الرئيسية » مقالات » ( نَجْسانة)؟!..لا ( مو نَجْسانة )..!!

( نَجْسانة)؟!..لا ( مو نَجْسانة )..!!

لاشك إن معظم العراقيين يعرفون هذه الحكاية..

لكن الأجيال الجديدة من بناتنا وأبنائنا المغتربين..ربما لم يسمعوا بحكاية هذا “الخبير بالتدبير والقياس والسيطرة النوعية!” المتكاثر بيننا عبر عصور..ومازال..تلك الحكاية التي اجتهد واختلف الرواة في سردها ..

ومما جاء فيها:

يحكى أن “ولي الأمر” إصطفى “حكيما!!” من حاشيته الموروثة والمتوارِثة ..وكلفه بأمر في بلد قريب ..

دفع إلية صُرَّة تمرٍ مَتاعاً للطريق ..وبعد إن شرع بالسير في الدرب الأجرد ليلاً ، وانفلق الصبح عليه وهو يتأبط صُرَتَهُ..مُتعثراً..ومُدمدماً..ومُتفكراً..

ولفرط “فطنته!”إستَثْقَلَ حَمْلَ صُرَّةَ التمرِ معه..

وأراد التخلص منها ..

فاستشار “بَقية عَقله”..

ووجد إن خير سبيل للتخلص من “الصُرَّة” هو أن يأكل كل ما فيها من تمر..

فأكل حتى التخمة..

وبقيت معه حفنة تمر..

رماها على الأرض ..ومشى..

و لـ”عطب في ضميره” استكثر على عابر سبيل جائع قد يمر في الطريق وتصادفه ” فردات التمر ” فيلتقطها ويأكلها..

وقرر العودة اليها لـ “يبول ” عليها..

حتى تكون نجسة “نجسانة” ..

وبالتالي ..يُحْرَم منها عابرو السبيل!..

وفعلها..ابن (……..)!

ومضى في مشواره البعيد لاهثاً.. ولم يمهله الجوع طويلاً..فهاجمه في منتصف الطريق!

تَلَفَتَ إلى القفراء من حوله..حيث لا زرع ولا ضرع !..

وراح يَتَلَوّى من الخواء..

فإستفتى مِعدته ..

وأشارت عليه:

إن يعود إلى حفنة التمر التي بعثرها و( بال) عليها..واوهم نفسه بأن التمرات ليست جميعها نجسة “نجسانة!”..

وعاد أدراجه ووجدها كما تركها تحت هجير الشمس..

تناول واحدة متطرفة منها وتذوقها وإسترطها بِشَرَهٍ ..

وهو يسأل نفسه:

“هاي نجسانة ؟!

ويجيب :

لا مو نجسانة..!!

أي:

“هذه نجسة ؟! لا ..غير نجسة!”..

إلى أن أتى عليها جميعا وهو يتمتم مع نفسه كلما التقط واحدة منها..

“هاي نجسانة ؟!

ويجيب :

لا مو نجسانة..!!

ومسح شفتيه بظاهر كفه بعد أن ابتلع آخر تمرة رطبة..بسبب الحاجة إليها كي لا يموت جوعاً..

( وهذه بعض أحكام الضرورة!)..

واليوم وبعد إن ثبت بـ”الرؤية الشرعية” لـ”المصالحة الوطنية” والمحاصصة الطائفية والعرقية!:

· إن أجهزة النظام السابق المسلحة ” مو نجسانة!”..

· وان الذين فخخوا الوطن بالمتفجرات والخوف والخراب..”مو نجسانين”..

· وان أدِلاّء المحتل “مو نجسانين”..

· وان مثيري قبور الفتن الطائفية “مو نجسانين”..

· وان جحافل الموت التي كانت تستبيح الإنسان والوطن والعقل لأكثر من ثلاثة عقود ” مو نجسانة!”..

· وان المُشَعوذين المدججين بالإرهاب والتخلف “مو نجسانين”..

· وان “الإمّعات” التي تُهَرِّب النفط وتُبَعثر الثروات “مو نجسانة”..

· وان الوحوش الطائفية (من غير الملطخة أيديهم بالدماء المعلومة!!!)التي أرعبت العراق وتسببت في اكبر هجرة داخلية وخارجية في زماننا..وحرمت العراقيين من الأمان والعيش والبناء طيلة السنوات الخمس الماضية ..”مو نجسانة”!

· وان عشرات “التنابل” الراقدة في فيء مجلس النواب في الوقت الذي يتضور الملايين من العراقيين انتظاراً لفك طلاسم دولتهم.. “مونجسانة!”..

· وان شاحذي سيوف تمزيق العراق شعبا وأرضا ومصيرا في السر والعلن..”مونجسانين”..

· وان حماة ومنفذي المطامع الأجنبية المتنفذين في جسد السلطة والدولة “مونجسانين”!..

