الرئيسية » مقالات » (الشخصية العراقية) بين التفكيكية و التحليلية(2)

(الشخصية العراقية) بين التفكيكية و التحليلية(2)

في الحلقة السابقة تحدثنا عن الخطاب التفكيكي القومي و دوره في تشويه و تأخير بلوغ العقل العراقي إلى قمة الذاتية الفردية للوصول إلى حالة البلوغ العقلي في اللا شعور الغائب و الذي يُنتظر ظهور كحتمية تاريخية، و هنا سنحاول كشف ذات الأمة “الفرد” و كيفية إيصاله إلى قمة الحقيقة التاريخية التي سيتمخض عنها ولادة أمة كان لها وجود و لكن كانت في غفلة عن ذاتها الذي هو هدف وجودها و وجودها هو التبرير الموصل إليها، هذه الذات “الفرد” أصيبت من خلال آيديولوجيات القرن التاسع عشر و العشرين بمجموعة التباسات شوهت و ضيعت ذاتها الحقيقية و التي كانت تفسر دوما بأمور طارئة على الذات العراقية.

يحاول بعض الكتاب الآن و من خلال عقل ذكوري عشائري قطع الطريق مثلا على حق المرأة العراقية أن تعطي أبنائها – الذين ولدوا من أب غير عراقي – الجنسية العراقية، منطلقين مرة أخرى من عقل طارئ إما قومي أو ديني، متناسين أن الهوية العراقية هي الأصل و أن كل ما عدى ذلك فهو محترم بالإضافة و ليس كأصل، فالشيعي و السني و العربي و الكردي و التركماني كلهم يتساوون في “عراقيتهم” و كونه ينتمي إلى هذا الطرف أو ذاك لا يمكن أن يكون امتيازا أو نقطة قوة ما لم يكن هذا الانتماء في إطار عراقي بحت، و بالتالي لا بد للذات من جهة محايدة تستطيع إشعاره بذاته و هو ما نعني به تجسد هذه الذات في نظام “دولـــة” و لا يتم الحياد ها هنا ما دامت السلطة تنتمي إلى طارئ على العراق (عرق قومي أو مذهب أو حزب).

إن الفرد الحر هو أساس كل دولة حرة و لكي يكون الانسجام كاملا بين ذات الأمة الذي هو الفرد و تجسد هذه الذات من خلال المجموع الذي يبني الدولة، الانسجام بين هذين الطرفين لا يتم إلا بعلاقة ضمير مباشر بين الفرد و رؤيته للأمة التي تجسد ذاته من خلال علاقة مباشرة لا تربطه ربطا تفكيكيا بالتجسد و عبر مظاهر طارئة من الممكن تفكيكها في أي وقت كونها مفككة أصلا و لا تمثل الحتمية التاريخية لبروز الذات و الأمة في علاقة منسجمة واضحة و نقية، فالأصل في الفعل الإنساني أنه حر و ذو إرادة نافذة و إذا كان المنظور الديني يعتبر الإنسان أنه مقيد بالإرادة الإلهية و بالتالي فهو مرتبط بسبب خارج إرادته، هذا الفهم نفسه قاصر عن النظر إلى كون الإنسان هو غاية إلهية و بالتالي فلا معنى لكل المصطلحات و المفاهيم و النبؤات الدينية في حال تجاوزت الإنسان، فالإنسان أعظم مخلوق حينما يدرك حريته و التي لا تقل قيمتها حتى لو ربطت بأسباب طبيعية و سايكولوجية خارجة عن الشعور الظاهر للإنسان، فهذه الحرية و من خلال تجسدها كطاعة عن اختيار هي سر عظمة الإنسان، لكن بمجرد أن يبدأ الإنسان و من خلال حريته في إيجاد تبريرات للتشكيك في أثمن ما يملك (الحرية) فهو حينها سينحط ليصبح أحقر مخلوق على وجه الأرض، و على الإنسان أن يدرك أن تحقير الدين للشهوات و ملذات الحياة لا يعني قط أنها قبيحة لكونها المعنى الواقعي للحياة، كاللذة التي يحصل عليها الطرفان الرجل و المرأة، لكن هذه الملذات تفقد معناها حينما يصبح الفرد مستعدا للتخلي عن حريته في سبيل الوصول إلى هذه الملذات، كون الحرية هي قيمة القيم و أنها بلا حدود لو لا تعلق الإنسان بأفراد آخرين مثله يملكون نفس الحق و بالتالي لا بد من تنظيم هذه المتعلقات كون التنازل عن جزء بسيط من الحرية في سبيل حفظ هذه النعمة هو أفضل من الفوضى التي تصبح تبريرا للطغيان.

