الرئيسية » مقالات » حوار مع الاديب فلك الدين كاكائي : لدينا في العراق ثقافة واحدة بعدة لغات

حوار مع الاديب فلك الدين كاكائي : لدينا في العراق ثقافة واحدة بعدة لغات




الصحافة والسياسة اخذتا كل وقتي



اذا حدث ورجعت نهائيا الى الرواية فسيكون ذلك منتهى سعادتي



عزيز شريف اول من كتب عن الفيدرالية عام 1952



اعتبروني الكاتب العراقي الوحيد الذي استطاع ان يمزج الافكار الشيوعية بالقومية بالتصوف



انا وزير ثقافة لاسباب سياسية اكثر منها ثقافية



بدون وحدة المثقفين لا يمكن ان نفعل شيئا



 


هلسنكي ـ يوسف ابو الفوز



كانت لفتة جميلة ، وتواضعا جما ، من السيد فلك الدين كاكائي ، الكاتب والصحفي ، وعضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ، خلال قيامه بجولة في بعض الدول الاوربية ، بصفته وزيرا للثقافة في اقليم كردستان ، ان يقوم بزيارة ولقاء العديد من المثقفين العراقين ، عربا واكرادا ، من المقيمين في المنافي بعيدا عن وطنهم للتعرف الى افكارهم وهمومهم . هكذا ، زارني الى منزلي ، في ضواحي العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، مطلع شهر اب الماضي، ولاستذكر لقاءاتي به التي تدرجت ، من ايام معرفتي باسمه لاول مرة ، ايام قراءاتي الاولى ، ايام الصبا ، حين قرأت له رواية ” بطاقة يانصيب ” (اصدار بغداد 1967) ، حيث ظل بطلها “خضر” عالقا في بالي رغم السنين والكتب ، ولتدور الايام لالتقيه في جبال كردستان ، في فترة الكفاح المسلح ضد النظام الديكتاتوري ، ولاتعرف اليه عن قرب ، قائدا سياسيا وانصاريا . وحين زرت اربيل ، صيف العام الماضي ، للمشاركة في مؤتمر الانصار الشيوعيين ، كان هو وزيرا للثقافة في حكومة اقليم كردستان . حين ولدت فكرة اجراء هذا الحوار الخاص لصحيفة طريق الشعب ، اردت من الحوار ان يأخذ طابع تدرج معرفتي به ، وان يقترب من الكاتب قبل السياسي او الوزير، فكانت هذه الحصيلة :


* لنبدأ من بطاقة يا نصيب . اين صار خضر الان ؟ كرواية واحلام بطل ؟


ـ جميل ان تتذكر الرواية وبطلها ، واشكرك لان ذكرتني بها ، بصراحة افرح ان قارئا عربيا يتذكرها ويتذكر احداثها واسم بطلها . هذه كانت باكورة اعمالي الروائية ، صدرت في بغداد باللغة العربية عام 1967 ، حيث كان من الصعب النشر بالكردية فكتبتها باللغة العربية ، وللاسف بعدها توقفت عن كتابة الرواية . لكني كتبت قصصا واعمالا ادبية . الان وبعد 41 عاما ، ونزولا عند اقتراح والحاح بعض الزملاء قررت اعادة طبع “بطاقة يانصيب ” باللغة العربية . ومن اجل الفائدة ، ارفقتها بمقدمة خاصة عن كيفية كتابتها وعن الادباء الاكراد الذين كتبوا باللغة العربية او لغات اخرى كالفارسية والتركية وابدعوا شعرا ومسرحيات وروايات ، مع فصل خاص بقلم الاستاذ الموصلي ، الدكتور عمر الطالب الذي اصدر كتابا عن الواقعية في الرواية العراقية عام 1972 طبعه في بيروت ، وخصص فيه فصل عن الادباء الاكراد الذين كتبوا باللغة العربية ، ومن ضمن ذلك تناول روايتي ” بطاقة يانصيب ” ، وروايات عبد المجيد لطفي وكاتبا اخر كرديا من بغداد هو كامل البصير . بحث الدكتور عمر الطالب مهم جدا لانه مكتوب من قبل كاتب عراقي ، وما تضمنه من معلومات مجهول لدى كثير من القراء العرب والاكراد ، وفيه تناول الجانب الميتافيزيقي في روايتي . اما خضر ، فهو في الرواية كما تعرف يبحث عن اهله ، وعن احلامه ، والبحث الانساني لا يتوقف أبدا .


