الرئيسية » مقالات » تاريخ الأحزاب والجمعيات السياسية في الحلة 1908-1958

تاريخ الأحزاب والجمعيات السياسية في الحلة 1908-1958

تأليف عامر جابر تاج الدين

الناشر وزارة الثقافة العراقية

تاريخ النشر 11/2008

عدد الصفحات 560

عرض ومتابعة محمد علي محيي الدين

في البداية لابد من الإشادة بجهد الكاتب في متابعة الصحف والمطبوعات التي تناولت تاريخ تلك الفترة وخصوصا في موضوع يعالج تاريخ الأحزاب والجمعيات في محافظة عراقية،وذلك لشحة المصادر وعدم توفر الجرائد والصحف التي تتناول ذلك النوع من الدراسات رغم أن المؤلف الفاضل تابع صحافة الأحزاب الرسمية أو التي تمتعت بالعلنية في ممارسة نشاطاتها،وأعتمد على الموسوعة السرية لمديرية الأمن العامة الصادرة في العهد الملكي ،وهذا المصدر على أهميته ليس موضع لثقة الباحث لينصرف إليه بجملته معتمدا عليه أساسا في تدوين وقائع التاريخ،فهذه الموسوعة تعبر عن وجهة نظر الحكومة الملكية وأسيادها الاستعماريين وبالتالي لا يمكن الركون إليها في تحديد الوقائع واستصدار الأحكام وقد لا حظنا من خلال أستقراآت الباحث أنه أنحدر من حيث يشعر أو لا يشعر إلى اجتهادات الجهات الواقفة وراء إصدارها ونقل وجهة نظرها دون أن يشعر أنه أساء إساءة بالغة لقوى وطنية يدعي ارتباطه بها وانتمائه إليها وهو ما سنشير إليه في محله من هذا الاستعراض،وكان على الباحث الاعتماد على أدبيات الحزب الشيوعي المتوفرة لتكون مصدره في النقل أو أجراء لقاءات مع الشيوعيين العاملين في تلك الفترة ولا زالوا أحياءا والاعتماد عليهم في توثيق ما ينقل،ولا أريد التعقيب على كل ما ورد في الكتاب فأن ذلك يستوجب الإطالة لوجود الكثير مما يستوجب التعقيب والرد،ويتطلب جهدا ووقتا ليس بالقليل لذلك ستقتصر ملاحظاتي على أمور عامة وأخرى خاصة رأيت من الأولى الإشارة إليها عسى أن يعيد الكاتب استصدار الأحكام بشأنها بشكل سليم ويصحح الهنات التي وجدتها في الكتاب،ولا يعني هذا التقليل من شأن الكتاب ومؤلفه ولكنه أكمال للكمال وبحثا عن الحقيقة وسط ركام هائل من منقولات لم يكن للمؤلف رأي فيها.

من الملاحظات العامة التي تفرض نفسها اضطراب خطة البحث لدى الباحث ،وقد ورد في مقدمته ما يشير إلى تقسيم المرحلة لسهولة البحث وتحديد مساره،فقد قسم المرحلة إلى فترتين (الأولى من 1919 – 1935 والفترة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية وشملت الأعوام 1946-1958 ،وبعد ذلك ألغت الحكومة أجازات الأحزاب لتبدأ مرحلة جديدة 1955-1958 ،تركزت على العمل السري أثمرت عن علاقات نتج عنها جبهة الاتحاد الوطني)،والخلط في هذا التقسيم أنه تجاوز السنوات من1935 -1946 ،رغم أنها حفلت بالكثير من الأحداث،وكان على الباحث تقسيم الأمور على أسس معلومة تشمل المرحلة التي حددها لدراسته.

والملاحظة الثانية أن المؤلف الفاضل لم يعنى بتصحيح ملازم الطبع ،فجاء الكتاب حافلا بالأخطاء المطبعية الكثيرة التي أفقدته الكثير من أهميته وبعضها أثر بشكل كبير على المعنى ما أدى الى مغالطات كثيرة وهو ما سنشير إليه في محله من العرض.

