الرئيسية » مقالات » رجال بلا قيادة

رجال بلا قيادة

قد يثير ما أكتب بعض الأخوة الأعزاء ويعتقدون أني أحاول النيل من هذه الجهة أو تلك،أو أعبر عن رؤيا منحازة لطرف دون آخر،ولأني أحاول استقراء الواقع ودراسة الأمر بعيدا عن الرؤية المسبقة أو محاولة النيل من الآخرين باعتماد الواقعية البعيدة عن الانحياز في دراسة حقبة مهمة من تاريخنا العراقي وتاريخ الحركة الشيوعية في العراق وقبل الخوض في التفاصيل أود التنبيه الى حقيقة كبرى أن التطرف اليساري له خطورته التي لها نتائجها الوخيمة،وعواقبها المرة التي قد تزيد على التوجه اليميني لما للأولى من نتائج سلبية تنعكس أثارها على غير المنضوين تحت لوائها،وأن الانحراف اليمني واليساري يؤديان الى ذات الأضرار وأن كان الأول أقل خطرا في الموازين العامة وأحداث التاريخ،وبما أني من المؤيدين للتحرك الثوري المنظم والمبني على أسس واقعية وليس على أوهام صبيانية فقد أنحو باللائمة على القيادات المتطرفة مستثنيا القواعد من تطرفها لأن القاعدة الحزبية تتحمل نتائج التكتيك الخاطئ لقيادتها التي لم تتمكن من التصرف بالحكمة والعقلانية المطلوبة لذلك فأن الأخطاء الناجمة عن التطرف اليساري تتحملها القيادات دون القواعد التي تؤمن بما تفعل وتعمل بجد ونشاط ونكران ذات ،في الوقت الذي لا تتمتع قياداتها بجزء من اندفاعها الثوري ومناعتها المبدئية وقدرتها على الصمود والتضحية،لذلك تتحمل هذه القيادات مسئولية الأخطاء الناجمة عن تصرفها غير المستند للواقع.

لقد قيل وكتب الكثير عن الحالة التي وصلت إليها القيادات الشيوعية في أواسط ستينيات القرن الماضي،ولمسنا بألم عمق المعاناة ومرارة الهزيمة التي لحقت بالحزب جراء السياسات المهادنة والسياسة الطائشة للطرف الثاني،ولا زال الكثيرون يحاولون تبرير أخطاء هذه الجهة أو تلك وإيجاد التبريرات التي تجنبهم المزالق والأخطاء التي أدت الى هذه الانتكاسة،فالخط المهادن الذي سلكته القيادة تلك الفترة كان له خطورته وآثاره المدمرة،والرد الذي قوبل به هذا الخط كان أكثر ضررا لافتقاره الى الواقعية المطلوبة في العمل الثوري المسلح،وكان بالإمكان تجنب الانشقاق وما ترتبت عليه من آثار لو كانت القيادتين على قدر من الوعي بطبيعة الظروف الداخلية والخارجية وما تفرضه المرحلة من سياسة بعيدة عن المهادنة والانجرار لمواقف لا تخدم الحزب ومسيرته في تلك الظروف،فليس في النظام ألعارفي ما يغري بالوقوف أو ألاتفاق معه،ورأس النظام كما يعرف الكثيرون من ألد أعداء الشيوعية والحزب الشيوعي ومعظم وزرائه وقياداته العليا تحمل في داخلها الحقد الدفين للحزب واليسار بوجه عام،ولا يمكن لها في يوم ما أن تفكر باتفاق أو انسجام مع الشيوعيين لأنها لا تمثل البرجوازية الوطنية التي يمكن التحالف معها وإنما تمثل اليمين المتغطرس في الحركة القومية،بل أنها تضم أشتاتا ليس في قاموسها في يوم ما أن تكون في تحالف أو وئام مع أي طرف يساري شريف،لأن معظم تلك القيادات هي مخلفات استعمارية رجعية لم تكن في يوم ما الى جانب أي تطلع شعبي وطني،وهي تمثل الجانب الأسوأ في الحركات السياسية العراقية،وليس لها أيديولوجية محددة يمكن من خلالها احتسابها على هذا الطرف أو ذاك،لذلك فأن أعطاء التنازلات إليها لا يصب في المصلحة الوطنية التحررية في العراق ،وبالتالي فأن أي أتفاق معها يحمل في طياته بوادر فشله وتعثره لما هي عليه من ارتباطات غير خافية على العاملين في الحقل السياسي،وبالتالي فأن الخط المهادن الذي انتهجته القيادة الحزبية كان خاطئا في مقدماته ونتائجه ولم يحقق بالتالي أي منفعة لقوى اليسار في العراق،بل جعلها تعيش في تناقض بين الواقع وتجلياته وما يراد له من تغيير.

