الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الرابعة عشرة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق الحلقة الرابعة عشرة

رسالة تقدمت بها الطالبة/كافي سلمان مراد الجادري

الفصل الرابع تداخل الخنادق بين الموقف الرسمي والموقف الكردي في المرحلة الاولى من الاستقلال المبحث الاول : المشكلة الاثورية عام 1933
المبحث الثاني : انقلاب بكر صدقي عام 1936
المبحث الاول : المشكلة الاثورية عام 1933
– نبذة تاريخية عن ظهور المشكلة الاثورية في العراق
– المشكلة الاثورية في بداية عهد الاستقلال
– انفجار الوضع وبداية المواجهة العسكرية بين الاثوريين والقوات الحكومية
– علاقة الكرد بالمذابح الاثورية
– نبذة تاريخية عن ظهور المشكلة الاثورية في العراق
الاثوريون او التيارون او النساطرة اقلية قومية مسيحية يتكلمون اللغة السريانية المنحدرة عن الارامية(1). ويعتنقون مذهبا من مذاهب المسيحية , وهو المذهب النسطوري الذي يتبع الكنيسة الشرقية(2) .
يتشكل الاثوريون من اربع قبائل هي (( تياري العليا والسفلى وجيلو وتخوما وباز))(3) .
ويذهب ماليبارد صاحب كتاب ” نواعير الفرات ” الى ان انتساب هذه القبائل لاسم الاثوريين جاء بعد نزوحها الى العراق وبالتحديد بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى (4) . كما اكدت هذا الراي لجنة عصبة الامم حول مشكلة الموصل عندما ذكرت (( انها ترتاب من كونهم من اهل نصارى العراق القديم الذين هم احفاد الاراميين القدماء ))(5) .
سكن الاثوريون جبال حكاري الواقعة في الاراضي التركية الى الشمال الشرقي من حدود العراق الحالية , والى جانبهم سكن الكرد والارمن .
وكما يشير احد المتخصصين في تاريخ الاثوريين , فان المجتمعات الكردية والاثورية متشابكة ومتمازجة حتى في جبال حكاري نفسها , وهم متطابقون في سائر الصفات والعادات الاخرى(6) . كذلك يعيش قسم من الاثوريين في السهول الواقعة غرب بحيرة اورمية في كردستان الشرقية ( الايرانية ) وداخل حدود كردستان الجنوبية ( العراقية )(7) .وكانوا يدينون بالولاء
المارشمعون(1)الزعيم الديني للاثوريين , كما كانوا مستقلين بادارة رؤسائهم الروحانيين ولا تربطهم بالحكومة العثمانية سوى مسألة دفع الضرائب سنويا (2) . وفي نهاية القرن التاسع عشر وعندما صممت الدولة العثمانية القضاء على الامارات الكردية, حركت الاثوريين ضد الكرد في بوتان وحكاري , مما ادى الى حدوث مواجهات دموية بين الكرد من جهة والاثوريين والارمن من جهة اخرى .
ثم تلى ذلك دخول الاثوريين والارمن في صراع مع الدولة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الاولى (3) .
اما بالنسبة لعدد الاثوريين في العراق فلا تتوافر احصاءات دقيقة عن هذا الامر . ويمكن تكوين صورة تقريبية عن اعدادهم من خلال الاحصاءات العامة التي تخص اعداد المسيحيين ككل في العراق . وقد اشار الحسني انهم بلغوا حسب احصائية عام 1935 بتسعين الف نسمة , ومعظمهم كانوا من النساطرة . في حين ذكرت المصادر الكنسية في العراق بان عدد المسيحيين في العام نفسه بلغ مائة وثلاثون الف نسمة ومعظمهم من النساطرة(4) .
بدأت المشكلة الاثورية مع اعلان الحرب العالمية الاولى , ودخول الدولة العثمانية طرفا في الحرب , اذ هاجم الروس اراضي حكاري واستولوا على وان . واغروا(5) الاثوريين بالتمرد ضد العثمانيين . وقلدوهم السلاح(6), اذ هاجم الاثوريون العشائر الكردية هناك (7), واضطروا الى اللجوء الى حدود اورمية(1). اذ وقعوا هناك في مأزق كبير, اذ تلقفهم اسماعيل اغا سمكو رئيس عشائر الشكاك الكردية وضربهم بقسوة انتقاما وثارا لابناء جلدته(2).
