الرئيسية » التاريخ » قراءة في كتاب موقف الكورد من حرب الاستقلال التركية (1919- 1922)

قراءة في كتاب موقف الكورد من حرب الاستقلال التركية (1919- 1922)

صدر مؤخراً عن دار سبيريز للنشر كتاب جديد تحت عنوان ” موقف الكورد من حرب الاستقلال التركية (1919- 1922)” لمؤلفه ( قادر سليم شمو )، نظراً لكونه كتاب اكاديمي قيم يتناول قضية مهمة والتي ماتزال محل جدل ونقاش بين الباحثين والمؤرخين والتي لها مردوداتها على مشروع الدولة الكوردية الى يومنا هذا، الا وهي موقف الكورد بمختلف فئاتهم من تأسيس الدولة التركية الحديثة. لذا ارتأينا عرضها للقارئ الكريم.
لقد وقع اختيار الباحث على هذا الموضوع حسب ما يذكر في مقدمة الكتاب، لانه لم يحظ حتى الآن، بالاهتمام الكافي من لدن الباحثين، إذ درس معظمهم الموقف الكوردي من الحركة الكمالية بشكل عام دون تحديد فترة محددة منها هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا يزال ثمة اختلاف بين الباحثين حول الموقف الكوردي من حرب الاستقلال التركية، فهناك من يعتقد أنه كان للكورد اثراً حاسماً في تلك الحرب، وان الدولة التركية الحديثة قد قامت على اكتافهم، واخرون يخالفون هذا الرأي. لذا حاول في هذه الدراسة، واستناداً الى ما تيسر له من الوثائق التاريخية والمصادر الاصلية، التوصل الى نتيجة قد تكون مرضية وتبين حقيقة هذا الموقف. فضلا عن رغبة الباحث في الوقوف عند الاسباب التي حالت دون ظهور كيان سياسي كوردي، ولربما كانت المواقف الكوردية نفسها، والنزاعات الداخلية، وعدم نضوج الوعي القومي بشكل واضح، هو السبب، لكن لا بد من التأكيد على حقيقة اساسية وهي ان الكورد كانوا (ضحية) مصالح الدول الكبرى المتضاربة كما يتبين من مضمون الكتاب. تهدف هذه الدراسة الى توضيح موقف الكورد بمختلف فئاتهم من حرب الاستقلال التركية. ولكي نضع القارئ على بينة من الأمر نقول: أن هذه الدراسة تتألف من ( 263) صفحة ضمن خمسة فصول وخاتمة تضمنت أهم الاستنتاجات التي توصل اليها على ضوء المعلومات والحقائق الواردة في الفصول، فضلا عن عدد من الملاحق والخرائط الضرورية. ففي الفصل الأول تطرق بشكل مختصر الى الاوضاع السياسية التي مرت بها كوردستان طوال العهد العثماني وحتى عام 1918. اما الفصل الثاني خصصهُ الباحث لبيان اثر الكورد في مؤتمرات حرب الاستقلال التركية، والمجلس الوطني التركي الكبير، من خلال التركيز على نقطتين مهمتين هما: طبيعة حرب الاستقلال وبواكيرها الاولى، وانتقال مصطفى كمال باشا من قائد عسكري الى قائد حركة وطنية لفتت انظار الدول الكبرى ، إما النقطة الثانية فتتعلق بموقف الكورد في مؤتمرات حرب الاستقلال والمجلس الوطني التركي الكبير، تطرق فيه الى الرسائل التي بعثها مصطفى كمال باشا الى رؤساء العشائر الكوردية بغية استمالتهم الى جانب حركته القومية. فضلاً عن التطرق الى المناقشات التي دارت في المجلس الوطني التركي الكبير بشأن المسائل المتعلقة بالقضية الكوردية.
ويتضمن الفصل الثالث دراسة موقف الزعامات العشائرية والدينية الكوردية من حرب الاستقلال التركية، وبيّن الباحث، موقف كل من الشيخ سعيد النورسي، والشيخ محمود البرزنجي، وسمكو اغا الشكاك، فضلا عن مواقف عدد من الزعامات العشائرية والدينية الاخرى. كما تناول الفصل، الاتصالات السرية والعلنية التي جرت بين تلك الزعامات الكوردية ومصطفى كمال باشا اثناء فترة حرب الاستقلال.
