الرئيسية » المرأة والأسرة » سن البلوغ وجدلية الاختلاف ما بين الدين والقانون في تحديده ( صوم الطفل كنموذج جدلي )

سن البلوغ وجدلية الاختلاف ما بين الدين والقانون في تحديده ( صوم الطفل كنموذج جدلي )

تتسابق القوانين الدينية والوضعية في تجريد الطفل من براءته وتحميله ما تحمل من أوزار الذنب والعقاب وتنتقل به من حالة انتمائه لللامسؤلية إلى حالة وجوب خضوعه لكافة هذه القوانين والتعاليم وإذا ما توفر الاختلاف الزمني ما بين محددات سن البلوغ دينيا وقانونيا فان هذا الاختلاف يشكل نقطة تساؤل وحيرة في الكثير من الأحايين وخاصة إذا ما حاولت الدولة الانتقال من القوانين المدنية بانتماءاتها النصية الوضعية إلى القوانين الخاضعة لسلطة الدين وتفسيرات كتبه وأحكامه التي تجول بالفكر يمنة ويسرة ما بين مفسر وآخر 0
إن قضية الاختلاف تؤدي بالتأكيد إلى وجوب ارتباط أحد الطرفين بما هو ايجابي وخضوع الآخر للمؤثرات السلبية في تكونه فأين يكمن الخطأ وأين يتربع الصواب ؟
ولكي نناقش الأمر سوية لصالح خضوع الطفل لعملية معرفته الأرضية التي يقف عليها بعيدا عن سلطة الغموض والالتباس نناقش هذا الموضوع عبر فريضة الصوم التي فرضها الإسلام على المسلمين وألزمهم بها فتقول الدكتورة فاطمة جار الله الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أنه : ” يشترط في الصوم البلوغ وتبعا لذلك فهو غير واجب على الصغار ” وان كانت هذه الكلمات تعبر عن حكم قاطع في أمر وجوب الصوم على الطفل من عدمه فإنها تلقي بنا أكثر من الطفولة في متاهات واستفسارات لا حد لها فما هو سن البلوغ ومتى يعتبر الطفل بالغا ؟
أما عن القوانين الوضعية فإنها تحدد هذه السن حسب الاتفاق ولقد تعارف الجمع واستنادا لبعض الدراسات الطبية والنفسية إلى اعتبار سن الثامنة عشرة سنا للبلوغ ولكن تبقى المعضلة في الدين الذي لم يحدد بدقة في نصوصه فترة زمنية محددة للخضوع للواجبات الدينية أو البلوغ وترك ذلك عرضة للتأويلات والتفسيرات المتوافقة حينا والمتعارضة أحيانا أخرى 0
فإذا خلو القرآن الكريم من حكم قاطع في هذا الأمر وربط بينه وبين بعض المظاهر الفيزيولوجية كالاحتلام الذي يختلف ما بين طفل وآخر في فترة ظهوره فان هذا يؤدي إلى حالة من الفراغ والاعتلال لخضوعه لعوامل مختلفة 0 ويقول الرسول الكريم محمد ( ص ) : ” إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان ” كما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى في حديث مرسل وبذلك تخضع عملية تحديد الخضوع للواجب الديني للتجربة الشخصية والامتحان الفردي للطفل لمعرفة مقدرته على تحمل هذه المشقة ولكن هل يكون الطفل الذي يتحمل مشقة ثلاثة أيام بحكم مؤهلات بدنية معينة قادرا على الحكم في بعض القضايا الأخرى عقليا وذهنيا , فأين تسير عجلة البلوغ حسب الشرع , هل تسير وفق المعايير الجسدية أم تلك التي تعطي للعقل الدور الأساس في عملية كفاءة الطفل ونضوجه ؟
