الرئيسية » مقالات » (حرب وسجن ورحيل ) القسم الثاني عشر

(حرب وسجن ورحيل ) القسم الثاني عشر

الحديث عن الجامعات العراقيه أثناء الحرب العراقيه الأيرانيه حديث ذو شجون ولكوني أب لأربعة أبناء كانوا يدرسون في الجامعه في تلك الفتره فقد كنت أعيش المأساة بكامل أبعادها وكان حلمي وحلم زوجتي الوحيد هو أن يتخرج هؤلاء الأبناء ويكملوا دراساتهم ويخدموا وطنهم العراق ولكن ذلك الحلم كان يصطدم بعقبات كثيره كانت تضعها السلطه في طريقهم حيث كان هم السلطه ورئيسها القتال في جبهات الحرب والتغني بالأنتصارات الوهميه وكانت حالات الآلاف من العوائل تشبه حالتنا وخاصة طبقة الموظفين والكسبه وكان الراتب الذي نستلمه لايكفي لمعيشتنا فكيف يمكننا تحمل مسؤولية أربعة أبناء في الجامعه ؟ وكان أول عمل قام به النظام هو ألغاء الأقسام الداخليه وكان هذا الأجراء ضربة لنا وللعوائل الفقيره في الصميم . لقد كانت الغايه الواضحه من ذلك الأجراء الظالم هو أن يترك هؤلاء الطلاب مقاعدهم الدراسيه والألتحاق بقادسية صدام والتي هي فوق العلم والتحصيل الدراسي لأن مصير الحاكم مرهون بها . بدأت رحلة المعاناة بعد أن تم تشتيت الطلاب وكانت العوائل تذهب ألى العاصمه بغداد للبحث عن أماكن سكن لأبناءها حيث أخذ أصحاب العمارات الجشعين يستغلون هذا الأمر فيزيدون من أسعار تلك الأيجارات وكنا نلتقي بالكثيرمن تلك العوائل المتذمره وكنا نشكي همومنا لبعضنا بصورة خافته وسريه خوفا من بطش السلطه وطغيانها ونبحث وننتقل بين العمارات لتوفير سكن وخاصة للبنات حيث كان الأمر أصعب بالنسبه للبنين الذين يبحثون بأنفسهم بعد أن يتجمع مئه طالب أو أكثر لآستئجار عماره وقد أخذ بعض الطلاب ينامون تحت الأنفاق وفي الكراجات ولم يبال بهم أحد من المسؤولين الذين كانوا يصمون آذانهم لسماع شكاوى الطلاب ويقولون أنها تعليمات مركزيه لايمكن مناقشتها لقد كان بأمكان النظام أخذ بدل آجار بسيط من كل طالب وأبقاء هؤلاء الطلاب في أقسامهم الداخليه وهذا أبسط حق لطالب الجامعه على الدوله. لكن الدوله لن تفعل. وقد سرت شائعات بأن تلك الأقسام تحولت ألى أماكن لأجهزة الأمن والأستخبارات التي كانت تتزايد يوما بعد يوم .لقد بدانا ببيع كل مانملك ونعمل بأعمال شاقه ومتعبه كي يستمر أبناءنا في دراستهم في تلك الظروف الصعبه والقاهره .
تسلط الجهله والأميون من البعثيين على الجامعات وكان المقبور عدي هو الرئيس لكل جامعات العراق بعد أن منحه والده العديد من شهادات الدكتوراه وأول عمل قام به عدي هو جعل موضوع الثقافه درسا رئيسيا في كل جامعات العراق والثقافه في مفهوم عدي هي حفظ أقوال الرئيس حفظا ببغاويا وكل استاذ لاينتمي ألى حزب البعث مصيره التهميش والطرد من الجامعه وأحلال أشخاص يحملون درجات حزبيه ولا يحملون درجات علميه وقد عانت الجامعات من نقص كبير في الكوادر العلميه التي أخذت تنجو بجلدها خارج الوطن بأساليب متعدده الأمر الذي جعل النظام أن ينتبه ألى تلك الظاهره ويمنع سفر استاذ الجامعه خارج العراق. لقد رسب الكثير من الطلاب المتفوقين علميا في مادة الثقافه وسيقوا ألى الحرب وأصبحوا جثثا هامده تحت التراب وانطفأ الأمل في نفوس آبائهم وأمهاتهم ذلك الأمل الذي كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر وهو تخرج أبناءهم بعد أن ضحت تلك العوائل بالغالي والنفيس كي يحل ذلك اليوم الذي لم يروه أبدا . كل ذلك كان يتم في العراق دون أن يرفع أحد في الخارج صوته ضد ذلك الظلم الذي لم تشهد له الدول الدكتاتورية مثيلا .