* الا تفكر بمحاولة معاودة كتابة الرواية ؟


ـ حاولت . منذ 1967 الى الان وانا احاول . وانجزت رواية باللغة الكردية ، واتلفت في ظروف خاصة . ولا تزال محاولاتي مستمرة ، لكن الصحافة من جهة والسياسة من جهة اخرى اخذتا كل وقتي واستنزفتني . احاول الان التقاط الانفاس وانجاز ثلاث روايات بدأت بها من فترة . انجزت بعض الفصول منها ، وهي روايات ايضا فيها جانب ميتافيزيقي اسطوري . ففي نظري مهما كان الادب اسطوري فهو ادب واقعي لان ذلك جزء من الواقع المعاش .


* هل تجد ان الرواية او القصة هي مجال نشاطك الادبي الاساس ؟


ـ بدأت اكتب اولا الشعر باللغة الكردية ، وبالطريقة الكلاسيكية القديمة ، وكتبت اكثر من ثلاثين قطعة اذيع قسم منها من القسم الكردي في اذاعة بغداد في فترة الستينات ، وقسم نشر في جرائد كردية متفرقة ، لكن رايت ان الشعر العمودي يقيدني ، فبدأت بالنثر الفني ، وانجزت قصصا قصيرة باللغة العربية والكردية . ثم اهتممت بالنثر الفني السريع المركز لانه يعطيني الحرية الكافية ، واسلوبي فيه يقترب بي من ما اسميه “الشطحات التصوفية ” ، التأمل ، وهذه تعطيني فرصة كافية للانطلاق وللتحرر ولقول كل شئ بشكل حر ، سواء باللغة العربية او اللغة الكردية . منذ 1967 بعد كتابة روايتي الاولى صار هذا هو اسلوبي .


* وهل صدر لك كتاب او كتب بهذا الاسلوب ، الذي سميته النثر الفني السريع ؟


ـ تحت يدي الان مشروع ثلاث كتب باللغة العربية ، وهي مجموعة مقالات نشرت سابقا في صحيفة التآخي ، وكتبت كلها بهذا الاسلوب النثري المركز. ونشر لي باللغة الكردية جزئين من كتاب هو من ثلاث اجزاء وسيصدر جزءه الثالث لاحقا ، والكتاب باسم “الوجدان والحرية” ، والوجدان هنا بالمعنى التصوفي العميق عند الانسان ، فالانسان عندي هو الوجدان. ان تكامل الانسان هو تكامل الوجدان الانساني ، ووصوله الى اخر مراتب النقاء الفكري والصدق مع النفس . هذا الكتاب باسلوب النثر المركز وهو يجمع كل الانواع الادبية ، فلا يمكن اعتباره قصة او رواية او مسرحية ، ولا حتى شعرا اولا مقالة اعتيادية . هو في ظل كل هذه الالوان الادبية. هذا اللون هو الذي عرفت به .


* انت الان رجل سياسة ، ما الذي تريده من الكتابة ، وما هي طقوسك خلال عملية الكتابة ؟


ـ منذ عام 1997 صرت عضوا في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ، ورغم اني حاولت ان لا اكون سياسيا ، ولكن الان هذه مشكلتي ، فبسبب دخولي الصحافة ، استغرقت في عمل السياسة ، رغم اني احب ان ابقى روائيا وقصصيا . ورغم مسؤلياتي الحزبية والادارية الا اني احاول ان لا اتصرف كسياسي بالمعنى المعروف عن رجال السياسة . احاول ان اظل كاتبا . لا ادري كيف سيسمح الوقت لي ، واذا حدث هذا ورجعت نهائيا الى الرواية فسيكون ذلك منتهى سعادتي . انا اكتب باستمرار . لكني لا اكتب من اجل النشر . اكتب كثيرا ، ولكني انشر قليلا جدا مما اكتب . لا احب التكلف في الكتابة . احب نشر النص مثلما اكتبه ، احيانا بدون مراجعة مثلما كتبته في المسودة . حتى التنقيح يكون داخل ورقة المسودة. انا اخاف من النشر ، ولا استسهله . فلست واثقا هل ما اكتبه هو الصحيح . تجدني دائما مترددا . هل هذه هي الحقيقة ؟ ادرك ان الحقيقة غير ممكنة الادراك وبعيدة عن الانسان . يوقفني سؤال اساسي : ماذا خدمت في كتاباتي ؟ هل هو مجرد تعبير عن افكار ؟ اشعر بمتعة خاصة اثناء لحظة الكتابة ، وبعد ذلك يصبح النص عندي قطعة باردة . حين اكتب مواضيع فنية لا افكر بالقارئ مباشرة وماذا سيقول . لاني لا اريد ان اكتب مسألة سياسية مباشرة . اكتب كما افكر وكما اشعر . الكتابة هي شكل من اشكال التعبير. واعمق اشكال التعبير هي الممارسة فكرية كاسمى وسائل الانسان . التعبير موجود عند كل كائن حي . الطائر حين يغرد هو تعبير . الشجرة حين تتحرك هو تعبير . كل الاحياء تعبر عن نفسها بشكل ما ، بحركة ، بصوت ، بالتفافة والانسان لا يخرج عن هذا . الحاجة الى التعبير هي من تحركني . حين ارى ان الكتابة تخدم غرض اجتماعي او سياسي يختلف الامر عندي . احاول ان اتقن المعلومات الصحيحة لان تكون مفيدة فاهتم كثيرا بذلك . انا ارى ان الاعلام مباشر وغير مباشر . انا مع الاعلام غير المباشر . ان توحي للانسان بدل ان تقول له اعمل كذا وكذا . عن طريقة الايحاء ، باشارة بتجربة ، بمثل ، وانا دائما اهتم بالمثل . المباشرة تؤدي الى شئ من الفجاجة . الفن تعبير غير مباشر عن الحياة . كل كاتب له طريقة في الكتابة ، ونمط اسلوبي . انا اكتب في كل وقت . في كل مكان ، في البيت ، في المقهى ، في مكتب العمل ، لا يهمني الوقت والمكان تهمني اللحظة . والتعبير شئ دائم سواء سلبي او ايجابي ، فعل او رد فعل . التعبير عن الجمال او الفرح او الحزن . التعبير يعبر عن نفسه . هو حاجة انسانية ومن هنا انطلق . الكتابة حاجة ما موجودة عندي دائما . تتمحور في اسلوب غالبا ما يكون صوفي تأملي حر ، في جانب من الشطحات . وفي الكتابة السياسية المباشرة، احيانا ازج فيها جملة او جملتين تأمل .


