الرئيسية » مقالات » دائرة الدخان البغدادية

دائرة الدخان البغدادية

مستغربة هي لحظات الهوس بالضحك المتدرج صعودا من ابتسامة إلى اهتزاز الجسد كله مع صراخ وصدى في غرفة خاوية خالية إلا مني أنا وحدي والصمت , وتستمر النوبة ثم تخفت , وامسح دمع يسيل على الخد , وسعادة غامرة لذيذة تلفني ثم تزول ويعود الضجر , واسترجع الخبر الوميض الصاعق الذي حرك الشغاف وفجر ماء بئر الصمت , فإذا ماسمعته عادي و وربما مروره بالآخرين كالكرام فلا يثير عندهم سوى بعض الدهشة و وقد يحتاج القارئ العزيز لإيضاح وبيان مايجلب عاصفة المرح والاهتزاز لهذا المعتوه الذي هو أنا , لأحيله إلى فضائيات هذه الأيام وما صرح وتكرم به السيد محافظ النجف للصحفيين (أراض في المقبرة ) كمنحة تعينهم على شرور الزمان وغدره ! , وما اثاره الموضوع بعدها من هرج ومرج , ولكن لماذا اذهب بعيدا ؟ وكأني اهرب من واقع معين , أو أحاول إقناع ذاتي قبل الآخرين باني أشاهد أحيانا السعادة , وحتى استمتع ببعض اللهو والمرح قبل النوم , متجاوزا وحدتي والغرفة والجدران الأربعة , ثم انهض صباحا محاولا إزاحة صخرة سيزيف , بالتواصل مع الآخرين , باحثا عن فرصة عمل ترضيني ولا أجدها , وادخل في دوامة مع ثلاثية غريبة تصلح شعارا , وحدة , مرح , بطالة , ثم شارع يأخذني بعيدا , في هودج فوق جمل في صحراء , كأمير متوحد ينظر من نافذة الكوستر فلا يرى إلا نفسه , ويحول كل واقع أمامه إلى حلم وردي , ويتساءل , ماذا لو ؟ ثم يجيب صوت الصدمة , انفجار , دوي هائل , وأقيس البعد والموقع وأتصور المكان والناس الموجودين لحظتها وهل اعرف احد منهم ؟ , واصل نهاية الخط جاء دور الساقان لتمشي ويصاحبني الحلم نفسه , أو تعود بي الذكرى لعشرات خلت من السنين , وحولي المكان وما الذي تغير فيه ! وأتنفس بعض الريح المتسارعة مليئة بالتراب والغبار ولا أبالي , أتذكر الدخان الأسود المستمر أطنان متواصلة منه تحيط بنا و سحب أرضية قاتمة , والإشاعات تقول أنها سلاح المعركة ضد طائرات العدو , تحجب الرؤية , وترطب الجلد والهواء , وتبلل حتى الشفاه , كنت أمد يدي أحيانا لتخترق أسرارها , وتعود أصابعي شفافة , هي بداية آذار 2003 , حيث لا أمطار شتوية حتى يومها بل غبار مستمر تتطاير معه أكياس النايلون ثم تهبط وتلتف حول عجلة سيارة أو تستقر فوق غصن يابس لشجرة , تتشابه معها لعبة الإشاعات المتداولة بين حشد خارجي , واستحضارات رسمية ولا مبالاة شعبية , لاتمل قارئي العزيز , اعرف جيدا إن القصة المشوقة تستلزم الحبكة وبعض الغموض والسرد الحالم , لايجيدها مثلي ممن امتلأت أجسادهم ولا زالت بالدخان ! هل يتوجب العودة للبلاهة والسذاجة ؟ ولكنها لاتكفي و هاهو أراه يتصاعد من مكان الانفجار , فأين التشويق في وصف خيط دخان ! وآذار آخر يحل وسنة 2008 , وأواصل المسير نحو الفراغ , وعندما يهدا خيالي الجامح وتتلاشى الأحلام الوردية , تعود صورته , ملاك , يتراءى لي على صفحة الماء بعيد هو كما دجلة من فوق الجسر , ينادياني الاثنان , لأقفز نحوهما , وهنالك حينما تحتويني الهاوية سأحتضن الوجود , سأتلمسهما معا , وسام والماء , أكثر ما اعشق وأحب في هذا الكون , أمسكت بيدي حافة سياج الجسر العلوية واهويت بكفي فوق حديدها , لاتزال له الرنة القديمة , كنا صغارا نقرع نفس الحديد و وننتصب فوقه ماسكين عمود النور , قبل أن نتركه نحو الماء , ونهبط يجذبنا الفراغ والثقل وعناد الأطفال , كنت يومها اصغر من ولدي وسام و وهو يسير اليوم بعيدا عني نحو الخامسة عشر, لايملك غير مرض السكر وعقل راجح , وأدوية وسرنجات بلاستيكية تجلده بسوط عذابها كل يوم , فارقت أمه الحياة وهي تنظر إلي وعادت في الحلم مرارا , وكأني احتاج لوسام بتوصية ! إلى أن تشاجرنا مرة , وقاطعتها ولم اعد أنام , لازمني الأرق حتى فقدت الشعور بلون عتمة الليل , الزمن كله نهار ابيض ساطع تجاوبت معه شعرات راسي , وأعود إلى وسام كنا نضحك ونلعب سوية ثم نعود ونتوحد وننغلق ونصمت ونفترق , ونحلم , ونحن معا , أعانق زوجتي , ويحتضن أمه , وتنام هي وحيدة يلفها التراب , إلى أن تأتي الحجية و تقرع الجرس , تزيح عنا الهم والظلمة مع دعوة للعشاء , أو المساعدة في إعداده , وتمسك بيد وسام حفيدها , تبعده عن الأوراق والقلم والسي دي والتلفاز , وتحاوره , تدعي العجز ليساعدها في الحركة , هانحن الثلاثي الذي واجه إحداث السقوط وما بعده , يشم الدخان , يستنشقه , وكأنه بارقة الأمل ! , لم أكن اهتم كثيرا أنا المدخن السابق , كذلك والدتي التي مر بها الأسوأ والأغرب , ولكن سعال وسام وكابته هي المشكلة , هو فقط من كان يجعلني أبالي , وأعود للانتماء , وأحارب الواقع وليس فقط طواحين الهواء , هو مشكلتي الحقيقية ونحن على أعتاب الضربة القادمة , يحب ما أحبه , نتسابق معا للفوز بالقبلة الأولى , لم يكن ينفر من والدتي وهي تحاول احتضانه أو تعويضه , ولكنها طفولته , تتداعى وترتمي نسماتها أمامي وأمامه , وتأتي لنشمها معا , زوجتي أنا , أمه هو , وبداية العناق , لايرضى مفارقتها ولا يحبذ الاستقلال , يحاول ما استطاع أن ينام وسطنا على التمدد في سريره الخاص ذو الرسوم والألعاب .

