الرئيسية » التراث » تواصل الديانات الكوردية في المجتمع الكوردستاني

تواصل الديانات الكوردية في المجتمع الكوردستاني

نشر موقع لالش نص كتاب (الميترائية تأريخ و معتقدات) للدكتور علي تتر نيروه يى و الذي قام بترجمته الأستاذ پیرخدر سليمان. نشّد على يد الدكتورعلي و الأستاذ پیرخدرعلى هذا النتاج الرائع الذي يظهر العمق التأريخي للكورد الإزديين الذين أخذوا على عاتقهم الحفاظ على هذا الدين التوحيدي العريق و الذي كلفهم إلى اليوم كثيراً من الدم و الدموع، على أيدي أعداء البشرية. يلقي الكاتب في كتابه الأضواء على جانب مهم من تأريخنا المغمور تحت ركام الزمن. بهذا العمل النبيل أخرج الدكتور علي إلى النور بعض الكلمات و العبادات التي تظهر من خلالها أوجه التشابه الكبير بين الديانتين (الميترائية) و( الإزدية). مركز لالش الثقافي و الإجتماعي يستحق الشكر و التقدير على ما قام به من جهد لطبعه هذا الكتاب و إخراجه و تبويب مواضيعه بصورة جميلة و انه جدير بالقراءة. إطلاعي على هذا الكتاب القيّم دفعني الى كتابة هذا المقال للإشارة الى بعض طقوس و معتقدات و مفردات الأديان الكوردية التي لا يزال المجتمع الكوردستاني يحتفظ بها و تنتقل من جيل الى آخر، رغم قِدم هذه الأديان و التي تُقدر أعمارها بآلاف السنين.

أذكر هنا بعض الكلمات التي لازالت تتداول عندنا نحن الكورد من عشيرة (الكلهور) في (مندلي) في (جنوب كوردستان) و أيضاً في (شرق كوردستان) في مدن (كرمانشاه) و ( إسلام آباد) (إيوان) و (گيلان) و (إيلام). فيما يخص (الصليب) المعقوف، فأنه منقوش على جدار معبد (آناهيتا) الذي يقع في (كنگاور) في محافظة (كرمانشاه). تمّ بناء هذا المعبد قبل الميلاد بتسعة قرون. إلى يومنا هذا لا يزال قسم من هذا البناء بحالة لابأس بها، حيث أنّ الأعمدة و جزءاً من جدرانه لا تزال باقية، إلا أنّ المعبد قد أصبح بلا سقف، حيث أنّ سقفه قد تدمّر و إختفى بمرور الوقت نتيجة الإهمال الذي عاناه هذا المعبد من قِبل الحكومات التي تعاقبت على حكم إيران. نظراً لوقوع هذا الصرح التاريخي في (كوردستان)، كبقية الكنوز الأثرية الأخرى في (شرق كوردستان)، لقد تمّ ترك الآثار التأريخية النفيسة لتلعب بها يد العابثين و الزمن. قمتُ بنفسي بزيارة هذا المعلم الحضاري، شخصياً و رأيت بأم عيني، كيف تحول جانب منه إلى سوق لبيع الأخشاب، و جزء آخر تحول إلى ربوة من جرّاء رمي القُمامة فيه، لكن جزءاً لابأس به قد سلم من الإندثار و قاوم تعاقب الأزمنة. هذا المعبد يسمى في المصادر الإسلامية في صدر الإسلام بقصر ( اللصوص)، حيث ينقل (ياقوت الحموي) و (ابن رسته) و ( ابن فقيه) و (اصطخري) و آخرون عنه ما يلي: إنما سمي بقصر (اللصوص) لأن أهل المنطقة، سرقوا دواب الغُزاة (العرب) قرب هذا القصر. يوجد صليب معقوف آخر في محافظة (شيراز) في إحدى قصور الساسانيين، منقوش على صخرة كبيرة راسية على الأرض في باحة القصر. إذا لم تخُني ذاكرتي، فأنّ قناة (كوردستان تيفي) قد عرضت حلقة مطولة عن هذا الصليب، حيث شرح الآثاري الكوردي المسؤول عن القصر كثيراً في تلك الحلقة التلفزيونية عن هذا الصليب، فذكر بأن هذا الصليب يرمز إلى الجهات الأربع (شرق و غرب و شمال و جنوب) و أضاف بأنّ الألمان زاروا هذه الصخرة و شاهدوا الصليب و ذكروا بأن هذا الصليب هو صليب آري أي خاص بالشعوب الآرية منذ عصور قديمة جداً. قسم آخر من المؤرخين يعتبرون هذا الصليب بجهاتها الأربع، يرمز إلى الماء و الهواء و الأرض و النار. هناك بعض الكتابات تذكر وجود الصليب عند السومريين. العلامة ( دهخدا) في موسوعته المعروفة (لغتنامه دهخدا)، في المجلد الخامس عشر، صفحة (15038)، يذكر مايلي: الصليب المعكوف كان موجوداً عند الشعوب الآرية و هذا الصليب منقوش على تخت جمشيد، ثم اتخذه الحزب النازي في المانيا شعاراً رسمياً للحكومة الألمانية. تخت جمشيد هذا هو قصر ( داريوش الأول الهخامنشي)، أحرقه (إسكندر المقدوني) سنة 331 قبل الميلاد. يقع هذا القصر على بعد (56) كيلو متر شمال شرقي مدينة شيراز الإيرانية. الكتابات الموجودة على الجدران الجنوبية للقصر، تُظهر أنه تم تشييد القصر بناءً على أوامر (داريوش الأول) في حوالي سنة 520 قبل الميلاد. رفع الصليب، كما أسلفنا يعود إلى الأديان الآرية القديمة (كالهندوسية) و( الإزدية) و (البوذية) و التي تشترك جميع الشعوب من معتنقي هذه الديانات مع معتنقي الديانة ( الميترائية) القديمة في الإنتماء للعرق الآري.