ولكن عندما انسحب الروس من الحرب في العام 1917 , وانسحبت جيوشهم من المناطق كافة التي كانوا يحتلونها , غدا الاثوريون بلا حماية ولا سند , واصبحوا في موقف حرج , وهم محاطون من الجهات كافة بالاتراك والكرد والفرس الذين صاروا يهاجمونهم , بحيث اضطروا الى الانسحاب نحو همدان , واستنادا الى بعض التقديرات فانهم فقدوا خمس عددهم على اقل تقدير(3).
وفي نهاية الحرب العالمية الاولى نقل البريطانيون خمس وثلاثون (4) الف اثوري الى خانقين ومنها الى معسكرات في بعقوبة شمال شرق بغداد . وكان بينهم عدد من اثوريي ايران, بلغ عددهم عشرة الاف , وقد اعيدوا فيما بعد الى ايران في السنوات التالية (5). اما البقية فقد تم تجنيد قسم من القادرين على حمل السلاح, وشكل البريطانيون منهم قوة سموها (( قطعات الليفي المحلية )) قوامها الفا اثوري, في حين تم نقل ما تبقى منهم مع رؤسائهم الى المناطق الجبلية في كردستان العراق وتعهدوا لهم بتأسيس (( حكومة اثورية )) لهم في شمال الموصل على الحدود التركية – العراقية(6). بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى فكر البريطانيون في اعادة الاثورييين الى مواطنهم الاصلية في حكاري , وقد طرحوا هذا الامر في مؤتمر استانبول عام 1924(7) . الا ان المسؤولين الاتراك رفضوا هذه الفكرة رفضا قاطعا خوفا من قيام البريطانيين باستغلال الاثوريين كورقة ضغط ضد تركيا(1). وقرر الاتراك تقديم كل من يعود من الاثوريين الى تركيا الى المحاكم , في الوقت الذي اعلنوا فيه عن احتجاجهم لاسكان الاثوريين في مناطق حدودية محاذية لتركيا(2).
وبعد حسم قضية الموصل بين العراق وتركيا , رفعت بريطانيا تقريرا الى عصبة الامم اوصت فيه , انه بعد رفض تركيا اعادة الاثوريين الى مناطق سكناهم الاصلية في حكاري , فان على الحكومة العراقية توطينهم في اماكن مناسبة لهم في شمال العراق . وبناءً على ذلك قامت السلطات البريطانية في العراق , بمفاتحة وزارة الداخلية العراقية بشأن اسكان اللاجئين الاثوريين في منطقة برادوست واعفائهم من الضرائب(3) .
استجابت الحكومة العراقية للطلب البريطاني , اذ قرر مجلس الوزراء في الثامن من اذار عام 1927 اسكانهم في المنطقة الشمالية , اذ وزعوا بين العمادية , وزاخوا , ودهوك , وعقرة, وحرير , وبرادوست , وشيخان , وبرواري بالا(4) .
باشرت الحكومة بتقديم التسهيلات الاقتصادية لهم كاعفائهم من الضرائب وتأسيس عشر قرى لاسكانهم , والاعتراف ببطريكهم الشاب ايشاي ابن الملك داود قائد لواء المختلط (( الليفي)) رئيسا روحانيا لهم والمعروف بـ(المارشمعون), رئيساً روحانياً لهم , وتخصيص راتب شهري قدره ثلمائة ربية شهريا(5) .
كثف الاثوريون تحركاتهم خلال الفترة الواقعة بعد عقد المعاهدة العراقية – البريطانية في الثلاثين من حزيران عام 1930 , والتي لم تتضمن اي اشارة لمسألة الاثوريين , وبعد انضمام العراق الى عصبة الامم في الثالث من تشرين الاول عام 1932 (6).
وقد بعث الاثوريون خلال تلك الفترة عرائض عدة الى عصبة الامم , طالبوا فيها اما ترحيلهم من العراق او استمرار الانتداب البريطاني على العراق (1). وقد بادر البريطانيون بعد اعلان استقلال العراق الى تسريح الجيش الليفي , وسمحوا لكل منتسب فيه , بالاحتفاظ ببندقيته العسكرية وذلك على سبيل التعويض , الى جانب حصوله على مبلغ من المال , وهذا ما زاد الاستياء في اوساط عدة من الاثوريين . ودفع عددا من زعمائهم , الى محاولة طرح مطالبهم في المحافل الخارجية(2) .
