الرئيسية » مقالات » العراق مابين الكان واليكون – كتاب في حلقات – 11

العراق مابين الكان واليكون – كتاب في حلقات – 11

إنَّ ركائز الحركة الاستعمارية في بلادنا لم تكن احتلالا عسكريا فقط بل جاءت الحركة بخطة محكمة دخلت نفوسنا وعقولنا وحتى بعض قياداتنا فاصبحت جزءا من وجودنا الفكري والاجتماعي آنذاك وبهذا تمكنت من الاستقرار في مقامها وصارت صعبة الانتزاع .

لقد استخدم الاستعمار كل الوسائل لإلغاء شخصيتنا الذاتية لكي نتحول الى أمة لأوزون لها فندور في فلكها بلا إرادة ولاإختيار وهو بدوره يستحلبنا بلا رحمة ولاشفقة ومن ثم يستخدمنا في مصالحه كالعبيد .

ولولا الغفلة والجمود الطويل لَما كان الاستعمار قادراً على ان يفعل بنا مايريد ولكنه استطاع بمكره وذكائه ان يجردنا من اسلحتنا واحدة تلوه الاخرى ومن ثم يقودنا بهدوء نحو المسلخ . في البداية سلبنا الفكر والعقيدة ثم سلبنا سلاح الاقتصاد وبعدها سيطر سياسياً واغتصب منا حتى قطعة الارض التي نسكن عليها وهكذا احتل المواقع الاستراتيجية في مناطقنا لكي يسهل عليه ضربنا متى شاء ومتى ماطالبنا بالحرية والاستقلال .

ولكي نتعرف على كيفية العمل لطرد الاستعمار لابدّ ان نعرف بدقة وعمق الركائز التي اعتمد عليها ضدنا ، وطالما بقيت هذه الركائز قائمة وفعالة لن تنفعنا الشعارات الرنانة ولا هتافات أحلام اليقظة ، ومتى ما تمكنا من القضاء على تلك الركائز الاساسية التي يعتمد عليها المستعمرون كان من السهل علينا ان نقتلع هذه الشجرة الخبيثة من جذورها .

فما هي تلك الركائز الاساسية للمستعمرين ؟

أولا الثقافة الاستعمارية . ثانيا الاقتصاد التبعي . ثالثا السياسية الاستعمارية .
دعونا نحلل كل ركيزة بصورة منفردة ، علما ان هذه الركائز الثلاثة تتفاعل فيما بينها بشكل حي . أولاً الوسيلة الثقافية :- إن الثقافة الاستعمارية هي اهم وسيلة يستخدمها الاستعمار لبسط نفوذه على البلاد والعباد فيها يتم تجريد الامم الاخرى من اسلحتهم واهمها سلاح الوحدة الفكرية والعقائدية وبها يتم تجريد الامة من الثقة بنفسها وبكيانها ، وبالتالي عندما تفقد الامة ثقافتها يتم هضمها بكل سهولة .

لقد استخدم الإعلام الاستعماري سلاح التشكيك ضد عقيدتنا وثقافتنا ثم سلط علينا اقلامه المسمومة لينسب كل ضعف وانهيار وتخلف الى عقيدتنا ، وبعد ان نجح في بلبلة افكار الناس وخاصة الشباب الذي انبهر للتقدم الصناعي في الغرب ، بدأ ينشر الفكر الاباحي باسم الحرية ويطرح الافكار القومية كبديل يكفل لتمزيق وحدة الشعب ويفرقهم قوميات شتى تسهل السيطرة عليهم وقيادتهم كالاغنام .

وكل هذا حصلوا عليه من خلال الحكومات الفاسدة وفلسفة القيادة والحكم الوراثي في بلداننا واستبداد اجهزة السلطة . ثانياً الامتيازات الاقتصادية :- الاقتصاد بالنسبة للاستعمار وسيلة وهدف ، فهو وسيلة لفتح الطريق امام النفوذ السياسي له ، وهو هدف لانه يؤمن في النهاية المصالح الاقتصادية الاستغلالية للمستعمر .

وهناك تجارب لشعوب فقيرة مع المستعمرين الذين استخدمت بحقهم هذه الوسيلة البريئة للنفوذ في البلاد ومن ثم السيطرة على الاوضاع السياسية وتوجيه السلطة الحاكمه حسب إملاءاتهم . ففي الهند مثلا وبطريقة ذكية استطاع الاستعمار البريطاني في البداية وعبر شركة الهند الشرقية ان يثبت له موطىء قدم في البلاد عبر شبكة تجارية جاسوسية ، ومع توسيع فروع الشركة في بعض انحاء الهند واحتلال القوة الاقتصادية داخل البلد وشراء ذمم مجموعة من زعمائهم ، جاءت الاساطيل البريطانية لكي تحمي النفوذ المهدد من جهة ولتعميق سلطتها وتصفية المعارضين أو الذين يمكن ان يعارضوا سلطة الاجانب من جهة ثانية.

وبهذه الطريقة المدروسة والذكية تم استعمار الهند كل الهند ، ثالثاً الوسيلة السياسية :- وبامتزاج الوسيلتين الثقافية والاقتصادية تتكون الطبقة السياسية التي تعبر عن فكرها وخطها السياسي على شكل حزب او منظمة او ما أشبه وتقوم بعملية التنسيق فيما بينها وبين المستعمر ، فبقدر قوة وانتشار النفوذ الثقافي والاقتصادي يكون النفوذ السياسي.

وفي النهاية وعلى يد جنود الاستعمار الثقافي امثال شبلي العيسمي وميشيل عفلق ومن لف لفهم من دعاة الفكر الغربي في بلادنا تخرجت الدفعات المتتالية من المغفلين والخائنين فكانوا مزرعة للنفوذ الاستعماري، وعلى يد هؤلاء تم إذلال الشعب وتحطيم كفاءاته ومبدعيه الذين لم يروا إلاّ الاستيطان في بلدان اخرى خلاصا وملاذا لهم .

……. / يـتـبــــــ ع 
مــحــمــد حــســيــن
مدير مركز الإعلام العراقي – سيدني
مدير تحرير موقع شبكة العراق الجديد
www.aliraqaljded.com