أنا- حبيبي سأذهب بك إلى سريرك .

وسام – لا هو بارد وصغير .

أنا – سيكبر معك .

وسام – هنا أفضل , ماما أريد أخ صغير .

تصيبني عندها هستيريا صاخبة من الضحك , ربما هي أو تداعياتها , من أوصلني إلى البلاهة الحالية و كيف سأشرح لصغيري طريقة إنتاج الأخ ؟ وخطوتها الأولى أن يعود لسريره ! , أصبح يحب رائحتنا أنا وأمه , أرى وأحس بأنفه الصغير يلتصق بجلدينا , غريزتي تتصاعد , وعضلاته تتوتر , وهدفنا واحد (هي) , يبتعد عني , يسبقني أليها , تمتد يداه لتستقر فوق رقبة أمه و ويزحف , ويلتصق بها , يتوحد جسدان وكأنهما لم ينفصلا أبدا , وعلى ضوء النور الضعيف تتجه نحوي عينا (سعاد) وتبتسم شفتاها وكأنها تقول .

سعاد – لو كنت هرا لاكلته أليس كذلك ؟ هيا تحول إلى مفترس ولا تدع هذا الصغير ينتصر .

ما أتذكره الآن هي يداه , راحة كفه , أصابعه , أنامله , تكبر وأنا أتحسسها , أتلمس جلده الرقيق الذي سوف تخترقه الآلاف من ابر الأنسولين , بعد الموت المفاجئ لوالدته , تغير , كلماته القليلة تلاشت , استبدل بالفوضى عاداته المنظمة , لهفة الذهاب للمدرسة , الملابس النظيفة و الحقيبة الجلدية , المشط , المرآة التي كانت هي من تنظر إليه وترسمه لوحة للهندام والترتيب والثقة بان الإنسان سيد الكون حتى وهو طفل يذهب لتعلم الحرف والرقم والكلمة . يقبل أمه ثم يخرج , ويربكني اليوم حاله .