في الستينيات من القرن الماضي و في مدينة (مندلي)، إحدى مدن جنوب كوردستان، كنا نشتري الملح الخشن (غير المطحون) ثم نقوم بطحنه في البيت. بعد إتمام عملية الطحن كانت زوجة عمي تقوم برسم (صليب) عليه. كنا نحن الأطفال في حينه، يدفعنا حب الإستطلاع للسؤال عن معنى رسم الصليب على الملح. كانت زوجة عمي تجيب عن سؤالنا بلطف و حنان و تقول: (روله حه لالي كَه م) أي (ابني أحلله). هي مازالت على قيد الحياة وتقوم بهذا العمل الموروث من الديانة (الميترائية) التي كانت ديانة آبائنا و أجدادنا في العصور القديمة.

ألقى الدكتور علي الضوء على عادة موروثة أخرى، وهي العملية التي تقوم بها الأم الكوردية إلى اليوم، حيث تشير بشارة الصليب باليدين على صدر الطفل عندما تضعه في المهد و تنطق بحروف غريبة. عمل الصليب باليدين هو أيضاً من موروثاتنا الكوردية القديمة ( الميترائية) أو ( الإزدية)، رافقنا إلى اليوم و لم نتركه حتى بعد أن ُأجبرنا على إعتناق الدين الإسلامي.

من الموروثات الأخرى التي ذكرها الدكتورعلي في هذا الكتاب القيم، هي سقوط السن وتقليم الأظافر و قص الشعر. أتذكر بأننا عندما كنا أطفالاً، بعد تقليم الأظافر وقص الشعر، كنا نخفي الأظافر المقطوعة و الشعر المقصوص بين شقوق الجدران أو الصخور، بينما عند سقوط السن لدى الطفل عند بلوغه السنة السابعة، كنا نرمي السن الساقط فوق سطح المنزل. أتذكر بأنّ أبي و أمي كانا يقولان لنا بلغتنا الكوردية (اللهجة الكلهورية) ( بخه نه ى سه ر بان عمر دريژ كه ي) أي ( إرموها فوق السطح فسوف يطيل العمر). نلاحظ هنا تأكيد الآباء على رمي السن أي القذف، حيث كانوا لايسمحون لنا بالصعود الى السطح لوضع السن الساقط هناك، بل كان يجب علينا قذفه من باحة المنزل إلى السطح. أعتقد بأن الحكمة الكوردية في رمي السن تكمن في رغبة الآباء و الأمهات في إكتشاف قوة و صحة أطفالهم.

من المعتقدات القديمة التي مازالت تمارس عند الشعب الكوردي بكل طوائفه و أديانه، هي سكب الماء خلف أحدهم عندما يسافر. من المعروف أن الماء هو رمز الحياة و الخير. هذا الطقس يعني عندهم التمني للمسافر بالذهاب و السفر بالسلامة و كذلك العودة بسلامة. من المرجح أن تكون هذه الإعتقادات الميتافيزيقية من بقايا موروثات دياناتنا القديمة، على سبيل المثال و ليس الحصر (الميترائية) و التي إنتقلت من جيل إلى آخر إلى أن وصلت إلينا بصورتها الحالية.

