الرئيسية » مقالات » العلاقات الأمريكية الروسية ومسؤولية الحرب الجورجية

العلاقات الأمريكية الروسية ومسؤولية الحرب الجورجية

منذُ انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية عام 1991، وتحول الولايات المتحدة إلى الدولة الأعظم في العالم، سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على سدة الحكم إلى تكريس وحدانية القطب الواحد في العالم، والسعي الحثيث لمنع انبعاث أقطاب أخرى بعد أن أصبحت تتحكم بمصائر الشعوب، مستقوية بقوتها العسكرية الجبارة بما تمثله من أسلحة متطورة فتاكة، وتكنولوجيا عالية، واقتصاد قوي، رافضة أن يشاركها أحد في تقرير مصائر الدول والشعوب.
لقد وصل الأمر بالإدارة الأمريكية على عهد رئيسها الحالي جورج بوش الأبن إلى تجاهل دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن عندما قرر غزو العراق عام 2003 بعد أن أعلنت كل من روسيا والصين وفرنسا عن رفضها لشن الحرب على العراق، واستعدادها لاستخدام حق النقض في مجلس الأمن للحيلولة دون إقدام الولايات المتحدة على شن الحرب.
لكن الرئيس بوش تجاهل تهديدات الدول الكبرى الثلاث، وتجاوز مجلس الأمن، الجهة الوحيدة المخولة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن والسلام الدوليين، ونفذ خططه بغزو العراق.
واضطرت هذه الدول التي رفضت المشاركة بالحرب إلى الرضوخ للمشيئة الأمريكية، وتمرير العديد من القرارات المتعلقة بالعراق بعد غزوه، وإسقاط نظام الدكتاتور صدام حسين من دون معارضة، على الرغم من أن هذه الدول الكبرى الثلاث قد خسرت العقود النفطية التي كانت قد وقعتها مع نظام صدام.
لكن هذا التساهل من جانب هذه الدول، وعلى وجه الخصوص روسيا لم يرضِ طموحات الإدارة الأمريكية، وخططها البعيدة المدى لمنع انبعاث الدور الروسي في الشأن العالمي، ولاسيما وأن روسيا ما تزال تمتلك ترسانة نووية، وصواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى أية بقعة في العالم، مما يسبب للإدارة الأمريكية أشد القلق، ويجعلها تحسب ألف حساب للمستقبل، وهي لذلك عملت ولا تزال تعمل بأقصى جهدها ليس فقط لإبعاد روسيا عن منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، بل لمنع أي مشاركة حقيقية لروسيا في الشأن العالمي.
إن الولايات المتحدة تضع في استراتيجيتها مسألة عدم الاطمئنان إلى الوضع القائم في روسيا اليوم، وعلى الرغم من العلاقات التي تربط بين الطرفين والتي يسودها التوتر أحيانا، فهي تخشى من حدوث تغيرات في قمة السلطة تعيد الحرب الباردة والصراع بين الطرفين، وهذا ما يسبب أشد القلق لها، ويجعلها تحسب ألف حساب للمستقبل، وهي لذلك عملت وما تزال تعمل بأقصى جهدها ليس فقط لإبعاد روسيا عن الشؤون العالمية، بل لتطويقها، ومد حلف الأطلسي إلى عقر دارها، حيث سعت إلى ضم بولندا وجيكيا ولتوانيا ولاتفيا واستونيا إلى حلف الأطلسي، وهي تحاول كذلك ضم أوكرانيا وجورجيا، بعد أن ضمت العديد من دول أوربا الشرقية التي كانت أعضاء في [حلف وارشو ] أيام كان الاتحاد السوفيتي قائماً.
لقد تحدث الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي [فلادمير بوتين] بخطابه في مؤتمر ميونخ للسياسات الأمنية في الحادي عشر من شباط 2007 موجهاً فيه اتهامه الصريح للولايات المتحدة قائلاً:
{أن الولايات المتحدة تنشئ، أو تحاول إنشاء، عالم وحيد القطبية}.
ثم عاد وفسر بوتين ما تعنيه هذه التسمية قائلاً :
{ماذا يعني عالم وحيد القطبية؟ بصرف النظر عن محاولاتنا لتجميل تلك العبارة، فإنها تعني العالم الذي يرتكز على وجود قوة واحدة تتحكم فيه، وتعني أيضا عالم له سيد واحد فقط،، وإن هذه التركيبة أدت إلى كارثة، مضيفاً أن الولايات المتحدة قد تحدت حدودها الوطنية في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، بل وفرضت نفسها على الدول الأخرى. إن الحروب الأهلية والإقليمية لم تتوقف، كما أن عدد الناس الذين يقتلون بسببها في ازدياد متصاعد. إننا لا نرى أي نوع من التعقل في استخدام القوة، بل نرى استخداما مستديما ومفرطا للقوة، وأضاف أن الولايات المتحدة قد خرجت من صراع لتدخل صراع آخر دون تحقيق أي حل شامل لأي منهم}. .
وبحضور وزير الدفاع الأمريكي الجديد [روبرت جيت] وعدد من نواب الكونجرس، دعا بوتين أمامهم إلى إعادة هيكلة نظام الأمن الدولي القائم حالياً بأكمله.