والملاحظة الثالثة،أن على الباحث الموضوعي والمؤرخ الثبت تحري الدقة فيما يكتب وأن يكون له رأيه فيه،وعليه الخروج بنتائج بحثه ليضع القارئ أمام منهجه ورؤيته في دراسة التاريخ ولكن الباحث الكريم تناسى ذلك ولم يكن له رأي فكان مجرد جامع لمعلومات مبعثرة من صحف ومصادر ،فقد ذكر أسماء العديد من شخصيات الحلة ممن كان لهم مشاركتهم المعروفة في الأمور العامة،ممن شكلوا فروعا للأحزاب أو ألفوا جمعيات مختلفة،ولكنه في غمرة غرقه في الجمع تناسى أن يذكر بديهية تبين أن جل هؤلاء ليسوا من أصحاب الأفكار أو المبادئ ولكنهم من طلاب الوجاهة الكاذبة والوصول الى السلطة ،وأن أغلبهم لا يحتفلون بقضايا الوطن ومصالح الشعب،وفي مراجعة بسيطة للأسماء نجد أن أكثرهم كانوا موزعين على جميع الأحزاب والجمعيات ،وأنهم ينتمون الى الحزب الفلاني لينتقلوا الى آخر يناقضه في الأهداف والتطلعات،ويقوم فلان بالانتماء الى الحزب الدستوري ليتحول الى حزب الأمة ثم ينتمي الى الأحرار ليصير بعدها واجهة لحزب الاستقلال ،ويعود كرة أخرى لهذا الحزب أو ذاك،وأن أكثرهم يلهثون وراء هذا الزعيم أو ذاك لاعتقادهم أنهم سيحصلون على نيابة أو وزارة أو منصب سام،بل أن بعضهم يتبرعون بمبالغ طائلة ليكونوا معتمدين ذلك الحزب أو في قيادته،وأن بعضهم ترك ذلك الحزب لعدم حصوله على منصب وعد به،مما يعني أن هذه الشخصيات وأحزابها مجرد واجهات ورقية لا تغني شيئا في سوح المبادئ والقيم،وكان على الباحث بالتالي الإشارة الى هذه الحقيقة بأنهم مجرد تجار يفكرون بالربح والخسارة وليسوا من أصحاب الرأي والمبادئ،و حسر الهالة التي وضعهم فيها بوصفهم رجال مبادئ وقيم ومواقف وطنية تصب في خدمة الشعب.

والملاحظة المهمة التي تستحق التوقف عندها أن الباحث لكريم أختار أسهل الطرق لانجاز كتابه فاعتمد على مصادر رسمية كالموسوعة السرية وأضواء على الحركة الشيوعية الذي طبعه النظام البائد في الوقت الذي أغفل أدبيات الحزب الشيوعي ونشراته وكتبه التاريخية أو مذكرات أعضاءه،وهو في توخيه السهولة لجاهزية البحث لم يتعب نفسه في التوجه الى المصدر لإثبات الحقائق وعدم الاعتماد على ما يكتبه الخصم،فليس في هذين الكتابين ما يحمل على الثقة لطبيعة مصدرهما،وبالتالي كان على الباحث التأني أكثر في إصدار الأحكام وتسبب الأسباب وفرض الفروض وبيان النتائج.

وهناك أشخاص أسهموا في النضال الوطني والعمل السياسي ولا زالوا أحياء وخصوصا من اليساريين والشيوعيين وكان الأولى بالباحث الاستفادة منهم في توثيق معلوماته والإشارة الى الثغرات التي لم يستطع الكاتب إملائها لعدم حصوله على معلومات عنها،وهؤلاء كثيرون وقريبون من الكاتب وعلى وافر الاستعداد لإمداده بما يريد ،ولكنه على ما يبدوا توخا الطريق الأقصر وأتخذ من المصادر الأخرى مراجع دراسته .