فيما يخص اسم (ميتر)، نحن أبناء قبيلة ( الكلهور)، كصفة تفضيلية، نقول إلى اليوم لكبير القوم أو لشخص صاحب منزلة كبيرة (مَيتر). بعد ذبول (الميترائية) كديانة فقدت بريقها الألوهي، أعتقد بأنّ هذا الاسم بعد أن كان يطلق على ( الإله) أو (الملاك)، أصبح اسم يطلق على الإنسان صاحب الجاه الذي هو دون ( الإله) و أعلى مرتية و منزلة من العامة. على سبيل المثال ( بغ) كان (إله) الكردوشيين (الكورد) ثم عبر التاريخ إنتقل كإسم إلى الانسان و إنقلب ( الغين) إلى (گ)، فأصبح (بگ)، أي الانسان الذي يتبؤ منصباً كبيراً. إن الكردوشيين هم الذين بنوا مدينة (بغداد) عاصمة ( العراق) (2000) سنة قبل الميلاد و أطلقوا عليها هذا الاسم المقدس (بغ داد) أي (عطية بغ) (عطية الله). يقال أن اسم (مِستر Mister) الإنجليزي هو مقتبس من (ميتر) الكوردي. حيث أنّ كلمة (مستر) يعني السيد المحترم في اللغة الإنجليزية. هناك شيء يجب التمعن فيه والوقوف عنده وهي العلاقة بين (ميترا) و( الشمس) و أيضاً نرى أن( النيزك) و( الشهاب) تسمى في اللغة الإنجليزية و اللغات الأوروبية (مَتَور Meteor). اسم (المهراجا) عند الهنود ليس ببعيد عن اسم (ميتر). هذا الاسم يطلق عندهم على الملك أو الأمير أو الشريف، صاحب النفوذ و الجاه. نلاحظ أن اسم(الإله) أو (الملاك) في الديانات الكوردية القديمة التي إختفت و أصبحت لا وجود لها الآن، بإستثناء الديانة (الإيزدية) التي صمدت شامخة رغم عوادي الزمن. إنتقلت هذه الاسماء إلى الإنسان عبر الزمن، على سبيل المثال كإسم (ميترا) الذي أصبح اسماً لكبير القوم بصورة (مَيتَر – مه يته ر) (مهر)، قسم كبير من الشعب الكوردي يقولون ل(ميتر) (مهر) و اسماء مثل (مهرداد) عندنا كثيرة أي عطية (مهر) و ( آهورا مزدا) (الإله) في الديانة ( الزرادشتية)، أصبح اسم يطلق على الإنسان بإسم (هرمز). يقول (دهخدا) في هذا الصدد في موسوعته عن هذا الاسم في الجزء الخامس عشر، صفحة 23451: (هرمز) اسم اليوم الأول في كل شهر، و المصدر اللغوي في (هرمز) و (آهورامزدا) واحد لافرق بينهما. حتى (خدا- الله) أصبح اسم انسان في شقه الأول (خداداد) أي (عطية الله) و أصبح اسم لكبير القرية بصورة (كيخدا)، حرف الكاف هنا يعني الكبير أيضاً مثال الملك (خسرو) الساساني يقال له (كيخسرو) و (قباد) يقال له (كيقباد) الخ. في منطقة (بهدينان) الشائع بين الناس هو إستعمل إسم (خدان) لكبير العشيرة أو الإنسان المحترم، و يقولون أيضاً “ئه زبوني” للكبير صاحب الجاه و المكانة الرفيعة، هنا أوجه التشابه واضح في النطق و المضمون بين ( “ئه زبوني و “ئه زد” “يزدان” الإله).

عثرت في كتاب ( لغتنامه) للعلامة (علي أكبر دهخدا) في الجزء الرابع عشر، صفحة 21872، اسم قرية كوردية تسمى (ميتر كلاته). تابع العلامة (دهخدا) النهج الرسمي الحكومي الفارسي و دونه (مهتر كلاته) بطريقة فارسية. حال هذا الاسم كحال اسماء بقية المناطق الكوردية في شرق كوردستان الخاضع للحكم الإيراني، حيث أن الكورد يطلقون على مناطقهم اسماً بلغتهم الكوردية بينما ( الفرس) يدونوه بالطريقة الفارسية لتتناسب الكلمة مع اللفظ و النطق الفارسي. كما أنه لا يخفى على أحد الطابع العنصري لهذا التغيير في الأسماء الكوردية و ذلك لتفريس الأسماء الكوردية العريقة النابعة من عمق التاريخ الكوردي. لنعد إلى موضوع قريتنا (ميتر كلاته)، (كلات) اسم مشترك بين( الكوردية) و (الفارسية) يعني القلعة و الترجمة الحرفية لاسم (ميتر كلاته) تعني ( سيد القلعة) أو ( صاحب القلعة) و هذه القرية تابعة لناحية (كورد كوي) أي (الحي الكوردي) في محافظة (گرگان). هذه المحافظة ليست ضمن مدن شرق كوردستان، و هي بعيدة عنها و تقع في شمال شرق ايران.


جانب من الآثار المتبقية لمعبد ( آناهيتا) في مدينة كنگاور — محافظة كرمانشاه — إقليم شرق كوردستان — ايران .