أنا – كلمني ياولدي !, تحدث , لا أنافسك في حبها ولا أتغلب عليك , ابكي كما بكيت وحدي أو مع آخرين , اصطنع البلاهة أمامك وتبقى صامتا , لم أر قطرة دمع حارة تنزل من عينيك توازي قطرة حليب دافئة طالما تساقطت على خدك وامتصيتها من ثدي أمك , اصرخ في أي مكان حتى في حضن أمي , استفرغ ذكريات لاتتكرر , واعترف لك بان رائحة أمي غير رائحة أمك .

تراجعت صحة وسام , الحزن على فقدان الزوجة افقدني الصواب وجعلني اعتقد بغباء , إن الطفل ربما يتحمل أكثر مني .

الطبيب – هو مصاب بالسكر , يستلزم علاجه بالأنسولين , لماذا التأخير , الأعراض واضحة ؟

أنا – حسبته يتألم بصمت .

الزوجة ذهبت , والطفل يصارع أعراض السكر , والوالدة تحاول , والبلد تملاه رائحة الحروب والكراهية , ومعارك السيوف الخشبية , والسير نحو المجهول , وتمر سنين , وسام يكبر , وأنا اعمل , والوالدة تزداد أمراضها , واضحك ثانية ويعلو الصوت , وسام يطالب ب (كومبيوتر ) , يريده قبلي ! تجاوز الاتاري والبلاي ستيشن , والألعاب , وكأنه في عقلي هذا المستنسخ مني , سنحتضن الحاسوب معا , من يدري , ربما سيطالب بما هو أعظم , مسموح للآخرين ممنوع علينا , إلا فيما ندر , اعني به الانترنيت , هذا العملاق المجهول , قرات عنه ولم أراه أو أجربه , من سيشاهده أولا ؟ أحاول شرح إمكاناته للأصدقاء , والدولة تستعد وتؤلف الجيوش وتسحب المواليد , وينفذ من يدفع , ونعمل بجد لنعيش , ثم يعود ويخنقنا الدخان ! تلك الحلقة الرئيسية التي أحاول تجاوزها , تناسيها ولكنها , تسطع , آذار 2003 , الشروق كالغروب , قتامه وسواد وصمت , وبغداد مستنقع حفر تملأ بالنفط الأسود مع خزانات أضافية , وحراسات تتواصل وتحمي الحريق , تغذيه ليزداد ويعمي العيون , عيوننا نحن , ويدخل الاحتلال .

دبابات تسير , تسحب ورائها جحافل من زومبي المفترس , خرج ليأكل بعد أن تأكد من سقوط الصنم , وتنتشر العدوى تتحول الآلاف إلى ملايين , كل يخرج باحثا عن حصته وما فاته , وأنا على حالي لازال يملا عقلي الدخان , يطفأ نوره وتوهجه , ويصبح داخله داكنا تستقر في تلا فيفه ذرات الكربون , ثم يفاجئني أخ زوجتي واقفا أمامي , اسمرا بائسا يفتقد حتى روح المراهقة التي يغادرها عمرا , محتفظا بمزاجيته السوداء .

أنا – ماذا لديكم في الدار يامحمد ؟

محمد- غادرنا الوالد نحو زوجته الثانية , ولا معين .

أنا- سنذهب معا إلى الشعب .

محمد- لايوجد سوق ولا مخضر ولا خبز .

أنا- سنحاول شراء مانستطيعه

أخرجت ورقة أل(10) آلاف دينار المخبأة هي لرويدة ’ حمدا لله لم تسقط العملة بعد , النهار صاف مع سحب دخان متفرقة وحرائق ولكن القتامة خفت بل تلاشت لم يعد احد يحرق نفطا اسود ليظلل الطائرات , ذهبوا هربوا تلاشوا تركوا النفط والبنزين المخبأ في أحواض تحت الأرض , لكل قادر على الصراع والمنافسة والتدافع , طريق مدينة الشعب واضح الملامح هذه المرة , سنترجل في السوق , هاهو فرن يبيع الصمون وتلك طماطة حمراء , وباذنجان اسود , احمل يامحمد .

وصلنا البيت , شقة في الطابق الثاني , يتعالى خارجها صراخ رويده شقيقة زوجتي , وهي تجمع وتغسل ملابس جمعهم المؤمن بعد توفر الماء .