* في كردستان ايام الكفاح المسلح ، اذكر صدر لك وتحت اسم ” أ. ب ” نص ادبي في كراس عن رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين الانصار؟ ارى انك في حياتك الادبية تعاملت كثيرا مع الاسماء المستعارة ؟


ـ استخدام الاسماء المستعارة ، كان اضطرارا . بدأ منذ عام 1965 ، وكنت ايامها ، ومن بعيد اراسل جريدة “الثورة العربية” في بغداد وكان يحررها الاتجاه الناصري ، ومرة نشروا لي مقالا ورد فيه اسم كردستان وكان ذلك محرم قانونيا ، ولم اكن اعرف بامر القانون . كنت شاب متحمسا . مقالي خلق مشكلة للجريدة مع ديوان رئاسة الجمهورية ، وكان الرئيس حينذاك عبد السلام عارف . رئيس التحرير نصحني الانقطاع عن الكتابة حتى معالجة المشكلة . احد الزملاء في الجريدة اقترح ان اكتب باٍسم مستعار . وبدأت . اول اسم كان “ابو طليعة” نشرت به حوالي ستة مقالات ، وكنت ايامها اكتب عن الريف وعن الاقطاع ، عن احوال الفلاحين وضرورة الاصلاح الزراعي ، والمشاكل الاجتماعية في تلك الفترة ، وكانت كتاباتي بتأثيرات يسارية واضحة . وفي عام 1976 انتقلت الى جريدة التاخي وكنت صرت عضوا في الديمقراطي الكردستاني، وبدات الكتابة باسمي الصريح واستخدام احيانا اسماء مستعارة عند الضرورة . في هذه الفترة ، بدأت كتاباتي بروح صوفية وبأسم “الحلاج ” ، وباسم ” أ. برشنك ” و”برشنك” هي ابنتي . وباسم “خضر رشو” . وفي اوائل الثمانينات كنت اكتب باسم ثلاثي “صابر علي احمد” ، لاوحي بحقيقته . وبهذا الاسم الاخير صدر لي كتاب باللغة العربية عن المسرح الكردي . ظهر اولا كمقال في مجلة البديل التي كانت تصدر عن ” رابطة الكتاب والصحفيين والفنانينن الديمقراطيين العراقيين” ، وصدر لي كراس عن التعليم في كردستان ، وكراس عن الصحافة ، وكراريس عن الصحافة ، وكتاب سياسي عن القضية الكردية ، والان اعيد طبع هذا الكتاب مع مقدمة جديدة ، وهو عن المواقف المختلفة من القضية الكردية . اذ لاحظت ان بعض الزملاء والاخوة العرب معلوماتهم ناقصة عن القضية الكردية . حاولت ان اقدم في الكتاب تعريفا بالقضية الكردية للقارئ العربي عن التاريخ واللغة والاداب، وعرض التاييد العربي للقضية الكردية ، عرضت مواقف الحزب الشيوعي العراقي، موقف الجادرجي، موقف عزيز شريف ، الذي يسجل له انه اول من كتب عن الفيدرالية عام 1952 ، وايضا معلومات عامة عن الثورات الكردية والانتفاضات ، مع جزء يتناول مواقف الزعماء العرب ، ومنهم القذافي ، ولماذا ايدوا القضية الكردية .


