الرئيسية » مقالات » هل تخلّى المجلس الاعلى عن فيدرالية الوسط والجنوب

هل تخلّى المجلس الاعلى عن فيدرالية الوسط والجنوب

في تطوّر ملحوظ ومثير اكد الدكتور عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية العراقية رفضه الفيدرالية على اساس العرق او المذهب، داعياً الاّ ينصهر شيعة العراق في اقليم واحد وكبير يمثل محافظات الوسط والجنوب، بل ضرورة ان تكون هناك اقاليم متعددة تضم ذوي الخصوصيات الواحدة او المتقاربة .. كان هذا التصريح رداً على سؤال سألته الاعلامية اللبنانية جيزال خوري في برنامجها “بالعربي” على قناة العربية الاخبارية فيما اذا كان الدكتور عبد المهدي يؤيد الفيدرالية لعموم الشيعة ام وفقاً للاساس الجغرافي.

الغريب في الامر ان هذا يعد تغييراً في خطاب المجلس الاعلى الاسلامي الذي ينتمي له الدكتور عبد المهدي والذي يعتبر احد اهم مهندسي سياساته، فقد كان المجلس الاعلى بكل قياداته ولحد فترة قريبة من اشد المطالبين بتطبيق الفيدرالية الضامّة لابناء الخصوصيات الواحدة تحت اسم اقليم الوسط والجنوب .. بل لم يوفر جهداً او مناسبة ً الاّ وذكّر فيها الانصار بضرورة هذا الاقليم مقابل اقاليم اخرى ظهرت ملامحها كاقليم كردستان، او التي في النية تشكيلها وقد تضم ابناء المحافظات الغربية على سبيل المثال.

كمراقب سياسي ارى ان الدعوة لتشكيل اقاليم متعددة لكل ثلاث محافظات او اكثر سواء في شمال ام وسط ام جنوب العراق، هي دعوة اضعاف وتفتت، لا طائل وراءها، بل سيكون وبالاً جديداً يُضاف الى ما موجود من مشاكل ادارية وفنية في طريقة ادارة الدولة العراقية بعد التاسع من نيسان، حيث ستتشتّت جهود وخبرات العراق على عدد من الاقاليم ليخسر الجميع تلك الخبرات، في ذات الوقت الذي لا يستفيد منها اقليمها الخاص كذلك .. وتجربة مجالس المحافظات خير دليل على ما نقول، حيث سبّب هذا اللقيط الاداري مشاكل جمّة في العراق الجديد، كونه لا يمثل سلطة فيدرالية حقيقية، ولا تابع اداري واضح للحكومة المركزية، فراحت قراراته واعماله تتقاطع في كثير من الاحايين مع قرارات واعمال الحكومة المركزية، مما سبّب ارباكاً ملموساً في عملية التنمية الاعمارية الى حد بلغ معها تهديدات واضحة من قبل ادارة بعض المحافظات بالانفصال عن الحكومة المركزية واعلان الاستقلال التام عنها .. هذا بجانب قضايا اخرى تبدو مضحكة جداً بسبب قلة خبرة شاغلي مقاعد المجالس تلك.
ولأني عملت مدة غير قصيرة مديراً لاعلام احدى مجالس محافظات العراق، تمكّنت من معرفة الكثير من مواطن الخلل والضعف الاداري في اداء بعض الاعضاء، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، فرض بعض المجالس ضرائب على موارد ومبيعات محددة، او امر اعتبار اليوم الفلاني عطلة رسمية في المحافظة الى غيرها من الامور التي تعتبر من صلاحيات الحكومة المركزية لا المحلية كما هو مُثبّت حتى في قانون تلك المجالس نفسها، مما يقطع لنا شكاً بان الاعضاء لم يطلعوا على قانون مؤسستهم فضلا ً عن الدستور الوطني للبلاد.

عموماً ليس هذا المقال لتوضيح مشاكل مجالس المحافظات، بقدر ما هو تذكير فقط بان الاقاليم الفيدرالية المتعددة ليست افضل منها، بل ربما ستكون اسوأ .. نتيجة اعطاء صلاحيات اوسع لمحافظات قد تعلن استقلالا ً تاماً اذا من انزعجت من تصريح مركزي يتجاوز على (نرجسيتها) على سبيل المثال والملاطفة.

