الرئيسية » مقالات » بشائر الشر

بشائر الشر

اتساءل مع نفسي، ماذا سيكون رأي القيادة العسكرية في بغداد، فيما لو راجعت نتائج الحملة الامنية الاخيرة التي شنتها (على الارهاب) – بشائر الخير – في ديالى، هل ستعلنها ناجحة، اي انها اكملت مهامها بالقضاء النهائي على الارهاب في المناطق الساخنة (لم تعد ساخنة!). ام ستعتبرها فاشلة بدليل ما الت اليه من شرخ عميق في الثقة بين المواطن الكردي والحكومة في المنطقة الخضراء؟ وما اثارته من اصطفافات عرقية تنذر بالشر، في اماكن كانت تعتبر امنة ومعروفة بالتاخي الديني، الطائفي والقومي؟

والثقة التي اتكلم عنها ليست تلك المتبادلة بين القيادات في بغداد واربيل، بمدها وجزرها، فتلك الاحزاب السياسية، وعلى الضفتين، تجيد قراءة الواقع، وتستطيع المناورة والمساومة وفقا للضروف الانية، ولكني اعني ثقة الشارع ، في مناطق الكورد الفيلية، وخانقين على وجه الخصوص، التي بقي المواطن فيها في حالة انتظار منذ 9 نيسان 2003 الى اليوم فقط ليلمس التغيير المؤتمل، أو ليصدق على الاقل بان ثمة تغييرا قد جرى في بغداد.

والمواطن الكردي، المثقل بذاكرة مؤلمة من عهود الزجر والعنف، والذي لم تندمل جراحه من حقبة البعث، ولم ينطفئ حذره بعد, وجد نفسه اليوم امام مراوغة حكومية جديدة ابتدأت بدعوى مطاردة الارهاب، الا انها سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي، واهدافها الخفية، التي انتهت اليها بشائر الخير، وهي الزحف على واحة الامن النسبي، والحرية الثقافية التي جربها الاكراد في هذه المناطق للمرة الاولى في تاريخهم منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة الى اليوم، بدعوى الحفاظ على السيادة!

مازالت الحكومة العراقية تمارس التعسف الثقافي في هذه المناطق، مازالت ترفض الاعتراف بالهوية القومية للكرد الفيلية في خانقين، الدراسة الكردية ممنوعة وفق التوجيهات المركزية، والتشويهات الادارية لهذه المناطق لم تصلح، ولم تسترد دور المواطنين، والعقارات المصادرة ابان فترة النظام السابق. لم تفكر الحكومة العراقية بمعاناة الفرد في هذه المناطق وكأنها غير معنية، وغير ملزمة في الوقت نفسه الا ببسط نفوذها العسكري فقط.

ما فجرته “بشائر الخير” هو الحقيقة المرة، ان الحكومة العراقية ماتزال تعتبر السيادة في مناطق الاكراد مثلومة، ولن تتحقق الا من خلال فوهة البندقية، المسلطة على رأس المواطن، وكأن الكردي ولد ليكون عدوا للسيادة، دون ان تمنحه الشعور بالحرية والمساواة، وكأن ضلال صدام حسين ماتزال مخيمة على اروقة المنطقة الخضراء، وكأن صورة الجندي الذي يقف اليوم على ابواب خانقين ليدخلها فاتحا من اهلها لا تختلف عن الصورة النمطية للجندي المدجج الذي لا يتوانى عن حرق المزارع وتهديم القرى.

اذا كان ثمة تهديد جدي للسيادة العراقية فانها لا تتمثل بوجود البيشمركة الذي يحمي اهل خانقين من عصابات التفخيخ والذبح الطائفي، بل ان التهديد الجدي للسيادة العراقية يكمن في انهيار الثقة بين المواطن البيسط والحكومة المركزية، ولمن لا يدري فان هذا المواطن البسيط هو الذي يتحول الى بيشمركة في اي زمان واي مكان، ويرفع بندقيته بوجه الدولة، والسيادة اذا كانت تشيد على حساب امنه وامن عائلته.

اما عن الارهاب، فهل توقفت العمليات الانتحارية التي ترتكب في مناطق ديالى المتفرقة، ام انها تزداد في اماكن تواجد الجيش العراقي على وجه الخصوص!؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر، انفجرت انتحارية في جلولاء بعد يوم واحد فقط من ترك قوات البيشمركة لها وانتشار الجيش العراقي فيها، اوقعت 70 ضحية.

وقد يكون تساؤلي في غير محله، فمن قال ان قيادة الجيش برئاسة السيد المالكي تمتلك الوقت الكافي لمراجعة اعمالها؟؟