* ماذا عن علاقتك بالحلاج الذي استعرت اسمه وتقمصت صوته ؟


ـ اعتبر الفترة من 1967 الى 1974 ، سبع سنوات كاملة ، فترة مهمة في حياتي وحياة العراق ، وتاريخ العراق السياسي . كتبت في هذه الفترة ، وسجلت هذه الاحداث باسلوب نثري رمزي وشطحات تصوف ، انا اسميها شطحات . و كتاباتي بشكل عام فيها لغة تصوف ولغة يسار. ولفتت انظار الدكتور مصطفى كامل الشيبي استاذ الفلسفة في كلية الشريعة في بغداد خريج جامعة اكسفورد . هذا الاستاذ البارع تابع كتاباتي في الصحف ، وتناول كتاباتي القصيرة في كتاب اكاديمي صدر 1976 ، ومن زاوية اعتبرني فيها الكاتب العراقي الوحيد الذي ادخل منهج الحلاج التصوفي في الصحافة. وهو يقول اني الوحيد الذي استطاع ان يمزج الافكار الشيوعية بالقومية بالتصوف ، لينتج من ذلك شئ جديد . وهو كما يبدو حصل على ببلوغرافيا دقيقة عن حياتي . للاسف توفى ولم تتوفر لي الفرصة اللقاء معه ، رغم اني بعد سقوط النظام الصدامي كنت افكر بتلبية رغبته باللقاء . كتاب الاستاذ الشيبي موضوعه الاساس هو الحلاج وتناول فيه الف عام الاخير ، منذ صلب الحلاج وقتله لحد زمننا الحالي ، واستعرض اسماء الكتاب الذين كتبوا عنه سواء في العراق او مصر او السودان ، او ليبيا ، في شمال افريقيا . من العراق تناول ثلاثة كتاب بالاضافة الى كتاباتي كتابات قيس لفتة مراد وزميل اخر للاسف يفوتني اسمه الان . من مصر اذكر انه تناول الشاعر صلاح عبد الصبور . تناول كل كاتب وكيف تناولوا الحلاج شعرا او نثرا . انا تناولت الحلاج بشكل نثري . ورغم اني كتبت عن الحلاج باسلوب نثري الا ان الاستاذ الشيبي يقدمني كشاعر وانا لا اقدم نفسي كشاعر ابدا . يبدو ان هناك بعض اللمحات الشعرية . تناولت الحلاج كموضوع وتقمصت شخصيته لانتقاد الانظمة ايامها ، وكان احيانا انتقاد حاد . اسلوب التصوف يساعدني كثيرا، فيه الشطحات التصوفية ، وهذه تجعلني انطلق واقول ما اريد . والان احاول ان اعيد طبع كل هذه الكتابات عن الحلاج باللغة العربية .


* ذكرت انك تكتب “بتأثير اليسار”، وذكرت انك انتقلت الى التأخي بعد ان ” صرت عضوا في الحزب الديمقراطي الكردستاني ” ،يحتاج ذلك الى توضيح ما للقارئ ؟


ـ انا كنت في بداية حياتي السياسية منتمي الى الحزب الشيوعي العراقي . كنت طالبا ، وكان الاتجاه اليساري الشيوعي هو الغالب في مدينتي كركوك . كنت عضوا في اتحاد الطلبة . وفي عام 1957 انتميت الى اتحاد طلبة كردستان وكان موحدا ضمن اتفاق القيادات الطلابية بين الحزبين الديمقراطي والشيوعي . بعد 1958 انقسم الاتحاد ، صار قسم تابع الى الديمقراطي وقسم مرتبط بأتحاد الطلبة العام تابع الى الشيوعي . انا بقيت مع اتحاد الطلبة العام . كان مسؤولي الطلابي شيوعي فبقيت معه . في عام 1961 تحت تأثير تنامي الشعور القومي الكردي ، انتقل البعض من تنظيم الحزب الشيوعي الى تنظيم الحزب الديمقراطي الكردستاني بشكل طبيعي بدون اشكالات وتقبل الحزبين الامر بدون اشكالات . كانت وثائق الديمقراطي مقاربة لوثائق الحزب الشيوعي ، بل وكانت تنص على ” الاهتداء بالماركسية اللينية “. وكان بين الحزبين تحالف كبير ، فعملية انتقالي كانت اشبه بالانتقال من فرع حزب الى فرع اخر . كانت هناك ايضا انتقالات بالعكس من الديمقراطي الى الشيوعي .


