الرئيسية » مقالات » كامل شياع ضحية التناقض والصراع بين التوحش والتمدن في العراق !

كامل شياع ضحية التناقض والصراع بين التوحش والتمدن في العراق !

يمر العراق بمرحلة لا تزال تتسم بالتناقض والصراع بين حالتي التوحش والتمدن , ويومياً يقدم لنا الوضع الجاري صورة حية لهذا التناقض والصراع بمختلف جوانبه وأشكال ظهورهما وأدواتهما وأساليب ممارساتهما ونتائجهما. وهما تناقض وصراع لا شك قديمان ومتجددان ومستمران في واقع العراق القائم وسيبقى المجتمع يعاني منهما طويلاً , وسيبقى المثقفات والمثقفون مع جمهرة من السياسات والسياسيين المثقفين يقدمون ضريبة هذا التناقض وذاك الصراع. وفي هذا التناقض والصراع لا تشارك قوى داخلية متنوعة وغير قليلة حسب , بل تشارك قوى ودول إقليمية ودولية تريد استمرار هذا الواقع ولا تريد للعراق التمدن وتجد في استمرارِهما منفعة كبيرة لها. إن قوى التناقض والصراع الجاريين غير متكافئين في الوقت الحاضر ويسمحان بسيادة قانون الغاب في مقابل قانون التمدن من جانب الأكثرية التي بيدها الحل والربط, حيث تجد قوى التوحش حريتها في التحرك وتنفيذ ما تراه لصالحها. إنها الفوضى وغياب الحرية والديمقراطية وهيمنة العنف.
كان كامل شياع واحداً من الذين شخصوا هذا التناقض وأبعاد الصراع وأدركوا مخاطرهما على الفرد والمجتمع , وكان في الوقت نفسه أبرز ضحايا التوحش الراهن المناهض للمدنية والتقدم والعقلانية في السياسة , إنه ضحية التناقض والصراع بين التوحش بكل معانيه وأشكال ظهوره وقواه , وبين التمدن بكل قيمه واتجاهات تطوره وقواه , بين قيام دولة مدنية ديمقراطية علمانية اتحادية , وبين دولة دينية ثيوقراطية متخلفة بكل معنى الكلمة. غابت عن كامل شياع الحماية الضرورية أو رفضها لنفسه ولم يلتفت إلى شراسة وقسوة التناقض وحمى الصراع وعنفه واستعداد الخصم الفكري والسياسي المتوحش القاتل بدم بارد والفاقد للبصيرة , مضافاً إليها “قدرية” عفوية عالية تميز بها وتمسك بها كامل شياع طوال حياته. فالقوى المتوحشة التي مارست الاغتيال الجبان , اختارت رمزا فكرياً مباشراً وفعالاً ومؤثراً لصالح فكر وثقافة وحياة التمدن في العراق , إنه المثقف العضوي المدني العلماني الديمقراطي الحر الذي اتسم بالهدوء والروية والعقلانية في طرح أفكاره وموضوعاته , وتميز بعلاقاته العامة وابتسامته الأخاذة والنظرة البريئة والتسامحية حتى في أحرج الظروف وأكثر الأوقات تعقيداً وصعوبة , كما تميز بنقاشاته الهادئة والعميقة حتى مع تلك الأكثرية التي اصطفت مع القوى المتوحشة المهيمنة على الكثير من أجهزة الدولة والحياة العامة , تلك القوى التي حولت الوزارات إلى مواقع للطائفية السياسية المتطرفة , بما فيها وفي مقدمتها وزارة الثقافة التي لم تمارس الثقافة , ولكن فيها جنود قلة مجهولة تحاول ممارسة التمدن وإدخال الثقافة الديمقراطية , ولكنها في مرمى القوى المتوحشة ,والخطر يقف منها قاب قوسين أو أدنى. وكان في مقدمة هذه القلة المناضل الراحل كامل شياع.