إن الإنسان و ارتباطه بمحيطه و أرضه – الارتباط هنا بالأرض يختلف كليا عما يروج له القوميون و الإسلاميون من ارتباط غير مشروط – هو ارتباط إيجابي بمعنى أن الفرد ينطلق نحو الطاعة عبر علاقة الحرية و الحقوق، فكلما توفرت للذات “الفرد” حريات و حقوق كلما كانت العلاقة أقوى و أمتن و كلما تمسك الفرد بواجباته كلما حصل على حقوق أكثر و كلما قدمت الدولة و هي انعكاس شمولي لهذا الفرد كلما حصلت من هذا الفرد على مزيد من العطاء و العمل و الإنجازات، من هنا فإن إدراك الفرد لذاته كعراقي هو إدراك الأمة العراقية كمجموع أفراد لذاتها كأمة منفصلة عن كل قومية و مذهب أو عقيدة أو حزب، فالعراقية كهوية هي تجسد للذات في الأمة أو بعبارة أخرى تجسد حيادية الفرد – كونه عراقيا – في أمة عراقية محايدة.

إن الانعكاس بين الفرد و الأمة الحقيقية – الأمة الحقيقية هنا هي العراقية بينما الأمة المزيفة هي تلك الدينية و القومية – هذا الانعكاس لا متناهي التبادل في التأثير كون الفرد عبر وصوله إلى ذاته يمكن الأمة من تجسيد نفسها و هذا التجسيد يؤثر مرة أخرى على الذات الفردية. إن حركة التاريخ تتجه بشكل تصاعدي نحو ارتقاء العقل البشري “و العقل العراقي جزء من هذا العقل” و هذا التصاعد الفلسفي المنطقي في معرفة الفرد لذاته في الأمة هو ارتقاء حتمي يتكون من خلال الممارسة البشرية للحياة و كل متعلقاتها الثقافية و السياسية و الاجتماعية، فقد بحث الإنسان عن ذاته في الدولة “القومية” فانتهى إلى الفراغ و التناقض في تعريف القومية نفسها و من ثم انشطارها مرة أخرى، كما أن الدولة الدينية وقعت في تناقض مع ذات الفرد كونه دوما على حافة أن يتهم بالخروج على الحقيقة الدينية أو لرفضه عقيدة الدولة التي فرضها أفراد مناقضون له.

إن الإنسان في ذاته كهدف إلهي أصيل هو غاية الدولة و هدفها، و نحن هنا حينما نربط هذا الإنسان بالغاية الإلهية فإننا نعني بذلك إله الفلسفة أكثر من كونه ذلك الإله الكهنوتي الديني الذي يبدو لي شبيها بمسؤول متعصب في حزب قومي يتبع تعليمات السيد رئيس الحزب القومي، فحسب الإله الكهنوتي لا قيمة لعمل الإنسان خيرا كان أو شرا بقدر ما يمتلكه من خضوع للطقوس و الشعائر الدينية أو تصنيفه على أساس الجنسية و الوراثة، فالإله الفلسفي هنا و الذي يتطابق مع العمق الإشراقي و الصوفي للأديان هو وحده الكفيل بإيصال الإنسان إلى غايته التاريخية في الانتماء إلى أمة “لا قومية و لا دينية” تتحقق من خلالها أحلامه في المساوات و العدالة و الحرية، فكل الانتماءات الجانبية تجعل من الدولة أشبه بحزب كبير يبدأ في التعامل مع الفرد على أنه كائن غريب عن جسم الدولة.

إن الإنسان هو محبوب للإله الذي خلقه في العالم ليكون انعكاس للكمال و الفعل الحر و يدرك بالتالي أنه مطالب ذاتيا بأن يكون أرقى ما في الوجود باعتباره مختلفا عن كل محيطه المتحرك في جملة حتميات غير قابلة للتغيير، باستثناء الإنسان الذي هو حتمية الحتميات و القادر على التلاعب بالقوانين الكونية و يمدها أو يقصر من عمرها، فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يدرس أبعاد مشاكله الاقتصادية و الاجتماعية و سبل حلها، بالتالي فإن الفرد العراقي لا بد و أنه سيدرك انتمائه كذات إلى غاية على هذه الأرض و عبثية الانتماءات الطارئة و التافهة التي لم تجلب له – و التجربة التاريخية أكبر برهان – إلا الحرب و الدمار، بينما كان من الممكن بناء تجربة مختلفة إيجابيا عن كل ما مضى لو كان تمّ تعريف الهوية العراقية و تحولها إلى هوية مقدسة بفعل الانحدار الزمكاني الممتد في عمق التاريخ و المستقر في اللحظة الآنية الحالية، لو كان تم تعريف الهوية العراقية بذاتها لا بالطارئ القومي أو الديني لكان من الممكن بناء تجربة تختصر الزمن وصولا إلى معرفة الذات لنفسها كغاية للتاريخ المقيدة للفرد في الأمة اللا دينية و اللا قومية، و نحن هنا لا نعني باللا دينية أنها إلحادية بقدر ما نعني أنها (محايدة) لتستطيع الموائمة بين الذات و تجسدها.

Website: www.sohel-writer.i8.com