* لو تحركنا بالاسئلة باتجاه الوزير الكاتب ، ونقول انك وخلال توليك مسؤولية وزارة الثقافة في اقليم كردستان ، منذ منتصف 2006 ، ما هي المهام الاساسية التي وجدت انها ملحة امامك كوزير ثقافة ، وماذا تحقق منها بعد حوالي عامين ؟


ـ توليت مسؤولية وزارة الثقافة لاول مرة عام 1996 ، وذلك ضمن ادارة اربيل ، ثم بناء على طلبي تحولت الى وزارة ثانية فصرت وزيرا للدولة ، اي وزير اقليم ، لكن في 2006 اعادوني الى وزارة الثقافة ، نتيجة الاتفاق بين الكتلتين ، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني . انا وزير ثقافة لاسباب سياسية اكثر منها ثقافية. كان الهدف الاساس من التشكيلة الوزارية الاخيرة ، هو توحيد الادارتين ، واختياري لكوني ذو علاقة طيبة مع ادارة السليمانية والمثقفين عموما ، ولعملي في ادارة اربيل لفترة . الان يمكن القول ان هدف التوحيد انجز بشكل كبير . ربما لا تزال هناك بعض المشاكل الصغيرة . نجحنا في المزج بين المثقفين من مختلف المحافظات ، ونجحنا في تذويب الخلافات الحزبية الى درجة كبيرة بين المثقفين ، جعلنا الثقافة هي الاساس وليس الحزبية ، نحاول ان نؤسس الوزارة على اساس الثقافة وليس على اساس الحزبية . ولا زالت مشكلتنا في السعي لازالة هذا العائق ، ونجحنا مع الكثيرين ، ونعتبر ذلك من اهم الانجازات ، فالمشاركة في الحياة الثقافية يجب ان تكون بعيدة عن المحاصصة والحساسية الحزبية. يجب ان تكون على اساس الكفاءة . في جانب المشاريع الثقافية بدأنا بها متأخرين ، لان العام الاول من العمل انشغلنا بقضية توحيد الادارتين من الجوانب الادراية والمالية والنفسية . العام الاخير بدأنا ننتقل الى تنفيذ المشاريع . ونحن كوزارة ثقافة نشبه اي وزارة ثقافة في اي بلد اخر ولنا نفس القواسم المشتركة . الاهتمام بالتراث وباللغة ، بالحركة الثقافية ، من مسرح وسينما وكتابة و تشكيل وادب الاطفال وترجمة . بدأنا بوضع برنامج ونعمل لتنفيذه . وضعنا برنامج قصير المدى ، مثل اقامة مهرجانات ونشاطات محلية ، و برنامج بعيد المدى نسهر على تنفيذه . اهتممنا بالابداع مثل تنشيط الاعمال المسرحية ، والسينمائية والتشكيلية ، والموسيقية . في الموسيقى كانت هناك عدة مهرجانات مستركة انجزت مع فرق من بغداد وفرق اجنبية من النمسا وهولندا وفرنسا . نحاول ان نمد النشاط الثقافي جغرافيا في كردستان . ضمن المشاريع طويلة المدى ، وفي اربيل وزاخو ودهوك والسليمانية هناك مشاريع لبناء المكتبات العامة . امامنا مهمة بناء مكتبة عصرية واحدة في كل قضاء . الآن هناك حوالي 16 مكتبة عامة جديدة بنيت ، ونحن في مرحلة التأثيث وشراء الكتب . نسعى الى بناء قصور ثقافة في المدن الاساسية ، حيث تتوفر فيها قاعات للندوات وللعروض الفنية والمسرحية والموسيقية . ايضا امامنا مهمة بناء المكتبة الوطنية . لدينا الان 57 مكتبة عامة ، وقسم منها متقدم وقسم قديم ، و بعض الابنية بالايجار، وبناءا على طلب وزارة الثقافة وافقت رئاسة حكومة اقليم كردستان على بناء مكتبة وطنية على مساحة 6000 متر مربع ، ونريدها ان تكون مكتبة حديثة ومصانة تحفظ الوثاثق والكتب والافلام واللوحات وتحفظ التراث وتحافظ على الموجدودات من اي عوارض . ونحن نسعى الى بناء متحف كبير ، وضع تصميمه من قبل مهندس ايطالي ، وهو سيكون مشروعا ثقافيا مهما في الاقليم . ونحاول احياء طقوس السينما والمسرح التي خربها النظام السابق ، سواء ببناء دور عرض سينما ومسرح ، او بدعم الانتاج السينمائي والمسرحي . نحتاج الى جهود كبيرة لاعادة بناء البنية التحية للثقافة بشكل عام .


