الرئيسية » مقالات » قراءة في كتاب – التسامح والمحبة في حكايات نبيل يونس دمان التراثية

قراءة في كتاب – التسامح والمحبة في حكايات نبيل يونس دمان التراثية

في عام 2001 اصدر المهندس نبيل يونس دمان ، وهو من مواليد مدينة القوش عام 1951 ، كتابا تحت عنوان “الرئاسة في بلدة القوش “. لم اطلع للاسف على هذا الكتاب ، لكن علمت انه يدور عن رؤساء البلدة ( اشبه بالمختار في القرى) بفارق ان القوش هي مركز ناحية وبحكم انه فيها ما لا يقل عن الف بيت فأنها اتبعت اسلوب ديمقراطي لاختيار من يمثلها امام السلطات او العشائر المحيطة . قبل ايام وصلني ، هدية طيبة ، من الاخ الكاتب نبيل دمان وباهداء نبيل كتابه الجديد ” حكايات من بلدتي العريقة ” . الكتاب هو اصدار خاص ، ورغم انه لم يحمل على صفحاته سنة الاصدار ، لكن الاخبار المنشورة في شبكة الانترنيت اشارت الى صدوره صيف هذا العام . الكتاب من 117 صفحة ، من القطع المتوسط ، طبع في سان دييكو كاليفورنيا ، في الولايات المتحدة الامريكية مقر اقامة الكاتب منذ عام 1990 . حمل الغلاف صورة ملتقطة من الجبال المحيطة بالبلدة الطيبة التي جاءت منها وعنها حكايات الكتاب . البلدة هنا ، هي مدينة الكاتب ، مدينة القوش المناضلة ، التي يشير الكاتب الى ” ان لبلدة القوش مكانة خاصة ومتميزة عندي ” ص 5 ، فنجد انه ومن موقع الوفاء ، والتعلق بمدينته وتأريخها قدم لنا كتابه الاول والثاني . والقوش مدينة تستحق المزيد من الكتب ، فالتاريخ المعاصر يحمل لها سجلا مشرفا في تصدي ابناءها الدائم لعسف وظلم الانظمة المختلفة ، ودفعت بسبب ذلك ثمنا باهضا ، وخصوصا خلال سنوات دعم واسناد نضال المقاومة المسلحة ضد النظام الديكتاتوري المقبور . ونحن نتمنى ان يواصل الكاتب سعيه وجهوده في هذا الاطار ، وتحقيق كتب اخرى عن المدينة ، تهتم بكل ما يتعلق بتاريخ وحاضر مدينة القوش ، من حياة اجتماعية وثقافية وسياسية ، وهذا بالطبع سيكون جهدا كبيرا ونبيلا وسيسجل للكاتب مفخرة امام الاجيال القادمة التي تطمح للتعلم من دروس وحكم الاباء والاجداد ( والمقال جاهز للنشر ، افادنا الكاتب بأن له مشروعا لاصدار كتاب يتحدث عن الحوداث التي عصفت بمدينة القوش خلال تاريخها المعاصر ) .