– المشكلة الاثورية في بداية عهد الاستقلال
بدأ المارشمعون حملة مكثفة لكسب التأييد الخارجي لقضية الاثوريين . ففي اواخر عام 1932 سافر الى جنيف حاملا معه عرائض ومضابط موقعة من زعماء اثوريين الى عصبة الامم , مطالبا فيها بالحكم الذاتي(1). لذلك طلب مجلس العصبة من العراق ارسال ممثل عنه لبحث هذا الموضوع(2) . فرشح العراق نوري السعيد وزيرالخارجية ممثلا عنه لبحث مشكلة الاثوريين في عصبة الامم . وفي الخامس عشر من كانون الاول عام 1932 صدر قرار العصبة الذي جاء فيه (( بان طلب الاثوريين المتعلق بحكم ذاتي اداري في داخل العراق لا يمكن قبوله……))(3) .
جاء قرار العصبة مخيبا لتوقعات مارشمعون , الذي حاول اثارة الراي العام الدولي لدعم قضية الاثوريين , كما اتصل بالعديد من الصحف الاوربية لهذا الغرض , كذلك بذل مساعيه لكسب تأييد الدول الاوربية , لكن جهوده لم تأت بنتائج تذكر , فقام بتوجيه نداء الى لجنة الانتدابات ذكر فيه ان القرار الذي سبق ان اقره مجلس العصبة بتاريخ الخامس عشر من كانون الاول لا يتفق مع روح مجلس العصبة , ويحرم الاثوريين من الوصول الى حقوقهم في تأسيس وطن لهم في العراق(4).
عاد المارشمعون من جولته الاوربية التي استغرقت ثلاثة اشهر, الى العراق في الرابع من كانون الثاني عام 1933(5) . حينها حاولت الحكومة العراقية , التي كانت مشكلة الاثوريين احدى التحديات التي تواجهها في بداية الاستقلال , التفاهم مع المارشمعون . لهذا التقى الملك فيصل مع الزعيم الروحي للاثوريين , كذلك استقبله كل من رئيس الوزراء ناجي شوكت ( 3 تشرين الثاني 1932 – 18 اذار 1933 ) , وكذلك السفير البريطاني السير فرنسيس همفريز. خلال تلك الاجتماعات عرض المارشمعون مطاليبه على المسؤولين العراقيين الذين وعدوه بالنظر فيها(1). وبعدها غادر المارشمعون بغداد متوجها الى الموصل (2) .
في الموصل اجتمع المارشمعون مع قادة الاثوريين , وقد حضر الاجتماع جميع الزعماء الاثوريين باستثناء ملك خوشابا من تياري السفلي(3).
في اعقاب الاجتماع بدأت تظهر العديد من المنشورات التي تحث على مقاطعة مشروع الاسكان الذي بدأت به الحكومة لتوطين الاثوريين , كذلك اخذ المارشمعون يهدد برحيل الاثوريين عن العراق تارة , ورفع السلاح بوجه الحكومة تارة اخرى(4) .
وقد استمر التوتر بين الاثوريين وبين الحكومات العراقية المتعاقبة من جهة وبين الاثوريين والمسؤولين البريطانيين في العراق من جهة اخرى(5). كادت ان تتحول الى مجابهات في حالات غير قليلة .
بدأت مقدمات هذه المجابهة عندما شرعت مجموعات من الاثوريين المسلحين بالتجمع في السهل الممتد بين دهوك وزاخو واخذوا بمهاجمة القرى في هذه المناطق , واطلاق النار على وحدات الجيش العراقي المرابطة هناك . كذلك قام المسلحون بطرد موظفي الدولة في قضاء زاخو , وقطعوا طرق المواصلات بين الموصل ودهوك , واعلنوا انهم لن يوقفو هجماتهم حتى تتحقق مطاليبهم في الاستقلال تحت الحماية البريطانية (6) .