ومم قد يثير الاستغراب والحيرة أحيانا قول الدكتور محمد النجيمي ( عضو مجمع الفقه الإسلامي ) بأنه : ” يجوز لولي الأمر أن يحدد سنا معينة للرشد ” , وهذا بالذات ما قد يزيد الخلط في الأوراق مابين رغبة الأهل وقوانين المجتمع الناظمة للمسائل القانونية والجزائية 0
وإذا كان القانون الوضعي قد استند في حل هذه المسائل إلى بعض القوانين الطبية والنفسية من مثيل قدرة الطفل على الحكم واكتمال أعضاءه المسئولة عن الإقرار والتمييز كالدماغ وانطلاق الطفل من مرحلة المراهقة وظروفها إلى مرحلة النضج الجسدي والتوازن النفسي فان أمثال ما يقال من تعليقات شرعية في وجوب الصوم على الطفل ( إن أطاق ) , ( إذا أحتلم ) قد تصطدم بقوانين صحية كثيرة قد تخالف وبشدة أحيانا هذه الأحكام , ومن المعلوم بأن الفترة العمرية التي يحددها الاحتلام ويظهر فيها هي من أدق الفترات في حياة الطفل حيث يبدأ فيها النمو الجسدي والذهني وبأشكال متسارعة حيث يحتاج الطفل إلى كمية كبيرة من السكريات ما لا يوفره أو ما يؤدي الصيام إلى إفقاد الطفل هذه الكمية المناسبة لنموه السليم , وتعرف مرحلة المراهقة التي تلي فترة الاحتلام بأنها فترة النمو المثلى لدى الطفل , وتأتي أهمية الغذاء السليم والكافي بجميع مكوناته من فيتامينات و بروتينات كأهم الأسس لطفل سليم ومعافى مستقبلا 0
وإذا كان الطب قد قسم الفترة العمرية إلى ثلاث طبقات دوائية تمتد الأولى والثانية إلى سن الرابعة عشرة فان هذا يدل على عدم قدرة الطفل على تحمل ومقاومة التأثيرات الدوائية لأدوية الكبار لاختلافات فيزيولوجية معينة وعدم اكتمال في الطاقة الجسدية للطفل, وإذا ما حاول بعض رجال الدين التأكيد على مقدرة الطفل على الصوم مع تعويض ما سينقصه بواسطة وجبة سحور كاملة , وعبر التقليل من حركة الطفل فان مثل هذه التعليمات لا يمكن تطبيقها على الطفل في سن الحركة والأمر الأكثر أهمية هي القيم الأخلاقية والدينية المرادة من الصيام بعيدا عن المشقة الجسدية وهذا ما لا يستطيع الطفل غير المكتمل ذهنيا الوصول إلى إدراكه وتبنيه في عملية التوازن الأخلاقي لديه 0
ولذلك تبقى الفترة ما بين سن التاسعة ( سن للبلوغ حسب بعض التفسيرات الدينية ) وسن الثامنة عشرة ( السن القانونية غالبا للبلوغ ) مصدر اضطراب مستمر لكافة الأحكام وهذا ماقد يؤدي بنا إلى التمسك بما قد يؤدي إلى أقل الخسائر من الأحكام والتفسيرات أي أن نتمسك بكل حكم يزيد من سن البلوغ لدى الطفل ونتداول كل اجتهاد يرفع من هذه السن كما هو الاجتهاد في مذهبي الحنفية والمالكية الذين يذهبون إلى وجوب أن تكمل الفتاة السبعة عشر عاما والفتى ثمانية عشرة عاما لاعتبارهما بالغين فهذا ما ما قد يؤدي إلى نوع من التوافق ما بين القوانين الاجتماعية بمجمل مصادرها ويزيل اللغط والغموض عن الكثير من الحالات التي تتطلب النظر في ثنايا وتلافيف الكتب والاجتهادات الشرعية والبحث أو الهروب منها أحيانا نحو القوانين الوضعية التي توفر سنا أعلى للبلوغ وخاصة في ظروف تعقد المضمون في مواضيع عالمنا ووجوب الاحتكام ألف مرة إلى العقل قبل الحكم على الأمور ما لا يستطيع الطفل غير الناضج ذهنيا على القيام به 0