أنظم الشعر.
في الثالثة عشرة ولأول مرة دخلت السينما. وفي الرابعة عشرة أصبحت كما ذكرت مشغلا لماكينة العرض.. ثم بدأت كممثل كومبارس، وهنا بدأت حياتي تدخل منعطفا.

* متى وكيف بدأت الكتـابة؟
– في السنة الثانية من المرحلة الإعدادية كتبت قصيدة للنشرة الجدارية عن فلاح فقير يأتي بزوجته المريضة إلى المدينة، ولم يكن عند هذا الفلاح أي شيء من النقود، لذا فلقد حمل إلى الطبيب المعالج ديكاً، وهو أغلى ما لديه، إلا أن الطبيب حينما علم بان الفلاح لا يملك نقودا طرد الثلاثة، الفلاح وزوجته المريضة والديك. ( بعد سنوات يخرج يلماز فيلم ( القطيع) عن فلاح يأتي بزوجته المريضة إلى المدينة.. لكن مع أحداث أكثر مأساوية – م ). القصة لم تنشر بدعوى إنها يسارية، رغم إنني في هذه الفترة لم أكن اعرف ماذا تعني اليسارية.
وفي العام ١٩٥٣- ١٩٥٤ بدأت بكتابة المقالات والقصص القصيرة. فكنت أرسلها إلى الصحافة المحلية والمركزية. وفي منتصف العام ١٩٥٤ أخذت مقالاتي وقصصي تظهر على صفحات الإعداد الخاصة ليوم الأحد في الصحف، وحتى نهاية هذا العام أخذت نتاجاتي تنشر في المجلات.
أهم قصة نُشرت لي حينها كانت تحت عنوان( الموت يدعوني)، تتحدث عن الحب المأساوي لاثنين من الفلاحين الفقراء، فالشاب لم يكن باستطاعته العمل وتأمين مستقبل العائلة فيهجر حبيبته التي تنتحر وتترك قصاصة من الورق كتبت له فيها( لماذا قتلتني، لقد أردتُ أن أعيش لكي أحبك)، وكذلك قصة (ليس ثمة من نهاية للإهانات)، وهي تتحدث عن شخص يبحث عن عمل، ويتحمل في بحثه ما لا يحصى من الإهانات، ورغم ذلك فلم يحصل على عمل فيلقي بنفسه من الجسر إلى الماء.. القصتان نشرتا العام ١٩٥٦ في مجلة (أيتي أوفوكلار – الأفق الجيد ). ولكن الأكثر ضجيجا كانت قصتي( الأسرار الثلاثة لأسباب عدم المساواة الاجتماعية) التي نُشرت في مجلة (البحوث الفنية – انوج – العدد ١٣)، هذه القصة أصبحت مرحلة في حياتي، حيث كان دويها وانعكاسها واضحا وبارزا طوال مسيرة حياتي اللاحقة. لذا فحينما جئت إلى استنبول العام ١٩٥٧ كان لديَ اكثر من ثلاثين مقالة وقصة منشورة.. حينها منحني أصدقائي اول لقب ( القاص يلماز).

* هل بالإمكان، ولو باختصار، أن تحدثنا عن هذه القصة، لأنني لم أجد عدد المجلة التي نُشرت فيه قط؟
– ولن تجده،لأن العدد لم يظهر الى النور، إذ احتجزه الرقيب، وكل النسخ قصت ومرت تحت السكين. أما القصة فقد كانت عن اللا مساواة الاجتماعية في البلاد. فأحدهم يعمل والآخر يجني ثمار عمله. الأول يعيش في البؤس كما يعيش الإنسان البدائي والثاني يحصل على الشهادة العالية والضمان الصحي وضمانات الحياة الأخرى وهو يحاول أن يفرض سيطرته على الأول بواسطة ثلاثة عوامل: المال، والدين، والتقاليد. طبعا الأحداث مأخوذة من واقع الحياة، لكني اتهمت حينها بالشيوعية.