وكان الرد غير موفقا من الأطراف التي اندفعت لمحاربة هذا التوجه لعدم امتلاكها الآلية السليمة لتوجهاتها المعلنة فظروف العراق في تلك الفترة لا يمكن لها أن تسمح بوجود تيار ثوري كفاحي ينتهج الكفاح المسلح لأسباب داخلية وخارجية كثيرة،والتحرك المسلح سوف يعطي المبرر للقوى اليمينية لشن حملات إبادة قد تأتي على القواعد والمرتكزات المهمة،في الوقت الذي لا تمتلك القوى المعارضة ما يؤهلها لمواجهة مسلحة لافتقارها الى الأسلحة الثقيلة التي هي عماد أي تحرك مسلح وعدم وجود البيئة المناسبة لخوض هذا النوع من القتال ،وفقدانها للعنصر الهام في أي حركة مسلحة وهو الدعم الخارجي الذي لا يقتصر على الدعم المعنوي والإعلامي بل يتعداه الى إدامة خطوط القتال ووجود الإمداد الكافي لما تحتاجه جبهة المواجهة من أعتده وأسلحة لضمان ديمومة واستمرارية العملية المسلحة.

ومن جانب آخر لا توجد أمكانية للحصول على الدعم الداخلي فالطبيعة الثابتة للعراقيين هي اعتمادهم الحرب الخاطفة التي أن طال أمدها يكون مصيرها الفشل لعدم وجود الدافع الذاتي في تحمل النتائج المترتبة على المواجهة الطويلة،يضاف عدم وجود التضاريس التي يمكن أن تخدم العمليات الحربية التي يقوم بها المقاتلين،ولأن العراق بطبيعته الاجتماعية يعتمد الانقلاب السريع في الوصول الى ما يريد ،ولا يمكن له الاستمرار في حرب طويلة الأمد ،لذلك نلاحظ أن الجهات التي تعتمد على القوة العسكرية هي القادرة على أحداث التغيير والهيمنة على السلطة ولم نسمع عبر تاريخ العراق أن قوة مارست الكفاح المسلح تسنى لها الهيمنة على السلطة أو الوصول إليها.

ولو درسنا التجربة القصيرة للكفاح المسلح في العراق بعد ثورة تموز لوجدنا أن تلك الحركات لم يكتب لها النجاح والاستمرارية لأسباب عديدة في مقدمتها أن القائمين بها تنقصهم الكثير من المستلزمات التي تؤهلهم لخوض حرب العصابات ،لعدم تدريبهم على مثل هذا النوع من القتال ،وعدم امتلاكهم للسلاح،وفي بداية انطلاقتهم كانوا لا يمتلكون أكثر من ثلاث قطع سلاح قديمة ينقصها العتاد ،ومن يتخيل أن ثورة مسلحة يمكن لها النجاح بواسطة بندقية صيد وبندقية انكليزية بأطلاقة واحدة ومسدس شخصي،فهو ولا ريب يسبح في خيال ،وقد تبين لي من خلال قراءة مذكرات الأخ عقيل حبش وما سجلته من ذكريات زميله أبو هادي أن هؤلاء كانوا ثوريين ولا جيفارا وأبطال شجعان يشار لهم بالبنان ولكن قيادتهم المتهرئة كانت وراء إخفاقهم في تحقيق شيء ملموس رغم أنهم في النواميس العامة شكلوا منعطفا مؤثرا في تاريخ الحزب واستطاعوا أن يسطروا تاريخا رائعا في نضال العراقيين،ولكن القيادة الهزيلة التي قادت الكفاح المسلح هي السبب في الإخفاق والفشل الذي منيت به هذه المجموعة،يقول حبش في مذكراته أنه زارهم ذات يوم وفد من إحدى المنظمات الفلسطينية فقام مسئول القاعدة بتسيير المشاحيف في الهور والإكثار من حركتها ووضع نقاط سيطرة في طريق القادمين وكانت هذه النقاط تبدل مواقعها لتوحي للآخرين بأنها مجموعة كبيرة،فهل في العمل النضالي الكفاحي الحقيقي يمكن القيام بهذه الألعاب الصبيانية،وماذا يأمل هؤلاء من قيادة تتعامل بالكذب لتظهر عكس ما هي عليه.