وتناول الفصل الرابع موقف الاحزاب والتنظيمات السياسية والصحافة الكوردية من حرب الاستقلال التركية، إذ تم عرض مواقف الجمعيات والنوادي والاحزاب السياسية والاجتماعية الكوردية من حرب الاستقلال ومحاولاتها الرامية الى تحقيق المطالب القومية الكوردية، فضلا عن بيان موقف الصحافة الكوردية من تلك الحرب واثرها في ايصال الصوت الحقيقي للشعب الكوردي الى العالم. كما تطرق الفصل الى ممارسات الحركة الكمالية واقدامها على غلق التنظيمات الكوردية وقمع صحافتها المعادية لهم.
ويعالج الفصل الاخير موقف الدول الاوربية الكبرى من الحركة القومية الكوردية في اطار حرب الاستقلال التركية، ويعرض بشكل اساس مواقف ثلاث دول كبرى اثرتْ في توجيه سير القضية الكوردية حينذاك، وهي بريطانيا وفرنسا وروسيا السوفيتية، بالاضافة الى دراسة معاهدة سيفر بوصفها أول وثيقة دولية اعترفت بتاسيس دولة كوردية مستقلة.
اعتمدت هذه الدراسة على مجموعة قيمة من المصادر المتنوعة باللغات العربية والكوردية و التركية والانكليزية والفارسية. فضلاً عن الكثير من الصحف والمجلات، لا سيما تلك التي صدرت في فترة موضوع الدراسة والمعاصرة للاحداث. وقد حرص الباحث على ان تنال المصادر الاصلية النصيب الاوفر في رفد الدراسة بالمعلومات والحقائق التاريخية. لذلك حظيت الوثائق البريطانية عن الشؤون الخارجية المنشورةDocuments on British Foreign policy 1919-1939 ، والوثائق البريطانية عن اتاتوركBritish Documents on Atat?rk (1919- 1938) ، التي جمعها بلال شمشير Bilal ?im?ir، بالاهتمام، خاصة وان تلك الوثائق تضمنت معلومات لا يمكن الاستغناء عنها ومعظمها يشير بجلاء الى الاحداث الدائرة في تلك الحقبة، وتتضح قيمة المعلومات إذا ما علمنا أن لبريطانيا علاقة مباشرة بالمنطقة، لكونها المسيطرة، آنذاك، على الجزء االاكبر من الاراضي الكوردية. كما ساعدت ملفات دار الكتب والوثائق العراقية في توضيح جوانب معينة ضمن الفصل الرابع. فضلاً عن المذكرات الشخصية والصحف التي زودت الدراسة، بالكثير من المعلومات النادرة.
والمهم في الأمر، يرى الباحث في استنتاجاته، إن الحركة الكمالية التي ترعرعت في المناطق ذات الأكثرية السكانية الكوردية في تركيا، وربما كان ذلك احد الاسباب التي دفعت بعض الباحثين الى القول ان الدولة التركية الحديثة قد تكونت على اكتاف الكورد، وذلك للتدليل على الاثر الكوردي في حرب الاستقلال التركية، ولكن مع ذلك لايمكن اغفال الإسهامات الكوردية في تلك الحرب، إذ شاركت فئة غير قليلة من رؤساء العشائر الكوردية فيها، أولئك الذين طغى الشعور الديني لديهم على الشعور القومي. وقد استفاد مصطفى كمال باشا من ذلك فرفع في بدء حركته شعارات ذات طابع ديني إسلامي. وهذا ما اكدته بعض المصادر المعاصرة للاحداث الى هذه الحقيقة. ومعنى هذا ان غالبية الكورد باستثناء نخبة مثقفة منهم لم يستغلوا ظروف الدولة العثمانية آنذاك، لتأسيس كيان خاص بهم كما فعلت بعض القوميات الأخرى.

Taakhi