* لقد قرأت رواياتك، والكثير من قصصك، وشاهدت أفلامك، وأعرف جيدا أرضيتك السياسية، لكن بودي ان أعرف أيضا الأشياء الأخرى التي أثرت في تكوين وعيك؟
– الحياة..؛ البيئة التي ترعرعت وسطها. في طفولتي لم أشعر بانتمائي الكوردي، فحولي كانوا يتحدثون بالتركية. ,أعيدها هنا وأكرر، بأنني كنتُ أتحدث لغتي الأم، لغتي الكوردية، بشكل سيء. فلقد كان العداء بين السكان الأتراك والأكراد، أو قل النظرة العدائية ضد الأكراد والقوميات الأخرى واضحة للعيان.. وهذا الوضع فجر لديَ مشاعر المحبة إزاء المهاجرين.
أثناء لعبي مع أبناء الأغنياء، وأنا صغير ، فهمتُ ماذا يعني التفاوت الطبقي. أمي كانت تعمل صيفا في الأرض مع أبي، وفي الشتاء كانت تعمل كخادمة في بيوت الأغنياء، وكانت تحمل معها بقايا الطعام الذي لم يتلف بعد. ولكن مع مرور الأيام كنت أتفهم بأن هذا الوضع مهين..؛ فكنت أصارع شعور الذل في أعماقي.
شكليا، العلاقة بين الإقطاعي والفلاح مبنية على أسس ديمقراطية، فالفلاح يشرب القهوة وكذلك الإقطاعي، وقانونياً إنهما متساويان بالكامل في الحقوق الاجتماعية، لكن الاضطهاد والاستغلال لا يتأثران بهذا.
أبي كان يحلم دائما في أن أواصل تعليمي، كان يقول:( اذهب إلى المدرسة يا بني وتعلم كي لا تصبح عبداً مثلما صرنا نحن)، لكنه لم يفهم بأنه في المجتمع البرجوازي يمكن أن تصبح عبداً حتى وإن كنت متعلماً.



هروب كونيه ونهاية أسطورته:
في أثناء صعود الفاشية إلى الحكم في تركيا بانقلاب كنعان إيفرين العسكري عام 1980 وبعد فقدان الأمل بالخلاص وبعد أن تأكدت لديه المعلومات بأنهم يودون التخلص منه، وكان وقتها يقضي حكماً مدته 19 عاماً، يقرر كونيه الهرب من السجن مستغلاً إجازة عيد الأضحى في عام 1981 ويصعد متن قارب صغير متوجهاً إلى اليونان فاستقبلته وزيرة الثقافة اليونانية آنذاك (ميلينا ميركوري) بحفاوة كبيرة. ومن اليونان يتوجه إلى سويسرا التي رفضته ومنها إلى باريس مختفياً عن أعين المخابرات التركية التي لاحقته وطالبت الحكومات الأوربية بتسليمه بعد أن جرد من الجنسية التركية حتى وافته المنية في باريس في التاسع من أيلول عام 1984 بمرض السرطان ودفن في مقبرة العظماء جنباً إلى جنب مع ألفريد دوموسيه وبودلير وسارتر والمبدعين الفرنسيين العظام. خاتماً بذلك أسطورته الفذة


وفاته : … في التاسع من شهر أيلول رحل كونيه وكأنه تقصد بذلك أن يجمع بهذا الشهر أكثر من ذكرى ليخلق من أيلول ملحمة لزمن الكرد وكردستان. كان كونيه سجل تاريخ شعبا بكامله كتبه بدمه على جدران سجون الأنظمة الفاشية في تركيا وسجل في تاريخها الأسود أكثر من ثمانية عشر عاما داخل زنزاناتها الحاقدة .لم يكن كونيه هذا المتمرد على مضطهديه ثوريا بالصدفة أو نتاج تناقض الضمير البرجوازي أو مثقفا متأففا . توفي يلماز كونيه يوم الأحد في التاسع من أيلول سنة1984 في أحد مشافي باريس وقد وفد كبار رجالات الأدب والفكر والفن من كل المدن الفرنسية والأوربية لتشييعه الذي جرى في يوم الخميس/13/أيلول،وسارت في مقدمة المشيعين عقيلة الرئيس الفرنسي /فرانسوا ميتران/ممثلة لرئيس الجمهورية ،وشارك وزيرة الثقافة الفرنسية وعدد من الوزراء المعنيين ووفود الفن الشعبية وجماهير الكرد المتواجد في فرنسا وألمانية الغربية…..،ودفن في مقبرة العظماء (بيير لاشنز)بباريس بعد مراسيم التأبين الرسمية والشعبية .