الحل الامثل والاكمل للمشكلة العراقية، يكمن في تطبيق نظام فيدرالي على اساس قومي وطائفي اي بمعنى واضح وصريح لا يقبل التأويل والمراوغة، اقاليم ثلاثة كبيرة وقوية تشد من بنيان الدولة وتقوّي شوكتها، وهي اقليم كردي، وآخر عربي سني، واخير عربي شيعي، وبعنوانه الصريح، كلا ً حسب محافظاته واماكن وجود تابعيه ..
لا يمكن لنا ان نخجل من هكذا قضية، لان العراق عبارة عن اقانيم ثلاثة جميلة مع اقليات اخرى يجب ان تُحترم لغاتها وخصوصياتها ضمن مناطقها الجغرافية، ولو تفحّصنا الدول الفيدرالية القائمة على الاساس العرقي، سنجدها من انجح الفيدراليات واكثرها تنمية ً كسويسرا وكندا وبلجيكا وبلدان اخرى كثيرة .. حيث راعت هذه الدول توازنها الطائفي والعرقي في اقاليم فيدرالية حاكمة ومؤثرة في السياسة المركزية، وتقاسمت السلطات بصورة تضمن حقوق الجميع دون تهميش او تجاوز، فضلا ً عن حصولها على اعلى درجات الحرية المطلقة في دراسة لغاتها وخصوصياتها مع ممارسة طقوسها وعقائدها دون خوف او قلق من الآخر.

وبمناسبة الحديث عن الفيدرالية التي قد يراها بعضهم بانها مشروع يهدّد وحدة الدولة المركزية وخطر تقسيم مستقبلي اذا ما كانت على اساس قومي او طائفي، نقول بان الفيدرالية اساساً وُضعت كعلاج للدولة التي تضم اكثر من قومية او طائفة او دين، بل هي الحل الوحيد لاحتمالية تفجّر الاوضاع في مثل هكذا بلدان، ولا داعي للمُكابرة وتحريف المفاهيم السياسية عن مدلولاتها الحقيقية، فالكل يعرف لماذا وُضعت الفيدرالية .. والذي لا يعرف يستطيع الرجوع الى مصادر المصطلح ليتعرف بنفسه على اصولها وحيثياتها وسبب تطبيقها، ومَن هي الدولة الاولى التي انتهجتها في نظامها السياسي، ولماذا……

لهذا ومما تقدّم، اخلص الى القول بان المطالبة باقاليم ثلاثة كبيرة للشيعة والسنة والاكراد، هي وحدها الكفيلة في وضع اسس صحيحة لنظام ديقراطي مدني راقي، تمارس من خلاله الطوائف والقوميات حريتها اللغوية والعقائدية ضمن الدولة المركزية وضمن مناطقها الخاصة دون ان تفرض على الآخر وخصوصاً الاقل عدداً ذوقها وتصوراتها السياسية والعقيدية بالقوة، كما كان يفعل النظام البائد، بل كل الانظمة المركزية في المنطقة، تصل حتى الى فرض مذهب فقهي معين على الجميع، بمَن فيهم المخالفون، وفي ابسط امور الاحوال الشخصية ايضاً .. وهذا ما لا نريده في دولة، مازال يقول عنها الآخر بانها دولة الشيعة والاكراد.

في النهاية اتمنى على مَن يقرأ هذا الكلام الاّ يتصور اني انطلق من دوافع طائفية او قومية، بل كان تحليلا ً سياسياً ورؤية اؤمن بها في ادراة العراق، ولا يعنيني ان اخذ بها المسؤولون ام لا، فعندي كل الطرق تؤدي الى روما وليس مهمّاً ايهما يُطبّق في العراق، النظام المركزي ام الفيدرالي العرقي والطائفي، وذلك بسبب الخلطة النسبية السحرية التي تحملها جيناتي الوراثية والتي اخذت من الجبال كرديتها ومن الشيعة عقيدتها ومن السنة اصلها واصولها. فأنا عراقياً مستفيد من جميع اشكال الحكم، بشرط ان تكون الديمقراطية الرابط الوحيد بينها جميعها.

مع ذلك اتساءل:
هل تخلّى المجلس الاعلى الاسلامي عن فيدرالية الوسط والجنوب التي كان يداعي بها سابقاً؟ ام ان ما تطرّقنا له، وجهة نظر شخصية فقط للنائب عادل عبد المهدي؟