التناقض والصراع بين التخلف والحداثة , بين التوحش والتمدن , لا يدوران في فراغ , بل هما قوى فاعلة في قمة الدولة وفي بنيتها الإدارية ومختلف أجهزتها , إنها الدولة التي لا تزال ليست بدولة مؤسسات ديمقراطية. إن التناقض والصراع يدوران في المجتمع , ينشئان عن بنيته , ويمارسان تأثيرهما على حركة المجتمع. فقوى التوحش تقف في صراعها ضد التمدن مصطفة معبأة كل مكوناتها ومستخدم كل أدواتها وأساليبها المتوحشة , معبأة قوى التطرف الديني والتطرف الطائفي وقوى الفساد المالي والإداري السائدة وقوى التطرف القومي الممتدة عبر كل القوميات , وقوى الاستبداد التاريخي الممتدة عبر تاريخ العراق الطويل وحضوره الراهن في سلوكية المؤسسات السياسية والغالبية العظمى من السياسيين العراقيين وتجد الدعم والتأييد والتعضيد من قوى إقليمية ودولية من خلال مشاركتها في تكريس الطائفية أو الفساد المالي والإداري أو تنشيط التطرف بكل أنواعه. إنها قوى تمارس من جهة العملية السياسية ومن جهة أخرى تحمل مختلف أنواع الأسلحة والناسف وكل ما يقتل الإنسان. إنها المحنة الكبيرة والأزمة المستفحلة التي يواجهها العراق منذ عقود والتي تفاقمت في المرحلة الراهنة. وهي الظواهر والمخاطر التي كان المناضل كامل شياع يتصدى لها بالهدوء والموضوعية اللتين تميز بهما.
لا يمكن لأي مجتمع أن يرسي علاقات التمدن والديمقراطية والحداثة ما لم يغير السلوكيات الفردية والجمعية المتوحشة. ولا تتم هذه العملية برفع الشعارات أو وضع بعض قوى المجتمع السياسية بعض المواد الطيبة في برامجها السياسية التي تشير إلى مفاهيم المدنية والديمقراطية والحداثة فقط , بل يستوجب التوجه الفعلي صوب التمدن والديمقراطية والحداثة من خلال السعي الحثيث صوب عملية تغيير ثقافية وعملية تنوير اجتماعية ودينية وممارسة يومية تستند بدورها إلى سير حثيث وصارم صوب عملية تغيير في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية والتنوير الديني , فهذه البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية السائدة حالياً , التي تعتمد العشيرة والمؤسسة الدينية والغيبية والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية المرتبطة بها والمتشكلة معها والناشئة عنها تعتبر قاعدة مادية لإنتاج وإعادة إنتاج فعلية لكل ما هو مناهض للمجتمع المدني والديمقراطية والحداثة , أي أنها قاعدة لإنتاج وإعادة إنتاج لكل ما هو متوحش في العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والتعليمية.
كان كامل شياع حاملاً لمشروع فكري وثقافي تنويري وعقلاني حديث , وكان مدركاً بعمق لحجم المعوقات التي تحول دون هذا المشروع , ولكنه لم يكن يملك الأدوات الفاعلة لمواجهة هذه المعوقات وإزالتها , رغم أنه كان قادراً في التعبير عن مشروعه مستقلاً في الفكر والممارسة , فالأدوات الضرورية بيد السلطة , وليس قوى السلطة كلها تصطف اليوم مع المشروع المدني الذي يحمله أو تحمله القوى المثقفة والواعية والديمقراطية , بل أغلبها يقف في الطرف الآخر. وهذا ما تجلى بوضوح كبير في غياب ردود فعل الحكومة إزاء اغتيال كامل شياع , وكأن لم يكن هناك اغتيالاً لرجل كان لسنوات عدة مستشاراً لوزارة الثقافة , فهو بالنسبة لها يقف في صف التمدن والديمقراطية والحداثة , وليس في صفف من هو أبرز وأكثر تأثيراً في السلطة السياسية!
المشكلة التي تواجه كل المثقفات والمثقفين الديمقراطيين في العراق تبرز في الفجوة الكبيرة القائمة والمتسعة بينهم وبين السلطة , وما نشأ خلال فترات طويلة بين الثقافة التنويرية والديمقراطية التي يحملونها وبين الثقافة الصفراء والتقاليد التي كرستها النظم السياسية على مدى قرون طويلة , ولكن وبشكل خاص خلال السنوات التي هيمن فيها حكم البعث ألصدامي في العراق والمؤسسات الشمولية المماثلة على شئون الثقافة والتربية والتعليم والإعلام في البلاد.