* كيف ترى دور المثقف في بناء العراق الجديد ، العراق الديمقراطي الفيدرالي ؟


ـ دور المثقف كبير واساسي ، فخلال السنوات الماضية كان هناك قمع للعقل من قبل النظام السابق . لم يكن اي دور للمثقفين . كان يصعب على المثقفين حتى الاجتماع لاي غرض . الان هناك نشاطات ثقافية عامة ، وعلى المثقفين ان يعملوا بجد لاداء دورهم في بناء لعراق الفيدرالي . نحن من جانبنا كوزارة ثقافة في اقليم كردستان ، بدأنا بالتنسيق مع المركز في بغداد ، لاننا ندرك ان هذا التواصل ضروري ، وبدون وحدة المثقفين لا يمكن ان نفعل شيئا ، ونحن لا نتحدث هنا عن وحدة قسرية كما كان سائدا في عهد النظام السابق ، نسعى لان تكون هناك فعاليات ثقافية مشتركة دائمة .


* وهل ما تقدمه مؤسسات الدولة العراقية ، مركز واقليم ، بمستوى طموح هذه المسؤوليات بالنسبة للمثقف العراقي ؟ وما هي الاشياء الملموسة ؟


ـ ارى ان الوزارتين ، في المركز والاقليم بحاجة لعمل الكثير في هذا الخصوص . علينا ان نهتم كثيرا بالمثقفين. بتحسين ظروفهم المادية وتسهيل ظروف الابداع . يجب ان نعمل بتحقيق الانجازات وليس بالشعارات فقط . اذا حصل استقرار في البلد يمكن ان ننجز الكثير . خصوصا على صعيد بناء المؤسسات . في بغداد لحد الان لم تتوفر الظروف المناسبة . لا يمكن ان نقول كل المؤسسات الثقافية تقدم خدمات وتنفذ واجباتها بنفس المستوى . في الاشهر الاخيرة هناك تحسن نسبي ، ولكن لا يزال دون المستوى . وزارة الثقافة العراقية بحاجة الى اعادة بناء . بحاجة الى تنظيم الادارة واعادة البناء كمؤسسات. وننتظر وزير الثقافة الجديد ان يعيد الحياة الى داخل الوزارة. واذا استقرت الوزارة يمكن ان نتعاون لتنشيط العمل . نحن في كردستان نقوم بما نستطيع . الوزارة ومع المنظمات الثقافية والجامعات والموسسات الاهلية كاتحاد الادباء والفنانين نقوم معا بنشاط جيد . ان تحسين حياة المثقفين هو من اول النقاط لدينا . لا نستطيع القول اننا هيأنا حياة كريمة للجميع ولكن وضع الصحفيين والادباء يمكن القول ان جيد واحسن الان مقارنة بالسنوات السابقة . ونحن مثلا نكفل لهم سفرات ورحلات ، ونرسل البعض ضمن وفود الى بعض دول العالم من اجل تنشيط الحياة الثقافية والاستفادة . وندعم النشاطات الثقافية حسب الامكانية . يمكن القول انه الان لا توجد مدينة كردستانية لم نقم وندعم فيها نشاطا ثقافيا ، سواء نشاطا ثقافيا كرديا او من الثقافات الاخرى من تكوينات كردستان .


* مع ذكر ” تكوينات ثقافة كردستان ” ، قلت مرة عن وشائج العلاقة بين الثقافة العربية والثقافة الكردية في العراق بأنها ” ثقافة واحدة بلغتين ” ، الا زالت تقول كذلك ؟


ـ ليس فقط عن الثقافة العربية والكردية وفي كردستان ، بل وعن ثقافات الشرق الاوسط بشكل عام ، اقول هي ثقافة واحدة . وبحكم اطلاعي على اللغات العربية والكردية والفارسية والتركية لحد ما ، والاداب الافغانية والهندية والباكستانية وغيرها ، نرى ان ثقافة هذه الشعوب متشابهة جدا ، بل هي ثقافة واحدة بلغات متعددة ، ان الاختلاف هو في اللغة نفسها ، او في بعض الموروثات العامة ، فبسبب المجاورة والدين والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، نرى هناك فرقا قليلا جدا بين الثقافة التركية والايرانية والكردية والعربية . هذه الشعوب متشابهة ، ولو ترجمت ادابها مثلا الى لغة واحدة لوجدنا انها تقول الاشياء نفسها . هكذا نحن في العراق لدينا ثقافة واحدة بعدة لغات .


* وكيف ترى طرق التواصل الابداعي والفني بين المثقف الكردي والعربي ومن باقي الاقليات ؟


ـ هناك اتصالات اسميها عفوية واجتماعية ، تتم بين المثقفين فيما بينهم لا يوجد فيها وسيط رسمي ، وهذه مهمة واساسية . فحين تتدخل السياسة تفسد العلاقات . وهناك الان تعاون مشترك مع كل مكونات الثقافة العراقية ، ونحن ندعم هذا. جاءت الى كردستان فرقة موسيقية بصرية ، حازت على اعجاب المواطن في كردستان واستقبلت بشكل ناجح ومثير . نحن نسعى الى تعزيز ذلك . لا نجد هناك مشكلة في التلقي الثقافي بين مكونات الشعب العراقي . ان اول فلم عرض في بغداد بعد سقوط صدام هو فلم كردي للفنان بهمن قبادي وهو مخرج كردي ، نظمنا العرض في قاعة السندباد ولاقى استحسانا كبيرا. في كردستان جاءت الاوركسترا العراقية . لدينا اعمال مشتركة على المستوى البعيد ، ولدينا خطط في هذا الاتجاه ، ولدينا لجنة تنسيق مع المركز في بغداد .