تحركت الحكومة بسرعة , ففي مايس عام 1933 طلب من المارشمعون التوجه الى بغداد لمناقشة الوضع المتأجج في شمال العراق . وصل المارشمعون الى بغداد , وخلال اجتماعه مع وزير الداخلية حكمت سليمان(7) طلب الاخير من الزعيم الاثوري التعهد (( خطياً )) بعدم عرقلة اعمال الحكومة وخططها بالنسبة لمشروع اسكان الاثوريين في الاماكن المحددة , كما طالبه الوزير ايضا بالتعهد باعلان اخلاصه للملك , (( كبقية رعايا جلالته )) , فامتنع المارشمعون عن تلبية شروط الحكومة , التي رفضت على اثره السماح له بمغادرة بغداد والعودة الى الموصل(1). اما المارشمعون فكرر تهديداته بانه لن يكون مسؤولا عما سيقوم به اتباعه من اعمال , اذا ما اصرت الحكومة على احتجازه في بغداد ورفض عودته الى مقره في الموصل(2).
وتجدر الاشارة , الى انه , في تلك الاثناء كان الملك فيصل خارج العراق في زيارة رسمية الى بريطانيا بدعوة من العاهل البريطاني , بعد اعلان استقلال العراق , وقد وصل الملك الى لندن في حزيران عام 1933 (3). وخلفه في ادارة البلاد ولي العهد الذي كان عليه مواجهة تداعيات تصاعد ازمة الاثوريين(4).
اثار نبأ منع عودة المارشمعون الى الموصل , اهتمام عدد من الصحف الاوربية في الخارج , التي بادرت بتحميل الحكومة العراقية اسباب الازمة مع الاثوريين , كما اخذ المسؤولون البريطانيون في العراق بالضغط على الحكومة لابداء المرونة في التعامل مع الاثوريين . والاهم من هذا ان الملك فيصل طلب شخصيا في رسائل الى الحكومة في بغداد السماح للمارشمعون بالعودة الى الموصل(5).
اصرت الحكومة على موقفها , في ضرورة بقاء المارشمعون في بغداد , ففي رايها ان السماح بعودته الى الموصل كان سيضعف من هيبة الحكومة , ويزعزع اجراءتها في مجال فرض الامن والنظام في المناطق الثائرة (1). في الوقت نفسه كانت اعمال العنف في تصاعد مستمر . فقد قام اتباع المارشمعون بمهاجمة دور ضباط الجيش في الموصل ,ورجموا بعض هذه الدوربالحجارة مما اسفر عن اصابة عدد من سكانها بجروح(2).
حاولت الحكومة تهدئة الوضع , ففي الحادي والثلاثين من ايار عام 1933 سلم وزير الداخلية الى المارشمعون مذكرة تضمنت موقف الحكومة في عدد من المطالب التي تقدم بها الاثوريون , غير ان رد المارشمون كان عنيفا . ففي كتاب (( شديد اللهجة )) اصر على مطالبه السابقة , وضرورة الاعتراف به رسميا زعيما دينيا (( وزمنيا )) للاثوريين (3). في اثناء ذلك كان اتباع ياقو بن ملك اسماعيل زعيم التياري العليا قد قاموا بالسيطرة على بعض المواقع على طريق العمادية , وبدأوا بحفر الخنادق على طول الطريق المؤدي الى دهوك , فيما توزعت مجاميع من المسلحين على امتداد الطريق , مما دفع الحكومة الى ارسال قوة عسكرية لمنع تصاعد الاحداث(4) .كما قام قائد فرقة لواء الموصل اللواء بكر صدقي(5) بنشر قواته حول القرى الاثورية.
ويشير بارمتي(6)في كتابه ((الاشوريين والمسألة الاشورية )) الى ان الحكومة العراقية اقدمت على بعض الخطوات التي استفزت الاثوريين ومنها اجبارهم على تسجيل اعدادهم وبيوتهم , وشوارعهم , ومطالبة المجندين منهم في قوات الليفي سابقا بأعادة البنادق التي بحوزتهم , ومنع المواطنين من التعامل مع الاثوريين تجاريا بيعا وشراء , لا سيما في منطقة ديانا(1).
بدورهم رفض الاثوريون طلب الحكومة بتسليم اسلحتهم , الا اذا طالبت الحكومة بالمثل افراد العشائر الكردية والعربية ممن بحوزتهم اسلحة , بتسليم تلك الاسلحة اليها(2) .
Taakhi