الرئيسية » التاريخ » من الدرباسية( 1/ 12)

من الدرباسية( 1/ 12)

عندما كان الملازم أول محمد غباش مديراً لناحية الدرباسية، قبل أن يصبح فيما بعد وزيراً للتموين، وزيراً للداخلية، ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، ومن بعده، في عهد النقيب حيدر مرزوك، وباسم الاشتراكية العربية، والزحف العربي المقدس، تم الاستيلاء على قسم كبير من أراضي الملاكين الكرد حوالي الدرباسية. ونتيجة لذلك أصبح قسم من الأراضي ملكاً للدولة.

وعندما كان محمد حيدر وزيراً للزراعة ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، قبل أن يهرب من سورية ويقيم في أمريكا، كان حسين حسون محافظاً للحسكة، وحسن نحاس مديراً للزراعة، و الملازم أول محمد صبيح مديراً للناحية في الدرباسية، في هذا العهد تم توزيع قسم من أراضي الأكراد على بعض العشائر العربية التي تم توطينها في الجزيرة.

فتم تجريد الكثير من الفلاحين الأكراد من الأراضي التي كانوا يستثمرونها، وخاصة العائلات التي كانت السلطات العربية السورية قد جردتها من الجنسية السورية. فتحول هؤلاء الفلاحون إلى عمال زراعيين موسميين، أو إلى حرفيين، أو إلى مهربين أو مهاجرين متشردين في ديار الغربة.

تقع قرى دليك و ملك و شرك ضمن قطاع قبيلة آزيزان الكيكية، و كانت أغلبية الأراضي في هذه القرى الثلاث من ملكية عائلة عربو الآزيزية، فبالإضافة إلى أفراد هذه العائلة الكبيرة، كان العديد من الفلاحين يستثمرون هذه الأرضي البعلية مقابل حصة من الإنتاج (الحاصل).

-2-

كان محمد أمين شيخو من الفلاحين المجردين من الهوية و الأراضي. وكان قد تحول وعائلته، فيما بعد، إلى عمال موسميين يعملون في مشاريع القطن المروية على ضفاف نهر زركان، وخارج المواسم كانوايعودون إلى دليك.

بينما احتفظ عمه برو (ابراهيم)، و ولده الوحيد شيخموس بدارهم في قرية ملك، هجر محمد أمين مع عائلته إلى الدرباسية، وتوفي فيها عام 1980. وسأروي، في مكان آخر، كيف قمت شخصياً بغسل جنازته، بعد أن اعتذر العديد من الملالي من القيام بهذا الواجب. دُفن محمد أمين في مقبرة الدرباسية، وأخذ معه كل ثرواته من المجوهرات، و ذاب في ضريحه الترابي. وما عدا أصحاب الكرامات من أمثال الخوجة خضر، لم يعد أحد يعرف عنه وعن مجوهراته أي أثر.

تشردت عائلة محمد أمين في ضواحي دمشق طلباً للعيش. وقيل لي بأن زوجته فاتى(فاطمة)عادت مع بعض من أفراد العائلة إلى الدرباسية في بداية عام 2008، والتحقت بزوجها، في مقبرة الدرباسية، في منتصف شهر أيار من هذا العام .

في مساء إحدى أيام شهر رمضان، بينما كان محمد أمين مستلقياً على حصيرة في داره الترابي، يتابع بقلق أولاده الأربعة، فخرو( فخرية) وحميدى (حميد)، و حمدو (حمدية) وحلو (يوسف)، وهم يتحدثون عن أحلامهم فيما قد يحصلون عليه من ثياب بمناسبة قدوم العيد، و زوجته فاتى ، التي كانت مصابة بالربو، و التي كانت تسعل أكثر من زوجها المدخن، كانت تحضر طهي البرغل، دخل عليهما صديقه صوفي إبراهيم، ذلك الطبيب الشعبي المعروف في قرى آل عربو وفي الدرباسية فيما بعد.

كان صوفي إبراهيم رجلاً يزيد محمد أمين سناً، و ذي لحية بيضاء خفيفة، و كان نحيفاً وطويلاً، ويرتدي معطفاً طويلاً (تراشكوتاً). كان، منذ لا أدري متى، قد فقد إحدى عينيه، و استعاض عنها فيما بعد بعين بلورية. ولقد حضرت، عندما كنت طفلاً، جميع الجلسات الطبية التي كان يقيمها الصوفي المطبب لامرأة محجبة كانت قد ظهرت كونيرة (تمله) في ثديها الأيسر.

بعد مراسيم الترحيب، وعند الغروب، كسر الجميع صيامهم بالتمرة المباركة، ومن ثم تناول الجميع بشهية البرغل و البصل الجاف على الحصيرة. وبعد أن تأكد محمد أمين بأن صديقه قد شبع وارتوى كافياً بالدو(عيران)، بدأ بلف سيجارة من التبغ الخرسي، لكنه سرعان ما لاحظ بأن صوفي إبراهيم يرتعش، و يتلفظ بعبارات متقطعة لم يستطع فهمها. و بإشارة من رأسه، طلب محمد أمين من زوجته،إخلاء الغرفة.