كان القبول في الجامعات يتم وفق التشريعات والقوانين التي شرعت من قبل وزارة التعليم العالي الخاضعه لعدي وهي أضافة 10 درجات ألى معدلات الطلاب من أبناء البعثيين من عضو فرقه فما فوق وحملة أنواط الشجاعه وما سمي بأصدقاء الرئيس وغيرها من المسميات حيث تكون لهم الأولويه في القبول على حساب الطلاب الذين لاتتوفر فيهم هذه الصفات وبالتالي حرمانهم من حقهم في القبول في الكليات التي كانت تناسب معدلاتهم حيث يغتصب حقهم من قبل أبناء البعثيين . لابل أن العديد من الكليات دخلت ضمن القبول الخاص ولا يقبل فيها الا من توفرت فيه الشروط السريه التي وضعت من قبل وزارة التعليم العالي بتوجيه من السلطه الحاكمه ومن تلك الكليات : كلية التربيه الرياضيه – وكلية الفنون الجميله – وكليه االأعلام – وكلية القانون والسياسه وغيرها . و كان مايسمى ب ( الأتحاد الوطني لطلبة العراق ) واجهه بعثيه عمله الرئيسي تقديم التقارير السريه عن السيره الشخصيه لكل طالب وأصله وفصله وتحركاته داخل الجامعه وعن المدرسين وكانت تلك التقارير تذهب ألى الجهات الأمنيه وقد اختفى الكثير من الطلاب الذين تم خطفهم من داخل الجامعه واختفت آثارهم وكان أكثر هؤلاء الطلاب هم من الكرد الفيليين . ومن أبناء المعدومين المتهمين بالأنتماء ألى حزب الدعوه.
لقد تخرج الكثير من أعوان النظام من كليات الأعلام ومنحوا شهادات الدكتوراه في حب النظام والدفاع عنه وسميت تلك الشهادات ( دكتوراه علوم سياسيه ) وهم اليوم منتشرون في العواصم العربيه يرفعون عقيرتهم ضد الوضع القائم في العراق باعتبارهم وحدهم رافضين لبقاء الأحتلال ومن المناضلين ضده وكأن الشعب العراقي يرضى بالأحتلال وفي الحقيقه أن هؤلاء المزايدين والرافعين راية مكافحة الأحتلال من الدول العربيه التي تعج بالقواعد الأمريكيه ماهم ألا أيتام ذلك النظام الذي أغدق عليهم نعمه المحرمه التي سرقها من عقول أولئك الطلاب المتفوقين الذين غيبهم في الحرب ومنحهم تلك الشهادات المزوره .
ومن المهازل المبكيه المضحكه أن الجامعات أبتكرت مايسمى ب ( الجدار الحر ) لصيد الطلاب الذين ينتقدون السلطه ويرفضون الظلم حيث تم تغييب الكثير من الطلاب بهذه الطريقه بعد استدراجهم و بعد ان انتقدوا تلك الظواهر السلبيه التي تعددت وكثرت .
لقد كانت مصاريف الجامعه مرهقه وباهضه أوقعت طالب الجامعه بين نارين لاخيار له فيهما الخيار الأول أما أن يلجأ ألى الضغط على أهله أو يعمل أي عمل لتوفير المال اللازم كي يستمر في دراسته أو يترك الدراسه ويساق فورا ألى الحرب وهذا ماكانت تهدف أليه السلطه وقد ترك الكثير من الطلاب مقاعد الدراسه وغيبتهم الحرب أو هربوا من الخدمه العسكريه ولجأوا ألى الأهوار أو الجبال لمحاربة السلطه وقد بلغ عدد الهاربين من الخدمه العسكريه عشرات الآلاف رغم أرهاب السلطه وعمليات الأعدام المستمره لمن يقع بأيديها وزج آباؤهم وأمهاتهم في السجون حسب أوامر رئيس النظام . وهذا الذي ذكرته عن الجامعات شيئ يسير جدا بعد أن ذكرت حال المدارس أثناء فترة الحرب.
أعدام المتخلفين عقليا في الحرب
ربما يستغرب الشخص الذي لم يدرك اساليب النظام الصدامي هذه الحقيقه . وهذا ماحدث في مدينتي ( الكوت ) ولا أدري هل حدث في مكان آخر الله أعلم بذلك . كنت أعرف العديد من المتخلفين عقليا وقد ابتلاهم الله بهذا العوق العقلي وهم في كل الشرائع يستحقون عطف المجتمع ومساعدته وفي الدول غير المسلمه يضعونهم في مصحات ويخصصون أشخاصا أكفاء لمساعدتهم وتقديم العون لهم ولكن في عراق صدام حسين كان الأمر يختلف حيث كان النظام يقوم بأعدامهم في أماكن سريه ويخفي أجسادهم لقد كان في مدينة الكوت يعيش البعض من هؤلاء وهم يتسكعون في الشوارع بثيابهم الرثه ويعطف عليهم الناس ويطعمونهم ولكنهم بدأوا يختفون شيئا فشيئا وقد بذلت جهودا في معرفة سبب أختفاء هؤلاء من أقربائهم وعوائلهم المعدمه فقالوا لي أنهم اختفوا ولم نعلم سبب اختفائهم وعندما أبلغنا السلطات الأمنيه طردونا ولم نحصل على جواب وقد أعلمني أحد الحزبيين بعد أن أخذ على عهدا بأن يبقى الكلام محصورا بيننا بأن أمرا تلقته مديريات الأمن بتصفية المجانين تدريجيا نتيجة دخول أحد المجانين في حرم الأمام علي عليه السلام وهتافه بسقوط صدام وتم قتله واتخذ على أثر هذه الحادثه هذا القرار حيث أن اسم الرئيس مقدس ويهون من أجله كل شيئ. ربما لا يصدق البعض ولكنها الحقيقه المره التي شهدها عراق صدام حسين والذين يدافعون عن ذلك النظام الدموي بمناسبه وبدون مناسبه ألى حد هذه اللحظه تنطبق عليهم الآيه الكريمه بسم الله الرحمن الرحيم ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) الآيه 7 من سورة البقره
وسأتناول في القسم الثالث عشر جانبا آخر من الحقائق المأساويه التي شهدتها أثناء تلك الحرب.