رويدة – كيف حال وسام ؟

أنا – يفتقدك أكثر من أبيه والجمع بينكما صعب , هذه ورقة العشرة آلاف , تستطيعين تصريفها بتسعة , سأرسل لك المزيد , كيف حالكم ؟

رويدة – نيسان لايحتاج لتدفئة أو تبريد , نسينا الكهرباء , سأحاول شراء بطاريات للمسجل .

عند العودة كان أحساس بالراحة يلفني , هي كأختها , ولكن أباها يطلب لبن العصفور فهي بضاعته الوحيدة , تمنيت المشي كعادتي ولكن محمد أشار إلى الكوستر , بعد أن اخذ الألف , وعلى يمين الطريق كان الجامع يمتلئ بالأدوات الكهربائية التي تبرا البعض من سرقتها ليودعوها المسجد , ولا تزال بعض السيارات تنقل أشلاء من جسد العاصمة نحو الأطراف , وكان مخاض 9/4 لايريد أن ينتهي , يعصبون رؤوسهم بخرق بيضاء , كما أعلامهم وراياتهم بيض فوق هياكل السيارات , يعطون إشارة الاستسلام للأمريكي ليمروا نحو ماتبقى من مخازن الخراب والدمار , لكن عتمة الدخان الكثيف زالت وعدت استنشق الهواء براحة لايهم مايحتويه من غبار , هاهي باب المعظم يتوجب علي الإسراع نحو البيت سامر أولا على ساحة الميدان , ربما حصلت على قطعة ثلج أخرى , تحكي أسطورة حب الحياة لمن نحب , قطعة ثلج هي ما أجبرني على الخروج مع أكرم في 10 /4 , وكنا من القلائل الذين لم يغادروا بغداد رغم القصف وانتهاء الخدمات ثم تحطم زجاج المنزل وإلصاق النايلون كبديل , من أخرجني هو وسام , ذاب الثلج في البراد , تحول إلى ماء , نبهتني والدتي فارتعبت ليس خوفا على قطعة لحم اوماء للشرب ولكنه (الأنسولين ) دواء وسام المحفوظ في التبريد خوف فساده يحتاجه يوميا وفي أي وقت يجب أن أوفر ثلجا وفلينة لتجاوز العصر الحجري , وعند الباب شاهدت أكرم جاري يبتسم , أرسل عائلته إلى ديالى وعادوا بالأمس , كان متفائلا , يبحث عن خبز وخضراوات , كما يتطلع لمشاهدة مايجري في العراق الجديد ! سرنا معا إلى بغداد وأسواقها كل يبحث عن همه هو الأكل وأنا الثلج , وانطلقت إقدامنا تركل الأحجار وتدوس الشوارع وتنتقل نحو الطريق السريع , لاامني النفس طبعا بركوب مايسير على عجلات حتى لو كانت تجره الأحصنة فهم في شغل شاغل عنا , كانت العجلات تتجه غربا فارغة يقودها مراهقون وشبان وتعود محملة شرقا , لن يكون بيتنا حتما من بين أهدافهم بل الطرائد السمينة وفصل جديد يكتب يتنافس فيه إبطال الحرائق والحوا سم .

شاب- أين الطريق إلى الباب الشرقي ؟

كان بين مجموعة من العشرينيون رثوا الهيئة , لاتبدوا عليهم رغبة المزاح بل اللهفة .

أكرم – استلم الطريق السريع وستصل بعد حين .

آخر- هل لديكم نار ؟ علبة كبريت ؟

اخرج أكرم قداحته , أشعلوا عدة سكائر وانطلقوا مسرعين .

أنا – هل تصدق أن هنالك عراقي قريب من بغداد لايعرف الباب الشرقي ؟

أكرم- سنرى العجب بعد حين على الأكثر هم فارين من الخدمة العسكرية , انظر هذه دائرتي و يبدو أنها سلمت , ولكن ! سامر عليها غدا

تطلعت ثانية إلى سحب وخيوط الدخان أحاول عدها ومعرفة ضحاياها .

أنا – الكل يجري ليسرق , الفقر والجهل والحاجة , هم سادة الشارع ,

أكرم – ربما سحابة صيف وتهدا النفوس ,أو توزيع جديد للثروة .

أنا – لست بتفاؤلك هم يركضون وراء الفتات الباقي

أكرم – لقد انكشف الغطاء , ربما بقليل من الصبر ننال الحرية ونعوض مافات , ونستعيد ليالي ابي نؤاس .