وعندما أخذت فاتي أولادها إلى الغرفة الثانية، بشّر صوفي إبراهيم صاحبه محمد أمين، وقال بأن الحظ قد ابتسم لهما. وقال بأن الخوجة خضر قد جاء في منامه و أبلغه بوجود خزينة من الذهب، على بعد ثلاثة و ثلاثين خطوة من حجر الكداسترو (شواخص تحديد الأراضي)، الموضوع في السفح الشمالي من تل شِركِ، المشرف على حقل الألغام وعلى متاريس العسكر التركي.

وكانت فرحة محمد أمين في أوجها عندما سمع بأن الخوجة خضر قد قال لصوفي إبراهيم بأنه عليه اصطحاب محمد أمين معه، لفتح الخزينة و مشاركته في محتوياتها مناصفة.

أثنى محمد أمين على صاحبه، وحمدَ رب العالمين، وأكثر في الصلاة والسلام على الرسل والأنبياء، وعلى الأولياء الصالحين من أمثال الخوجة خضر. كان محمد أمين مسلماً ومن حفظة القرآن، لكنه لم يكن يفهم من الكلمات العربية إلا ما ندر. وكان يتقن كل ما يصلح من تلك اللغة لتطعيم قصصه الفكاهية.

بعد سماعه بأن الخضر قد تذكره في حلم صديقه، ترسخت عقيدة محمد أمين، و تيقن له وقتها بأن الإرادة الربانية أقوى من السلطات السورية التي جردته من جنسيته وحرمته من استثمار أرضه. فها هو قد اقترب من استعادة أثمن ما في تلك الأرض من مخزون، و سينال ما يكفيه من إعالة عائلته، وتعليم أولاده الصغار، وشراء كل الهدايا التي يحلمون بها.

و لكن استأنف الصوفي إبراهيم حديثه، وقال بأن الخوجة خضر قد اشترط عليه أن يتم التنقيب في ليلة مظلمة (بدون قمر)، وأن لا يستخدم الشريكان في التنقيب إلا رفشاً واحداً، و يجب أن يكون هذا الرفش ألمانياً.

أصّر الصوفي على ضرورة كتمان الأمر, و تنظيم العملية بسرية تامة، و إلا لفسد الحلم، واختفت الخزينة. فوافقه محمد أمين على ذلك، و وثق عهده لصديقه بالطلاق البائن، ولم يبق بينهما و بين الخزينة سوى التنفيذ.

قال الصوفي أنا أتيت بالخزينة، و ما عليك يا محمد أمين سوى الحصول على رفش ألماني، وبعد الانتهاء من التنقيب، سيكون من نصيبك نصف الخزينة.

بدأ محمد أمين يفكر في أفضل السبل وأسرعها للحصول على رفش ألماني. وتداعت أفكاره، واستذكر خلافه و قطيعته مع خالته بسبب تجارة الرفوش الألمانية (ما ذكرناه في الحلقة الأولى). في هذه الأثناء، سارع الصوفي إبراهيم في تغيير قعدته، وأعاد تذكير صاحبه بأنه هو الذي جلب الخزينة، ومن العدل والإنصاف، أن يطلب من صاحبه السماح له بأخذ بضعة ليرات ذهبية أكثر منه. لكنه أكدّ بأنه صاحب ضمير، وأنه لن يخالف تعليمات الخوجة خضر، و بدون رضاء صاحبه لن يأخذ أكثر من نصف الخزينة ولو قطعة واحدة من الذهب. فاعترف محمد أمين لصاحبه بالحق في بضعة ليرات إضافية أكثر من حصته، مكافأة لأمانته في نقل وصية الخوجة خضر.

كان حديثهما ينقطع كلما دخلت فاتى عليهما لجلب الشاي أو لأخذ الكاسات، ولكنها أحست بأن شيئاً يدور بين الصاحبين بدون علمها. و ازدادت شكوكها بالصاحبين عندما سمعت الحديث عن الذهب، فقلقت كثيراً و أصبحت مخاوفها تزداد عندما أصرا على عدم شرح الموضوع لها. وربما استشعرت منذ ذلك الوقت بأن محمد أمين سيتزوج عليها.

فكّر محمد أمين كثيراً في كيفية الحصول على رفش ألماني، و في النهاية تبين له بأنه لا توجد وسيلة للحصول على رفش ألماني سوى مصالحة خالته. ومصالحة الخالة مهمة صعبة، ولكن استعارة رفشها الألماني مهمة أصعب. لأنه يعرف بأن خالته ستسأله، بشكل أكيد، عن سبب استعارة الرفش إن طلب منها إعارته، وهو ملزم بكتمان السر، و إلا فالخزينة لن تفتح.

يتبع