والأمر الآخر أن القارئ لا يجد فواصل بين ما كتبه الكاتب أو أقتبسه وقد اختلطت آراءه بآراء المصدر مما نتج عنه أنه وقع في أحكام وتصورات لا يمكن أن تصدر من باحث وهو ما سنشير الى بعضه في مناقشتنا لأرائه وأحكامه الأخرى،وقد أصبح من المتعذر الفصل بين رأي الكاتب وآراء الآخرين،والباحث يجب أن يكون صاحب رأي لا مجرد ناقل لحوادث دون أن يكون له تعليق عليها بشك أو يقين،وإلا فقد كتابه صفة البحث ويكون مجرد أعداد وتوضيب لوثائق ليس له فيها فضل سوى الجمع والتوثيق.

وفيما يلي تعقيباتنا على بعض ما ورد في الكتاب أملين أن يسعى المؤلف إلى متابعة الموضوع وإعادة النظر في دراسته حتى تكون بالمستوى المطلوب:

1- أورد المؤلف الفضل ص 26 -29 ،نقلا عن السيد إسماعيل مصطفى الواعظ ما ذكر عن تشكيل جمعية الاتحاد والترقي في الحلة،وكان الخبر ثلاث صفحات كاملة مملوءة بالنقائض والأخبار التي تحكي طبيعة الصراع بين القوى السياسية تلك الفترة وأورد وجهة نظر المؤلف دون أن يكلف نفسه الرجوع الى تواريخ تلك الفترة للتأكد من التهم التي كالها المؤلف إلى ممثلي الحزب وأتهمهم فيا أولا بالتهجم على مقام الرسول الكريم،ثم الزراية بمراسيم العزاء الخاصة بمأساة كربلاء،ولا ندري صحة الأمر من عدمه فلم يورد أي مصدر آخر أشار إلى الحادثة وما فيها من تجني ،فليس من المعقول أن يقوم شخص في تلك الفترة بسب الرسول أو آل بيته والانتقاص من مراسيم العزاء في المقاهي وعلى رؤوس الأشهاد دون أن يردعه أحد من الجالسين ،إذا علم أن مثل هذه المسائل في تلك الفترة تؤدي بصاحبها إلى القتل من قبل الناس الذين لا يقبلون بالإساءة لمعتقداتهم ورسولهم ،وثانيا كيف لمبشر بمبادئ حزب أو جمعية أن يتفوه بكلمات تسيء الى الناس الذين يحاول كسبهم الى جانبه،وما علاقة مثل هذه الأمور بالصراع على السلطة بين الحكومة وجمعية الاتحاد والترقي،ثم يورد في الصفحة 28 نص برقية أهل الحلة التي يشيرون فيها الى قيام ممثلي الفرع بالهجوم على السلطة،ومنع الموظفين من القيام بأعمالهم وسب السيد الواعظ ولا يوجد في البرقية ما يشير الى التهجم على الدين أو مؤاخاة اليهود وما أورده الواعظ من مغالطات الى غير ما ورد في البرقية،التي من خلالها وما أورده السيد إسماعيل الواعظ نستطيع أن نستشف أن إسماعيل أستعمل سلاح الدين والتهجم عليه لإسقاط هؤلاء سياسيا ،وهو ما يتبعه دائما الحكام الظلمة لإسقاط مناوئيهم سياسيا والقضاء عليهم بالقتل والإبادة تحت ذريعة الدين كما فعل البعثيون عندما أستح صلوا فتوى من أحد رجال الدين بقتل 16000 سين عراقي تحت حجة الكفر والإلحاد،وكان على الباحث التأكد من المعلومات ومراجعة التواريخ الأخرى لمعرفة حقيقة الأمر ،وأن لا يعتمد على مصدر واحد صادر عن خصم سياسي كان في تلك الفترة قائم قام الحلة.

يتبع