والأمر الثاني أن حسين ياسين الذي كان حلقة الوصل بين القيادة المركزية وجماعة الأهوار كان يوهم هؤلاء بأنه سيجلب لهم الأسلحة وأن أسلحة وأعتده كثيرة في طريقها للوصول إليهم،وأن لهم قواعد في أماكن أخرى سوف تعلن عن نفسها في الوقت المناسب،وأن جميع المنظمات الحزبية قد التحقت بقيادتهم المركزية في الوقت الذي كانت القيادة المركزية لا تتجاوز بضعة أشخاص لا يجيدون استعمال المسدس أو يشاركوا في أي عمل مسلح وهم مجموعة من المثقفين الذين يجيدون الكلام ولا يجيدون استعمال الأيدي أو استخدام السلاح،بل لم يكن فيهم عسكري واحد أو ضابط سبق له ممارسة العمليات الحربية،ولم يتدرب أحدهم على استعمال السلاح ،بل أن عزيز الحاج شخصيا لا يفرق بين مسدس الماء والمسدس الحقيقي فهل في قيادة من هذا النوع قدرة على القيام بعمليات عسكرية تطيح بنظام يستند إلى ستة فرق عسكرية مجهزة بأحدث الأسلحة والمعدات،وفيها جنود متمرسين على القتال بمختلف أنواع الأسلحة.

في الجانب الآخر هل استطاعت القيادة المركزية تأمين الحد الأدنى من الغذاء لمقاتليها الذين تحاول بهم إسقاط بغداد وهل يمتلك هؤلاء ما يسد رمقهم حتى يكونوا مقاتلين حقيقيين،وهل كانوا بعدد كبير حتى يمكن لهم القيام بعمل جبار يلفت إليهم الأنظار.

لقد كان هؤلاء الفتية الأبطال صادقين مع أنفسهم بعكس قيادتهم الغارقة في بحار الأوهام الثورية وتعيش في دوامة من الآمال التي لا يمكن لها أن تكون حقيقة ذات يوم وتتحمل هذه القيادة المآسي التي جرت على هؤلاء الفتية الأبطال،لأن قيادتهم لم تكن بمستوى الحدث أو بحجم المسئولية،وفي الوقت الذي صمد هؤلاء صمود الجبابرة وواجهوا الموقف بصلابة منقطعة النظير كانت قيادتها الهزيلة تسارع لتسليم كل ما لديها من معلومات بل تحاول هدم كل ما بنته الحركة الوطنية عبر تاريخها المجيد فيخرج شيخ الكفاح المسلح ليعلن ندمه وتوبته وخطا أرائه واستعداده للعمل مع القيادة البعثية وكان مثالا يقتدى لشلته القيادية التي أصبحت في غمضة عين القلم المنافح عن البعث وقيادته فكانوا من العاملين في وسائل أعلامه ومن الطبالين في جوقته ،ومن أكثر العناصر الأمنية اندفاعا في العمل الأٍستخباراتي وأصبحوا اليد الضاربة لناظم كزار في الإرشاد إلى القيادات الشيوعية وإنهائها وكانوا العين التي لا تنام لمنظمة صدام السرية التي قامت بتصفية المئات من خيرة المناضلين وأصحاب السابقة في الكفاح الوطني لعقود.

أن الموقف المخزي لقيادة الكفاح المسلح وعملهم المشين هذا كان سبة تاريخية للحركة الشيوعية ولا أدري كيف للبعض المفاخرة بهذه القيادة والإشادة بتاريخها الخالي من كل ما هو شريف،نعم أن أبطال الأهوار هم مناضلون أشداء صادقين قرنوا القول بالعمل وبذلوا جهد المستطيع ولكن قيادتهم كانت سبة عليهم،بل أنها لا تمثلهم ولا ترتبط بهم بأي شكل من الأشكال،ولعلها أساءت لهم بمواقفها التي لن يحمدها التاريخ.