· وان ديدان الثقافة الطفيلية السارية من فطائس الدكتاتورية والمعاد إنتاجها اليوم بأقنعة طائفية وعرقية مقيتة..”مونجسانة!”..

· وان الوزراء والمسؤولين اللصوص المدانين قضائيا ..بقرار العفو.. أصبحوا ” مو نجسانين”!

· وان .. وان ..وان..!!!

يأتي السؤال..

من هو النجسان إذن؟!!!

ونجيب كما تقتضي مفاهيم المصارحة والمصالحة الوطنية:

إن جميع العراقيين “مو نجسانين!” ..

إلاّ:

· من يثبت حمضه النووي (القضاء المستقل والعادل)! انه تلوث بنجاسة النظام الدكتاتوري أو تمرغ بنجاسة الاحتلال،أو تَفَشَّت فيه ومنه نجاسة الإرهاب..

· على أن يُساق إلى القضاء كـ”فرد” بجريرته الشخصية..ولا تأخذ عائلته بجريرته.

· وان يكون جميع الضحايا من العراقيين ( ضحايا الدكتاتورية وضحايا الإرهاب وضحايا الاحتلال) متساوين بالمكانة، والحقوق، ودرجة الاهتمام، وزمن – النياحة – عليهم..فلا يجوز التمييز بين الشهداء ( شهداء عوائل أولي الأمر ..وشهداء الرعية)..ولا يجوز التمييز بين سجناء الرأي ( سجناء النخبة ..وسجناء العامة!) ..ولا يجوز التمييز بين المشردين داخل الوطن أو خارجه ( مهاجري مكة ..ومهاجري ميسان!) ولا يجوز احتضانهم أو نبذهم بسبب قربهم أو بعدهم عن الأحزاب أو المجموعات الحاكمة.

إن المرحلة الحالية التي تشهد تحسنا نسبيا بالوضع الأمني..ونفاذا بصبر العراقيين الذين كافحوا عقودا ليشهدوا سقوط الدكتاتورية ..وهم يكافحون اليوم من اجل زوال الاحتلال والإرهاب والتخلف والتطرف والتشرذم..هذه المرحلة شهدت إلى جانب الانفتاح الايجابي لاستقطاب مئات الآلاف من العاملين بأجهزة الدولة السابقة ( الجيش والشرطة ) الذين نبذهم بريمر بقراراته الملغومة..

إطلاق تصريحات للسيد نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية تدعو العراقيين في الخارج للعودة إلى الوطن..

وقد أُلتُقِطَت تلك التصريحات على عجل وتحولت إلى إجراءات تعسفية بحق العراقيين في الخارج..من قبل العديد من الدول التي يقيم فيها العراقيون..دون حراك من وزارة الخارجية أو وزارة شؤون المهجرين والمهاجرين!

ونقول للسيد المالكي باعتزاز:

إن معظم العراقيين في الخارج يتلهفون للعودة إلى الوطن..

ولكن إلى أي وطن يحميهم أو بيت يؤويهم؟!..

وكيف؟

..ومتى؟

..والى أي عمل؟

وسوف لن اشرح التفاصيل لأن السيد المالكي كان واحدا من ملايين المشردين في زمن الدكتاتورية..

ويعرف ماعاناه ويعانيه الجميع..

وهو اليوم رئيسا لحكومة العراق..وليس رئيسا لإقليم أو محافظة أو حزب أو قبيلة أو طائفة أو عُرق..وإنما رئيسا لحكومة العراق بمواطنيه داخل إقليمه الجغرافي وخارجه..

ومن حقنا أن نسأله:

ما لذي أعدته حكومتكم لعودة ملايين العراقيين في الخارج قبل أن تَطلق دعوتك التي تلقفتها العديد من الدول التي يقيم فيها العراقيون كضوء اخضر لإصدار قرارات تعسفية بحقهم..؟!

ونحن نتابع أخبار وزارة الهجرة والمهجرين..ونسمع عن الملايين التي تسلمتها الدول المجاورة لدعم اللاجئين العراقيين ( ولا ندري أين ذهبت ..كما يقول السيد وزير الهجرة والمهجرين ) ونتابع أخبار فضائح الفساد وتبادل الاتهامات بسرقة مليارات الدنانير من قوت أولئك البؤساء المشردين من “أكواخهم الأصلية” إلى “القبور” البديلة في كربلاء..

ما هي خطتكم المعتمدة لتنظيم عودة ملايين العراقيين..على اختلاف طبيعتهم وظروفهم وإمكانياتهم ومشكلاتهم..؟!

ومنهم:

1. العراقيون الراغبون بالعودة الفورية للوطن؟

2. ذوو الكفاءات الذين يحتاجهم الوطن بشكل عاجل للمساهمة في ترميم ماخربته :الدكتاتورية ، والاحتلال ،والإرهاب ،والمفسدين ، والمتخلفين؟

3. العوائل الفقيرة والعاجزة عن تأمين قوتها وعلاجها وتعليم أبنائها في بلدان الغربة؟

4. ذوو الاختصاصات الذين سيشكلون موردا بشريا مؤهلا وأساسيا للتنمية التقنية الشاملة، والذين بدونهم لن نستطيع إيقاف زحف “نجاسة” التخلف إلى نمط حياتنا وتفكيرنا وعملنا.