الكتاب الذي بين ايدينا ، ومن عنوانه ، يقودنا الى انه يتناول حكايات عن هذه المدينة العريقة ، وسنجد انها حكايات ووقائع تراثية ، متناقلة شفاها بين الرواة من ابناء المدينة ، بذل الكاتب جهدا في تقصيها وتسجيلها ، ونقلها لنا باسلوب سلس وبدون تعقيد كبير ، يذكرنا بحكايات الاجداد والجدات . بلغ عدد فصول ـ الحكايات سبعة عشر فصلا ، تنوعت بين حكايات الصيد والشجاعة الشخصية ، ومواجهة الظلم والاعتداد بالنفس والكبرياء ، والتعاضد الاجتماعي ، والمواقف الطريفة والمفارقات وحكايات الغناء والطقوس الدينية . وفي كل الحكايات مجتمعة ندور في احياء مدينة القوش وحاراتها وبين اهاليها واجواءها في تلك الازمان التي مضت ، والتي صارت بعيدة ، ويحاول الكاتب ان يعيدها الى اذهان الاجيال الجديدة من اجل التواصل مع تاريخهم وتراثهم . ونتلمس روح التسامح والتعاضد والتكافل والمحبة التي تسود العلاقات بين الناس الكادحين من ابناء المدينة ، بغض النظر عن اعتقاداتهم الدينية ومنشأهم القومي ، ونلمس ذاك التوق الانساني عند الجميع للحرية والعيش الكريم .
كنت اتمنى ، ومن اجل الفائدة الاعم ، لو ان الكتاب حوى خارطة توضح للقارئ الموقع الجغرافي لمدينة القوش بين المدن والاقضية المحيطة ، فهذا سيسهل كثيرا للقارئ متابعة وفهم الاحداث ، خصوصا اذا ثبتت على الخارطة مواقع المدن والقصبات التي يرد ذكرها في حكايات الكتاب الممتعة. وكان يمكن ان يكون مفيدا اكثر اذا دعمت هذه الخارطة بمعلومات مكثفة عن مساحة مدينة القوش ، واسماء القرى التابعة لها ، وعدد السكان ، وبعض الاحصاءات التقريبية المتوفرة عن الاديان والاصول الاثنية وغيرذلك من المعلومات التي تصلح لان تضمها مقدمة كتاب .
الكاتب ـ كما يشير في مقدمة الكتاب ـ استمع الى الحكايات بلغتها الام السريانية ” السورث ” ، وهي اللغة العريقة لسكان مدينة القوش، ولكن استخدامها انحسر في العقود الاخيرة ، وكما يؤكد الكتاب ” لم يعد يتكلم بها سوى اهالي قرى وبلدات في سهل نينوى ونوهدرا وصبنة وزاخو وحدياب وبعض اهاي النهرين ” ص 4 . ولكننا مع تصفح الحكايات ، وجدنا ان الكاتب ثبت بعض النصوص ، خصوصا الاغاني والاشعار بذات اللغة ـ السورث ـ ، ولم تكن نصا واحدا او نصين ، فاغلب النصوص التي وردت في فصل ” جذور الطرب والغناء ” الممتع ، والغني بالمعلومات ، جاءت بلغة السورث ، وايضا بعض الاغاني التي وردت في الفصل الاخير ، السابع عشر ، المعنون ” اليهود ومرقد النبي ناحوم ” . وبما ان الكتاب لغته الاساسية هي اللغة العربية ، فأرى انه كان الاجدى ان تكون النصوص مترجمة جميعها الى اللغة العربية ، او ان يكون هناك هامش شرح ترجمة ، كما فعل الكاتب نفسه مع بعض النصوص في الفصل السابع عشر .
ولفت انتباهي ان الحكايات كان بمجموعها عن الرجال ، فكانت حكايات الكتاب ذكورية بمجموعها ، وهي بهذا تعكس طبيعة اجتماعية للمنطقة في زمن الحكايات ، والكاتب غير مسؤول عن تغيب دور المرأة وبخس دورها في الحكايات المروية ، ولكن طبيعة المدينة وتأريخها ونوعية العلاقات السائدة فيها منحت للمرأة مساحة غير قليلة في العمل والنضال ، وهناك العديد من الحكايات المروية عن نساء بطلات وذكيات من مدينة القوش . واتمنى من الكاتب ان يخصص جهدا ـ وربما يكون كتابا ـ عن حكايات المرأة القوشية وشجاعتها ومواقفها الاصيلة .
الكتاب ايضا حوى العديد من الصور ، وبالرغم من ان الامكانات الطباعية ، لم تجعل بعض الصور واضحة بالشكل المناسب ، الا ان استخدام الصور جاء متتما وتأكيدا مهما لمادة الكتاب الممتعة ، وربما كان بالامكان وضع المزيد من الصور والرسوم التي توضح طبيعة الملابس والادوات الاكسوارات في فترة الحكايات . وكنت اتمنى لو ان الكتاب ضم اسم مصدر ـ المصور ـ للصور ، حتى لو كان الكاتب نفسه ، فهذا باعتقادي شئ اساس لمثل هذا النوع من الكتب التي تعتمد روح التوثيق .
ان ماذكرناه من ملاحظات ـ اقتراحات ، لا يقلل ابدا من قيمة الجهد المبذول لاعداد الكتاب المشوق ، ولا يقلل من فائدته ، فانا هنا اؤكد ثانية على اهمية هذا النوع من الكتب خاصة للاجيال الجديدة ، ونتفق مع ما اورده السيد ريمون نديب شكوري في مقدمته القصيرة التي حواها الكتاب واشاد فيها بالكتاب والكاتب واشار الى ” ان الكتاب جدير بان يطلع عليه سكنة وادي الرافدين ” ، ونضيف ، وكل من يهمه معرفة شئ عن اصالة وتسامح وتعايش ابناء العراق . للكاتب نبيل يونس دمان ، التقدير والثناء لجهده ومبادراته الجميلة .

عن طريق الشعب العدد22 ليوم 3/9/2008