رُحَّل كامل عنا قسراً وظلماً , ولكن لم يرحل مشروعه الفكري والثقافي المدني الديمقراطي والعلماني العقلاني , بل هو ثابت في أرض العراق ويقاوم التوحش والفكر والثقافة والتربية الصفراء. وسيسعى أولئك , الذين اغتالوا كامل وأطفأوا شعلة الحياة المتوقدة في فكره وعينيه وغيبوه عنا وعن شعبه , وهم أنفسهم الذين غيبوا قبل ذاك من كان يصطف ضمن هذا المشروع الثقافي , إلى تغييب كثرة من المثقفات والمثقفين , ومنهم قاسم عبد الأمير عجام و أمال  المعملجي , على سبيل المثال لا الحصر. وستبقى القوى المتوحشة , قوى الطائفية السياسية والقومية الشوفينية وضيق الأفق القومي والفساد المالي والإرهاب الدموي والقوى المناهضة للعدالة الاجتماعية وقوى الاحتلال , تعمل من أجل تنشيط التوجه المناهض للمشروع الثقافي المدني والديمقراطي والعلماني والتنويري في العراق , والمعرقل لمشروع التنمية الصناعية والزراعية وتغيير البنية الاجتماعية , والساعي للحفاظ على البنى القديمة البالية والمشتتة للقوى الاجتماعية وتغييب هوية المواطنة والمواطنة المتساوية وحقوق المرأة في العراق. إنه الصراع بين مشروع استمرار التوحش ومشروع التمدن حيث كان كامل شياع ضحيته الجديدة.
إن الموقف السليم الذي يفترض أن نتخذه في هذا الحفل التأبيني الحزين يتجلى في ضرورة الدعوة لممارسة الصراحة والشفافية والوضوح مع كل القوى الديمقراطية في العراق , سواء أكانت أحزاباً وقوى وشخصيات مستقلة , وسواء أكانت قوى عربية أم كردية أم تركمانية أم كلدانية وآشورية وسريانية , وسواء أكانت من المسلمين أم المسيحيين أم أتباع غيرهما من الديانات والمذاهب الدينية , بأنها ستفشل في مشروعها الفكري والثقافي المدني والديمقراطي العلماني ما لم تلتزم بقاعدة التعاون والتنسيق والتوحد على مشروع مشترك والنضال من أجله في سبيل عراق مدني ديمقراطي اتحادي حديث , ما لم تعالج خلافاتها الثانوية وتجد القواسم المشتركة في ما بينها لتدفع بالصراع بين التخلف والحداثة , بين الاستبداد والديمقراطية , بين التوحش والتمدن صوب نهاياته المشروعة صوب انتصار التمدن والديمقراطية والحداثة.
أتمنى على كل القوى الديمقراطية أن تدرك بأن المثقفات والمثقفين في العراق , ومعهم جمهرة من السياسيين المثقفين , قد وضعوا في قائمة التصفيات الجسدية بهدف وأد الثقافة , وأد المشروع الفكري والثقافي الديمقراطي الحضاري وانتصاراً للتوحش وقانون الغاب. فهل نحن بمستوى المهمة , وهل نحن مدركون لأبعاد المحنة والصراع ؟ هذا ما ستبرهن عليه الأيام!
بقلب مفعم بالحزن والألم والمرارة أقف أمام وجهك الباسم والمشرق أبداً رغم حزنك الداخلي الدفين والعميق لأقول لك يا صديقي العزيز بأنك ستبقى حياً في ذاكرة العراق , وسيبقى هناك الكثير والكثير من البشر ممن سيساهم في حمل مشروعك الفكري والثقافي ويناضل من أجل انتصاره. العراق اليوم ليس بخير , ولكنه سيكون بخير وألف خير!
5/9/2008 كاظم حبيب
كلمة ستلقى في الاحتفال التأبيني للراحل كامل شياع في هولندا بتاريخ 5/9/2008.