ونظراً للمكانة التي حظيت أعاله بها فقد قدره المسؤلون عن متحف السينما الدولي واعتبروه ذا قيمة عالمية وقرر تعليق صورته على جدار ذلك المتحف الرسمي ،كما وضعت صورته في صالات السينما المهتمة بالسينما الجادة .ولمدة شهر لم تنقطع الصحافة والتلفزة في معظم أنحاء العالم عن الإشادة بنضاله .

فارق يلماز كونيه الحياة في التاسع من أيلول عام 1984 في إحدى مستشفيات باريس ، ودُفن هناك في مقبرة ( بيير لاشيز ) مقبرة الثوار الفرنسيين. وعلى الرغم من أن يلماز كونيه وُلِد في المنفى ودُفن أيضاً في المنفى – على الرغم من اختلاف المنافي إلا أن المنفى يبقى منفى – إلا أنه بقى وسيبقى خالداً في ذاكرة الإنسانية.

سأله أحد الصحفيين لماذا أعلنت كرديتك مع إن ذلك ليس في مصلحتك كمواطن في تركيا،أجاب يلماز كونيه :(أعرف ذلك ولكني لو لم أكن كردياً لدافعت عن هذا الشعب المظلوم ) .
ماذا أراد أن يقول كونيه … أراد أن يكتب لنا وصيته … أو أن يرسم لنا عالما يجب مسحه وإزالته .. ماذا أراد أن يقول كونيه… هل هذا النورس الجريح أراد أن يعطينا صدره وقلبه لكي لا ننسى الطريق … ورحل يلماز هذا الإله الجميل رحل…هذا القزح الملون غاب في يوم لم يكن غائما أو ممطرا في كردستان بل ممطرا في ديار الغربة في إحدى مشافي باريس . هل احتج قلب كونيه عن الحياة وهو بعيد عن الوطن…بعدما كان يردد في أيامه الأخيرة … أيتها الطيور حطمي النوافذ إلى الحرية…هل نحن الطيور… والأنظمة الغاصبة هي النوافذ … وكردستان هي الحرية … عندما سؤل يلماز عن الغربة قال… أن المنفى هو تبديل شكل من أشكال السجن بآخر… في أي عالم أنت أتيت أيها القاسي المسكين… يلماز كونيه … لتموت وأنت متألقا بشعرك الأبيض كقمة جبل أكري وهكاري. يلماز في آخر أيامه لم يكن يملك شيئا لا مال ولا جواز سفر بعد أن أسقطت عنه الفاشية التركية حق المواطنة.

يلماز في آخر أيامه كتب وصيته ووهب جسده للمجمع الكردي في باريس ليتصرف بها…وهب نفسه لبقعة صغيرة وبعيدة عن شمس الوطن يتردد فيها يوميا اسم كردستان على الصفحات والأفواه حيث كان حلمه قبل أن يغمض عينيه أن يصنع فيلما عن تاريخ كردستان وعن نضال شعب كردستان ضد مستعمريه . وفي سؤال آخر له عن كردستان موحدة أهي حقيقة أم حلم طوباوي صعب التحقيق .

قال كونيه بألم وثقة : (سيكون ذلك لو اعتمد الأكراد على حسن نية كذا الأنظمة الغاصبة لكردستان ولهذا السبب بالذات لا خيار أمام الأكراد سوى الاعتماد على قواهم الذاتية. ) يلماز كونيه كتب من داخل قلوبنا من داخل دمائنا وبهم عاش وعندما ابتعد لم يستطيع الحياة فتوقف قلبه الصغير ليترك لنا مئات الأسئلة وآلاف الدموع.


* كل الشكر لمن ساهم كتابة – ترجمة – نشر – عن الراحل يلماز كونيه .
المصادر :
– المواقع الكردية .
– لمعان ابراهيم
– ابراهيم محمود
– حسين حبش
– بُرهـان شـاوي

(*) ملحوظة : هناك من كتب أيضا بأنه التحق بكلية الحقوق بجامعة أنقرة، في عام 1956. وقضى 14 منها في غياهب السجون
* – إعداد وتقديم : ماهين شيخاني .