* لو تحدثنا عن زيارتك الى فنلندا . كيف جرت ونتائجها ؟


الزيارة الى فنلندا ، جزء من جولة في اوربا ابتدأت من النمسا ، ثم النرويج ، وبرلين ، والسويد واخيرا فنلندا . كنت مدعوا من اواخر حزيران كوزير ثقافة لحضور مهرجان الموسيقى العالمي للشباب في النمسا ، وحضرت قبل اسبوع من المهرجان لاجراء فحوضات طبية دورية ، وحضرت المهرجان . ساهم في المهرجان وفد من كردستان حوالي 80 شابا وشابة ، وكانت العروض على مستو عالمي وفي ظل تنافس شديد ، ونالت فرقتنا المرتبة الثانية . ثم زرت النرويج لاسباب شخصية ، لكن الزيارة تحولت الى زيارة عمل ولقاء مسؤولين في الثقافة والدولة النرويجية ، وانتقلت الى برلين وحصل الشئ ذاته . الى فنلندا وصلت بناء على دعوة من منظمة ثقافية فنلندية للمساهمة في مهرجان لتعدد الثقافات تنظمة منظمة مهتمة بهذا الموضوع وصار الاتفاق على الاستفادة من تجربة المهرجان لنقله الى العراق في صيف العام القادم . وكان لنا بالاضافة الى المساهمة في اعمال المهرجان ، لقاءات سياسية مع احزاب فنلندية ، ولقاء مع ممثلي الاحزاب السياسية العراقية والكردية، ومع ابناء الجالية العراقية والكردستانية ، وايضا لقاءات مع مثقفين عراقيين وكردستانيين . وقمت بزيارة خاطفة الى السويد التقيت فيها بالسيد السفير العراقي هناك لاطلع على النشاط الثقافي للسفارة والجالية العراقية . استطعت خلال الجولة ان ابلور فكرة عن اهمية النشاطات الثقافية ومنها المتبادلة ، وامكانية انجازها بالتعاون بين السفارات العراقية وابناء الجالية .


* على ضوء توصلك الى اهمية النشاطات الثقافية خارج العراق ، اين تكمن اهيمتها ، وما اهمية ثقافة الاخر للثقافة العراقية ، بكل بتلاوينها العربية والكردية وغيرها ؟


ـ ان كل دولة لها تجارب مهمة ، والاوربيون شعوب متقدمة حضاريا ، ونحن ليس ادنى وهم ليسوا اعلى ، وعلينا ان لا نخجل من تقديم ثقافتنا للاخر كما هي ، ولكن في التبادل الثقافي ثمة غناء كبير ، والنشاط الثقافي في الخارج ينعكس ايجابيا على الوضع في داخل بلادنا . ربما هناك من يقول وما فائدة نشاط ثقافي في السويد او كندا او فنلندا ، لنعمل اولا من اجل رفع المعاناة عن الناس داخل البلد ؟ لا اتفق مع هذا الكلام ، لان جالياتنا في الخارج وهي كبيرة ، لها تاثير كبير على السياسات في دولها ، هذه الدول التي يمكن ان تساهم في اعادة اعمار العراق . ولدى جالياتنا امكانيات كبيرة. في السويد لاحظت انهم في ستكهولم خصصوا ساحة كبيرة للنشاط الثقافي القادم لابناء جالياتنا ، وهذا لا يأتي منفصلا عن تأثير الجالية العراقية في السويد . وارى ان وزارة الخارجية العراقية مطالبة بتنشيط الملاحق الثقافية وتعيين اشخاص مناسبين حسب الكفاءة ، والاستفادة من المثقفين العراقيين خارج الوطن وهم كثرين ، واستيعاب مساهماتهم وفعالياتهم . ان السفارات العراقية يمكن ان تقوم بنشاطات ثقافية حتى لو متواضعة لانها ستنمو ولمست ان الجاليات مستعدة . وهذا يمكن لو تم الاستفادة من طاقات وامكانيات المثقفين العراقيين الذين وفي كل البلدان التي زرتها لاحظت حجم امكانياتهم وسعة علاقاتهم الجيدة مع ابناء البلد المعني . لان ان هذه النشاطات الثقافية ستقدم الوجه الحقيقي لبلادنا وثقافتنا امام الاخر ، وايضا ستنعكس على طبيعة العلاقات بين مكونات الجالية العراقية وتلغي روح الانعزال عند البعض ، وقد اطلعت على بعض الخطط والنجاحات التي تحققت في هذا الجانب في السويد والنمسا .