أنا- اسرع أولا , لاتنس أن الثلج أهم عندي اليوم من الحرية , مسالة تتعلق بدواء وسام .

أكرم – حسنا ابني أيضا أوصاني على كرة قدم أو بوت أو حتى كومبيوتر إن وجد رخيصا .

أنا- تقصد !؟

أكرم- لا دعنا نفتش فقط عن الثلج وكرة القدم

تمر الأيام بعدها متدهورة نحو المجهول , ازداد التخريب والحرائق , ولم تتوقف الحواسم , ماتبقى لهم هو خشب البناء والأبواب والطابوق وحديد التسليح , وانتظار أن ينتقل الأمريكان من بناية محمية ليبدأ نهبها , كبرت وتنامت العصابات وارتحل الأمن والاستقرار , أصبح دفاعنا الوحيد هو عن الذات , ودخلت عالم البطالة الواسع , قد يكون لما حدث آثار ايجابية للكثيرين , الموظف أو المتقاعد ,ارتفع الراتب , كما زاد ماء دجلة , ولكن ميزان الربح والخسارة هو شخصي غالبا , ولم أتذمر كان عندي وسام مع كومبيوتر وانترنيت , وبعض العمل المتقطع , حاولت بناء عائلة من جديد , أنا ووسام ورويده أخت زوجتي , ماتبقى هو إقناع والدها بمال لا املكه , ولكنها مراهنة على الزمن قد تنجح , عدت قبل فترة من زيارة لهم , أحسست أن وسام يوافقني الرأي , ذهب نحو سريره مرتاحا , وتمددت احلم ربما بشيء من السعادة تزيل عن كاهلي كابوس الدخان .

سعاد- هل تحلم بي أراك مبتسما ؟

أنا – أنت حياتي , ولكن ألا نستحق أنا ووسام امرأة أخرى ؟

سعاد – تحدث عن نفسك , ليس لديك قدرة الصبر , تستبدل أختا بأخت .

أنا- هو الواقع ياسعاد , البشر تحكمه الغريزة وحب الأسرة , لو مت قبلك ماكنت لاعترض .

سعاد – على ماذا ! هاأنت تفرط بي مرتين .

ذهبت غاضبة كما أتت , هي حياتي معها , صمت وحنان وحرارة لايبردها الموت ولا الفناء , ولكن القدر يكمل المأساة , وكأنه يتجاوب مع اللامعقول وتتصل بي رويده

رويدة – سأتزوج قريبا , جاء من يرضي أبي , لديه دفاتر .

الدفاتر ! لغة كل العصور واختلاف الأنظمة , وإنا العاطل الذي تصعب عليه الورقة , وينتظر فرج غائب مختطف , وأعود إلى وسام , وكان مراهقته تؤشر معالمها , وأخاف هذه المرة من والدتي , وهي ترى عجزي عن المعيشة , ولكنها تصرفت , لأرى بعد حين أخي المهاجر البعيد يتوسط الدار , لم يكن حتما يود الاستقرار هنا كما تمنى سابقا

الأخ – سآخذ الوالدة معي , لن تستطيع البقاء أكثر .

أنا – هو بيتها وهي حرة .

الأخ –ووسام .

أنا – مابه وسام ؟

الأخ- أكملت ترتيبات دخوله حيث أقيم , سيعيش مع أطفالي , لأتقل انك تستطيع توفير حياة أفضل له هنا , أخبرتك منذ فترة طويلة لم يعد العراق لنا , من حسن حظ الوالدة ووسام , إني هاجرت منذ زمن بعيد , عندما تعجز عن الحلم بعراق أفضل , حاول أنت الآخر , رغم الصعوبة والحواجز .

ذهبوا , وبقيت , الزوجة قتلتها أمراض الحصار , والابن لغد أفضل في بلاد غريبة سيعتادها , وأنا لازلت امشي وارى الدخان واسمع أصوات الرصاص والمتفجرات ولا احلم , ولا أتمنى , بل استمع أحيانا لضحك بصوت عال , ربما على نفسي ذاتها , أو للدخول في متاهة العدمية النافية لكل , عقل , ضاع مني وأنا أحاول اغناءه بالتجارب .

جميل محسن

الشخصيات

أنا – راوي القصة

سعاد – الزوجة المتوفاة

وسام- الابن

أكرم – الصديق

رويدة-أخت الزوجة

محمد- أخ الزوجة

الحجية- أم راوي القصة

الأخ المهاجر

شباب يتراكض بعد 9/4