الرئيسية » مقالات » كردستان … مستقبل وآفاق التجربة السياسية الناشئة -1

كردستان … مستقبل وآفاق التجربة السياسية الناشئة -1

المدخل…

قبل أيام زارني أحد الوزراء من كردستان، بحكم الصداقة التي بيننا ارتضى أنْ يبقى معي في غرفتي الصغيرة مدة ثلاث أيام ٍ..
كنا نتجول في أرجاء مدينة هامبورغ الجميلة بين حدائقها وغاباتها وفي مينائها لساعات متأخرة من الليل في مسعى ً مني لإطلاع صديقي الوزير عن أهم معالم مدينة هامبورغ الجميلة التي تشهد تطورا ً عاصفا ً في كافة المجالات.. ونستذكر بين الحين والآخر بعض الأحداث وشيئا ً من تفاصيل تلك الأيام القاسية التي مرت على الجميع… وأيضا ً بعضا ً من جوانب التجربة الكردية وآفاقها..
كنت أستوضح منه عن بعض جوانب التقصير في المجالات الخدمية والإدارية ونتائج العقدين الأخيرين على واقع الحياة السياسية وضرورة التفكير بتطوير الأطر السياسية بحكم المتغيرات في الواقع الاجتماعي و الاقتصادي وحالة التحول من أحزاب معارضة إلى أحزاب سلطة وغيرها من التفاصيل…
في اليوم الثاني…
عدنا في ساعة متأخرة من الليل.. مع خيوط الفجر حاول الوزير أن يخلد للنوم على أنغام موسيقى مزعجة تترافق مع شخيري الذي يوقظني أكثر من مرة في كل ليلة…
في الساعات الأخيرة من الفجر.. ومع السادسة صباحا ً رنّ هاتفي.. كان محدثي شابا ً من العراق ممن مازالوا يرفدوني بالمزيد من الأخبار الدقيقة أو يستنجدوا بي لمعالجة حالة أو شيء يتطلبُ الرأي أو التدخل بحكم علاقتي السابقة ومعرفتي لبعض المسؤولين و لخبرته بطبيعة شبكة الاتصالات التي تتدخل لتقطع المكالمات في كل لحظة تعود أن يدخل في الموضوع بلا مقدمة ومن غير أن يضيع الوقت في مجاملات وتحيات الصباح واسرد بألم شكواه…
– قال لي… علي إبن أبو هندرين يريدُ أنْ يتوظف لكنهم طلبوا منه أن ينتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني ..! كشرط للتعيين… وأضاف أنت تعرفه وتعرف أبيه ومعاناتهم في فترة سطوة البعث وتضحياتهم..
– ومن يطلب منه ذلك؟
– حسن شيخ علو مسؤول الحزب الديمقراطي الكردستاني في بعشيقة وبحزاني…
توقف مؤشر ذاكرتي على بعض من تفاصيل طريةٍ… أبو هندرين المطاردُ من زبانية البعث لأكثر من أربعة عقود مضت كانت حصيلتها معاناة لا تحصى وخسائر لا تعوض ..أبو هندرين صاحب المواقف الشجاعة حينما اختار إسما ً لأبنته الكبرى تفاخرا ً بمعركة جبل هندرين التي قادها الشيوعيين الأبطال … وأبو هندرين الذي أتى معنا بعد سقوط الدكتاتورية إلى وادي إسماقولي رغم إصابته بالذبحة الصدرية للمساهمة في نقل رفاة الشهداء الابطال أبو فالنتينا وأبو سمره…
هاهو ابنه يسعى للحصول على ابسط حق إنساني لفرصة عمل لكنه يواجه بسلطة جديدة أبت أن ترفع غبن التاريخ فقررت مواصلة الاستبداد ذاته بعد أن تغير المسمى..
فكانت صرخة صديقي الذي هاتفني في تلك الساعة ليشتكي بمرارة..
– لم يتغير شيء ذهب البعث وجاء البعثيون الجدد…
– رددت مع نفسي ..يا إلهي إلى أين وصلت الأمور كيف يمكن المقارنة بين المرحلتين بهذا الشكل المريع لو لم يذق الناس مرارة الوضع الجديد وملابساته وبعض إفرازاته القاتلة…
عدتُ من جديد لخزين الذاكرة… حسن شيخ علو.. المعلم المطارد ابن العائلة الكادحة من أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تم نفيه من بعشيقة إلى سنجار في سنوات القمع وكاد أن يُعدم من جراء تقارير أمنية كان يرفعها إلى مديرية الأمن زميله في ذات الحزب وصديق طفولته بعد أن أصبح وكيلا ً للأمن ..
حسن المقموع كيف يتحول إلى قامع.. حسن الضحية كيف يتحول إلى مستبد يفرض على الناس الانتماء … حسن الكادح كيف يضع العراقيل أمام البشر من اجل الحصول على وظيفة في دائرة بائسة؟!!!
ولأني أدرك بحكم التجربة أن الموضوع اكبر وأعمق من مسألة البحث عن فرصة عمل أو تعيين وظيفي لابن أبي هندرين أو أي مواطن آخر، وأخطر من العقبات التي يضعها حسن شيخ علو كشرط أمام من يسعى مكافحا ً للحصول على حقوق البشر…
جعلتُ هذا مدخلا ً للشروع في كتابة سلسلة من المقالات التي سأتناول فيها آفاق التجربة السياسية الناشئة في كردستان في مسعى لتحليل بعض المتغيرات التي حدثت في العقدين الأخيرين من الزمن مع محاولة لتشخيص سبل الانتقال إلى الحالة الأفضل .

ما الذي يدفع بالناس للشكوى من الأوضاع المستجدة؟ ذلك سيكون محور الحلقة القادمة؟ ولأجل المشاركة الفاعلة في معالجة الخلل أدعو القراء للمساهمة في الإجابة على التساؤلات التي تطرح في نهاية كل حلقة..