الرئيسية » مقالات » ابو ظفر ــ ذكراك باقية الى الأبد

ابو ظفر ــ ذكراك باقية الى الأبد

في مساء هاديء من أماسي ستوكهولم الجميلة في شهر يوليو التقيتُ النصيرة ام جمال . وكعادتي حين التقي بناس يعرفون ابو ظفر ومثلما تقول اغنية ام كلثوم ” لما اشوف حد يحبك يعجبني اجيب سيرتك وياه .. ” فكان حديثي معها عن الغالي ابو ظفر والمواقف التي جمعتها معه في كردستان .تنهدت وقالت :

“… ابو ظفر في ذاكرتي ما حييت .من سماته الطيبة والتواضع والتفاني والإصرار و الحس الإنساني ، كما أنه يشيع جوا من المرح في احلك الظروف وهو سريع النكتة .

أستطيع أن أقول إني تعرفت على الشهيد ابو ظفر قبل أن التقيه في كردستان وذلك من خلال ما سمعته عن الطبيب المناضل ، وبعد أن التقيتكِ وظفر ويسار في دمشق وانا في طريقي الى كردستان ، كنت بصراحة معجبة بكم . وحين التقيته في كردستان كلمته عنكم ونقلتُ له تحياتكم وإعجابي بكم .لم يكتفي بذلك ، بل راح يسألني عن كل شيء وبالتفصيل ووقتها قلت له : ” ام ظفر حسبما تقول بأنها شوية سمنانة .” ضحك وعلّق قائلأ : ” هذا مضموم … هذا نريده . ”

كان ابو ظفر يحترم الجميع ولن يتوانى في تقديم المساعدة والمشورة الطبية للجميع كما أنه لا يتوانى عن السير ساعات من اجل أن يصل الى مريض ليقدم له المساعدة. ولن انسى اهتمامه ورعايته لي اثناء حملي .

جمعتني معه مواقف عدة وكان في جميعها إنسانا رائعا .في إحدى المرات كنتُ في مفرزة الأسناد وكان ابو ظفر أحد افرادها .وفي منتصف الطريق في قرية ( حسبما اذكر ) شيخ خذر تعرضنا الى هجوم من قبل الجحوش ، فطلب منا دليل المفرزة الأنسحاب ، واثناء الأنسحاب وبسبب إطلاق النار الكثيف الذي تعرضنا له ، فقدنا دليل المفرزة وبقينا ثلاثة افراد ، الدكتور ابو ظفر وابو ظافر وانا. كان ابو ظفر يسير امامنا ، لكنا في حلكة الظلام لم نستطع أن نراه . ومن المواقف الطريفة التي حصلت اثناء إنسحابنا ، حين امسك ابو ظافر بخيط وراح يسير معه وقال لي بصوت خافت : ” ام جمال يبدو انه هناك لغما مزروعا في المنطقة وها انا امسك بخيطه . “وراح يسير مع الخيط حتى اصطدم بأبي ظفر والعليجة التي كان يحملها على ظهره والتي كان بداخلها بعض الأدوية ومعداته الطبية ومنها بكرة خيوط لخياطة الجروح . يبدو ان الخيط كان يتدلى من الحقيبة دون أن ينتبه له ابو ظفر . ووقتها نسينا انفسنا والخطرالمحدق بنا ورحنا نضحك . وكعادته بدأ ابو ظفر بالتنكيت الذي ينسي المرء همومه . و واصلنا سيرنا حتى وصلنا الى إحدى القرى .استضافتنا إحدى العوائل وقدّمت لنا قليلا من الخبز والجبن . لم نمكث في القرية ، بل واصلنا السير وكان ابو ظفر يمسك بيدي كي لااتخلف و اضيع وسط الأدغال في الظلام الحالك . تعرضنا الى اضواء بروجكترات الجحوش ومن شدة خوفي فلتت يدي من يد ابو ظفر وبقيت وحدي وسط الأدغال التي تكثر فيها الخنازير البرية .ووقتها لم افقد شجاعتي وسلاحي معي . سمعت حركة بالقرب مني ولم اتردد بنطق كلمة السر وجائني الرد ، وإذا بي امام مفرزة التموين التي ساعدتني بالوصول الى الشهيد ابو ظفر . وبعد ثلاثة ايام استطعنا العثور على ابو ظافرعلى احد الجبال القريبة ، ومن حسن الحظ انه كان يحمل الجبن والخبز الذي حصلنا عليه من القرية وإستطاع ان يسد رمق جوعه منه .
ابو ظفر يتسم بالإنسانية والحكمة وقراراته دائما صائبة . لن انسى يوم حصلت احداث بشت آ شان المأساوية وكنت وقتها حاملأ ولم يكن ابو جمال معي حين طلب مني الفقيد ابو عامل أن اسرع بالذهاب الى القرية ( تعرضت القرية للهجوم بعدئذ ) وكنت على وشك أن انفّذ امره وأذهب الى القرية حين التقيت بالمفرزة التي كان يقودها ابو ظفر للإنسحاب عبر جبل قنديل .وحين رآني طلب مني قائلأ : ” لا تذهبي الى اي مكان بل خذي معنا طريق الإنسحاب ! ” وفعلأ سرت مع المفرزة التي ( حسبما عرفت مكونة من مئة و عشرة اشخاص ) ونجوت وطفلي الذي احمله في بطني من موت محقق .

سيبقى الشهيد ابو ظفر في ذاكرة كل الطيبين . ”

النصير ة : ام جمال