وقد وصف الأمين العام لمنظمة دول حلف شمال الأطلسي [الناتو] السيد [جاب دي هوب شيفر] خطاب الرئيس بوتين بأنه مخيب للآمال وغير مجدي.
أما السناتور الجمهوري الأمريكي [ جون ماكين ] المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري فقد رد بعنف على خطاب الرئيس بوتين قائلاً:
{إن عالم اليوم ليس وحيد القطبية، وأن روسيا الاستبداديةّّ هي التي تحتاج إلى تغيير في سلوكها، وأضاف قائلاً إن على موسكو أن تفهم أنها لا تستطيع أن تتمتع بمشاركة حقيقية مع الغرب طالما أن أفعالها في الداخل وفي الخارج تتعارض بشكل أساسي مع لب قيم الديمقراطيات إليورو- أطلسية، وادعى جون ماكين أن عالم اليوم هو بالفعل عالم متعدد الأقطاب، ولا يوجد مكان للمواجهات العديمة الجدوى، لذا أتمنى أن يفهم الزعماء الروس هذه الحقيقة}!!.
وبعد هذه المواجهة الكلامية بين بوتين وماكين تحدث بعض المشاركين في
المؤتمر عن قيام حرب باردة جديدة، لكن البعض الآخر قللوا من أهمية ما حدث، وقالوا إن خطاب بوتين يعد أحد الحركات التي دأبت روسيا على اتخاذها بصفة دورية للتعبير عن سخطها من تلاشي دورها الكبير الذي كانت تلعبه في الخريطة السياسية للعالم.
إن الحرب الأخيرة التي شنها نظام شكاسفيلي في جورجيا لم يكن بمعزل عن الخطط الأمريكية لتطويق روسيا، فما كان الرئيس الجورجي قادراً على الأقدام على غزو أوستيا الجنوبية لولا التحريض والتشجيع والدعم الذي تلقاه من الإدارة الأمريكية، لكن رد الفعل السريع والقوي من جانب روسيا اسقط في يد سكاشفيلي وحلف الناتو والإدارة الأمريكية التي عجزت عن تقديم الدعم الفعّال لجورجيا، بل لقد جاءت تلك الحرب المجنونة بنتائج كارثية على جورجيا، حيث قررت روسيا الاعتراف باستقلال إقليمي أبخازيا، وأوستيا عن جورجيا، دون أن يستطيع حلف الناتو والإدارة الأمريكية منع ذلك.
إن روسيا التي بدأت تشعر يوماً بعد يوم بالجرح الذي أصاب كبريائها كدولة عظمى كانت تقف نداً للطغيان الأمريكي، وأخذت تتوجس من النوايا الأمريكية لتطويقها وتقزيم دورها في الشأن العالمي، والسعي لنصب الصواريخ النووية على حدودها بدعوى مجابهة الصواريخ الإيرانية، باتت تدرك أن الهدف الحقيقي من الخطط الأمريكية هو روسيا بالذات ، فقد عقدت القيادة الروسية العزم على التصدي لهذه الخطط مستعرضة قواها العسكرية، واستخدامها الفعلي في جورجيا، وتوجيه تهديد صريح لبولندا وجيكيا من مغبة التمادي في خدمة المخططات الأمريكية العدوانية بتوجيه الصواريخ الروسية نحو هذه البلدان، وتوجيه الضربات الأولى لها في حالة نشوء نزاع مسلح بين روسيا والولايات المتحدة.
إن الولايات المتحدة قد أسكرتها انتصاراتها في حرب العراق، وجعلتها تفقد توازنها، وباتت تتصرف كشرطي عالمي، وتتجاهل المنظمة الدولية ومجلس الأمن لتفرض على الشعوب ودول العالم مشيئتها، لكن ذلك لن يدوم إلى الأبد، فالمارد الصيني والمارد الروسي ينهضان لأخذ دورهما الفعّال في الشؤون الدولية ، كما أن الهند باتت تشكل اليوم قوة كبرى ، كما أن الاتحاد الأوربي بات دوره يتعاظم في الشأن الدولي، وفي أحيان كثير يأخذ اتجاهاً استقلاليا عن المخططات الأمريكية. وهكذا سيغدو العالم بكل تأكيد متعدد الأقطاب، وستضطر الولايات المتحدة شاءت أم أبت إلى القبول بالواقع الجديد الذي يولد وينمو ويتعاظم دوره، وستضطر في نهاية المطاف إلى العودة للمنظمة الدولية والالتزام باحترامها، وسيتم إصلاح المنظمة هذه لتواكب التطور الحالي في العالم اليوم بعد أن مضى على تأسيسها 63 عاماً، ولاسيما وأن هناك دعوات بدأت تتصاعد لإصلاحها حتى من قبل أمينها العام من أجل أخذ دورها الفعّال في صيانة الأمن والسلام الدوليين، وخدمة البشرية بتكريس جهودها لمعالجة مسألة الفقر والبطالة المفرخة للإرهاب ورفع مستوى حياة الإنسان في الدول الفقيرة بدل توجيه الأموال الطائلة نحو الحروب والتسلح الذي لا يجلب إلا الخراب والدمار.