* ككاتب وسياسي كيف تقرأ مستقبل العراق وكردستان ؟


ـ مع اقرار الدستور الدائم وتشكيل البرلمان والحكومة العراقية ، ارى اننا دخلنا طريق لا يمكن ولا يصح التراجع عنه ابدا . ليس لنا طريق اخر . سبق وجربنا كل الطرق السلبية ، ومنها التسلط من قبل حزب حاكم واحد ، او شخص واحد وهذا الذي جلب لنا الدمار والمصائب . ان التعايش السلمي بين المكونات الاساسية للشعب العراقي ، والاعتراف واحترام خصوصيات كل مكون هو الاساس . ارى ان الدستور شخّص بشكل جيد هذه المكونات ، وتبقى الممارسة مهمة لتحديد وتطببيق هذا الدستور. واذ ستستقر الامور بعد سنوات ، فان ليس امامنا سوى السير في طريق الفيدرالية ، وانتهاج الديمقراطية التوافقية . ولقد كتبت عن هذا كثيرا . فأرى ان نجاحنا القادم في اجراء الانتخابات سواء مجالس المحافظات او البرلمانية ، سيكون عاملا حاسما لمدى استقرار هذه التجربة ، وتعكس مدى نجاحنا . فالانتخابات ستكون اختبارا حاسما . وارى اننا سننجح ، وانا متفائل ، ارى ان هناك تفاهم بين القوى الاساسية ، بأن طريقنا هذا هو ، ولا تراجح عنه واننا سنسير فيه ، وهو تجربة جيدة على مستوى الشرق الاوسط . ومن خلال معرفتي واطلاعي فأن كل الاطراف تسعى لترسيخ التوافق وانجاح العراق الفيدرالي . بنفس الوقت لا يمكن القول ان كل شئ انتهى ، فهناك عراقيل وهناك مصاعب ، وهناك اراء مغلوطة ، وهناك قوة اجتماعية ضربت مصالحها لا تزال تقاوم بناء العراق الجديد . التفاؤل يأتي من كون هناك قناعة شعبية ، فالناس صاروا يثقون بانفسهم ، الناس استعادت الثقة بعد الارهاب والعنف . نحن قادرون على انجاز الانتخابات ، وقادرون على بناء الوطن وانجاز مشاريع الاعمار . وعن التجربة في كردستان ، حيث الحرية والامان ، فان ما انجز في كردستان ، رغم الفترة القصيرة ، يمكن انجازه في كل مكان من العراق . كل ما في الامر وفي تجربتنا هو انه كان لدينا استقرار نسبي ، وحاولنا استثمار امكانياتنا ، واعتقد الان ان وجه المدن عندنا تغير ، انا واثق ان ابناء العراق في المدن الاخرى قادرون ايضا على ذلك ، لان المستوى الاجتماعي لدينا متماثل ، المهم هنا هو وجود الارادة السياسية .


* كلمة اخيرة لقراء طريق الشعب ؟


ـ “طريق الشعب” كانت اولا اتحاد الشعب ، وكنت من القراء المواظبين لها . وهي كانت في مقدمة الصحف ، مثل الحضارة والانسانية ، و خبات وهيوا وغيرها . وكان ثمة كتاب في صلب اهتمامي ومتابعتي ، اذكر منهم الان الكاتب ابو سعيد (عبد الجبار وهبي) الذي استشهد بشكل وحشي على ايدي البعثيين 1963 ، وغيره من الكتاب مثل عامر عبد الله و زكي خيري . صحيفة اتحاد الشعب ، كفكر وصحافة كانت مدرسة كبيرة ، كانت في صلب اهتمام جيلنا. و “طريق الشعب” ايضا ، سواء في بغداد وثم في الجبل كانت صحيفة اساسية بالنسبة لنا ، وفي خلال عملنا المشترك في الجبهة الوطنية الديمقراطية . يفرحني انها تواصل الصدور ، ولها قراؤها المتميزين . بعض الصحف تخلق لها تاريخ وتقاليد ، وصحافة الحزب الشيوعي العراقي مثل اتحاد الشعب وطريق الشعب لها تقاليدها وتاريخها ولها قراءها . تحياتي لقارئات وقراء “طريق الشعب ” التي لها تأريخ مشرف في الصحافة العراقية . وتحيات لكل الزميلات والزملاء المحررين ، وانا كصحفي اعرف ثمن استمرار صدور الجريدة رغم كل الصعوبات .



* عن طريق الشعب العدد23 ليوم 4/9/2008