5. ما يقرب من ثلاثة ملايين طفلة وطفل وشابة وشاب بمختلف مراحلهم الدراسية ومؤهلاتهم العلمية، المنتشرين في بلدان المهجر ..المفعمين بروح التجديد ..والمثقلين بهموم الغربة.

6. ما يقرب من مليون عراقي ممن أسقطت عنهم الجنسية وُسلِبت ممتلكاتهم وبيوتهم وطردوا عُراة من وطنهم..الذين دَفنوا أحباءَهم وأحلامهم في قفار الحدود المفخخة..

7. العراقيون الذين أزيلت بيوتهم ،أوتحتلها العصابات المسلحة، أو التي استملكها الغرباء بقوة السلاح أو بقوة الفساد،أو بيوتهم المُحاطة بالقَتَلة تحت مختلف العناوين.

ولهذا نقترح تشكيل لجنة وطنية عليا (تضم ممثلين مستقلين عن الجاليات العراقية في كل بلد مع ممثلي الحكومة العراقية) لتنظيم العودة الطوعية للعراقيين وفق منهجية واضحة ، وخطوات بسيطة ودقيقة ومعلنة في وسائل الإعلام المحلية والدولية..

على إن تتضمن:

اتخاذ إجراءات عملية.. لتوفير..

· السكن..

· والعمل..

· والدراسة..

· وتعويضهم عن تداعيات الغربة..

مسبقا ..

للعوائل قبل عودتها للوطن..

ورصد الأموال الكفيلة بتحقيق ذلك..

وإيجاد البدائل للحالات المستعصية أو الملتبسة قانونيا..ومعالجتها..

إن مهمة تنظيم عودة اللاجئين لا يمكن أن تحققها أساليب – نمطية وبيروقراطية ومتعثرة وغير نافعة ومُعَرضة للطعن– كالتي تقوم بها وزارة الهجرة و المهجرين..

أنها بحاجة إلى خطط وإدارات وأجهزة للطوارئ (غرفة عمليات مركزية لاغاثة وإعادة الملايين طواعية إلى وطنهم ):

· تقودها هيئة عليا تشترك فيها جميع الوزارات والجاليات العراقية في المهجر..

· وتتشكل لها فروع في الدول التي يقيم فيها العراقيون..

· وتتوفر لها كل ما تحتاجه من كفاءات واعية ومتحمسة ونزيهة..

· وتعمل فيها فرق عمل متخصصة ومؤهلة..

· وتتوفر لها موارد مالية سخية..

· وتصدر عنها وثائق ومطبوعات لتسهيل مهمة العوائل العائدة..

· وتستخدم تقنية اتصال وتحليل ومعالجة وسيطرة وتحكم الكترونية حديثة..

لان خطط الطوارئ ترتكز إلى:

· السرعة في الاستجابة للنداء وتحقيق الهدف بأقصر وقت..

· الفعالية في الإجراء الذي يرضي المستفيدين..

· الدقة بالتنفيذ وعدم إهدار المال العام أو جهد القوة البشرية..

· النزاهة بالمتابعة والتقييم لجميع الأنشطة والإجراءات والخدمات..

· المثابرة في العمل وإيجاد المعالجات لمختلف الاحتمالات..

· الحرص على النجاح باعتباره رديف الحياة..

لأن بناء العراق سيحتاج إلى كل أبنائه في الداخل والخارج ..

وإذا كان “حكيم ولي الأمر!!” قد نبذ حفنة التمر وعاد إليها نادماً بعد إن عاث بها نجاسةً..لتنقذه من الموت جوعا..

فان إهمال بيدر العًنبر هذا ..

المُبَعثر في مدن وطرقات العالم..سيؤدي إلى إصابة العراق بالخواء والتعثر والسقوط في هاوية الاعتماد على الغير..إن لم تُتَخَذ قرارات شجاعة ،وسريعة ،وسخية لحماية كرامة ،وصحة ،وثقافة ،ومواطَنَة العراقيين في الخارج!..

آنذاك..

إن تَحَقَقَ ما نسعى إليه جميعا..

ويعود العراقيون كما كانوا..

ضيوفا مُكَرمين في مدن العالم..

لا مهاجرين ومشردين..

ستُغرَس في باب كل بيت مهاجر عائد إلى وطنه ..نخلة .. أو كَرْمة..وكلمة طيبة بحق أهل الأوطان التي استضافتهم طيلة عقود محنتهم في الغربة..

وسَيُكتَب تاريخٌ جديد لوطنٍ فريد استعاد أبناءه..

فجعلوه دُرَّة الدنيا!..

1/9/2008